لماذا غضب الرئيس من الإعلام؟

04/11/2015 - 1:35:25

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

لم يكن الرئيس السيسى غاضبا لنفسه، لم يكن منفعلا لشخصه، كان غضبه وانفعاله لأنه يرى مصر التى يحلم بها تتعثر والنخبة التى راهن عليها تخذله، والإعلام الذى ظن أنه فى ظهره لم يعد على قدر المسئولية، غضب الرئيس لأنه قبل أن يكون رئيسا فهو مصرى لا ترضيه حالة التردى الإعلامى التى لا تخفى على أحد، نعانى منها قبله، غضب وانفعل لأنه كان يطمع أن تكون شاشات الفضائيات منابر تنوير وتوعية من أجل مصر فوجدها تتحول إلى ساحات معارك شخصية واتهامات متبادلة وتقطيع فى جسد مصر ما بين ينايريين ويونيويين، السيسى وقف فى الندوة التثقيفية العشرين التى أقامتها القوات المسلحة بمناسبة احتفالات أكتوبر ولسان حاله يقول(.. أين مصر فى الإعلام، لماذا تراجعت لتحتل مكانها أولويات أخرى؟..)، عاتب الرئيس الإعلام دون حرج لأنه كان يطمع منه فى المزيد من التجرد والاهتمام بالمصالح الوطنية، لام السيسى الإعلاميين لأنه كان ينتظر منهم أن يكونوا معه لا عليه، معه من أجل مصر وليس من أجل شخصه، قالها وهو يقصدها، اعملوا حاجة لبلدكم، دعاهم وهو واثق.. لا تضيعوا الأمل عند الناس، نصحهم وهو صادق فى النصيحة.. لا تختلفوا فبلدنا تكفينا وزيادة.


قد يظن البعض هذا الحديث من الرئيس تلقينا غير مباشر، وقد يفسره بعض المتحزلقين بأنه بداية لتكميم الأفواه، او التضييق على الإعلام، وقد يذهب البعض بعيدا ليدعى أن صبر الرئيس قد نفذ من تصرفات الإعلاميين لكن المؤكد أن الرئيس لم يكن يقصد التوجيه ولا هو من هواة التضييق أو التكميم ولا هو ممن ينفد صبرهم سريعاً.فهو مقاتل لا يغلب غضبه عقله ،القضية أن الرئيس من المقدرين لدور الإعلام، يعرف أن بيده إصلاح المجتمع أو إفساده، يدرك أن الإعلام لا يقل خطورة عن منابر الأوقاف، وكما طالب بإصلاح الخطاب الدينى يتمنى لو أصلح الإعلاميون خطابهم بأيديهم وأن يقدموا إعلاما بناءً لا هداماً، توعية لا فتنة، إعلام دولة بحق وليس إعلام أشخاص، قالها وكأنه يحذر، دى دولة بتضيع مننا، فهل يقبل الإعلاميون أن تضيع مصر من بين أيدينا، هل يرضيهم أن تسقط بعد كل هذا الجهاد للمصريين، الرئيس قالها مبتسما وهو يخاطب الإعلاميين لكنها ابتسامة ممزوجة بالحزن.. المرة الجاية هاشكى للشعب المصرى منكم، سيشكو لأن التجاوزات زادت عن الحد، والإساءات تعدت كل الخطوط، لم تعد هناك قيم ولا ضوابط، الفزلكة والتنظير والتطاول صفات أصبحت تحكم كثير من الشاشات الآن، الرئيس سيشكو للشعب ليس للتحريض كما يروج البعض، وإنما لأن الشعب أيضا أضير من الإعلاميين المتجاوزين، فلم تعد لدى كثير من الإعلاميين حرمة بيوت ولا احترام لتقاليد، الشعب نفسه يئن من الإعلام، الشعب نفسه أكثر غضبا على الإعلام من الرئيس، يعلمون كما يعلم الرئيس أن كوارث الإعلام لا تقل أبدا عن كوارث أى قطاع آخر، يدركون أن بعض الإعلاميين استغلوا الشاشات ومساحات الهواء بلا ضمير ولا وعى ولا خوف على البلد، قلة تحكموا فأفسدوا الشعب الذى سيشكو إليه الرئيس يصرخ منذ فترة مطالبا بميثاق شرف يحترم حق المشاهد ويحمى الخصوصيات، الشعب الذى سيشكو إلى الرئيس كان يحلم مثله بإعلام يخدمه، يقدم له الحقيقة مجردة من الأهواء، كان يتمنى أن يقدم له الإعلاميون الأمل بدلا من الإحباط، كان يطمع أن يشاهد فى الإعلام مصر التى يريدها، لكن خذله الاعلام مثما خذل الرئيس.


قد يغضب البعض من كلام الرئيس، لكن المنصفين يعلمون أنه لم يقل غير الحقيقة،لو كانت الصورة غير ما قاله الرئيس لما ترددنا في معارضته، لكن للأسف الإعلام حاله لا يرضى أحدا، سوءاته كثيرة وسقطاته تحتاج وقفة تعيده إلى صوابه،وتعيد إليه ثقة الناس، كلنا نقول تقريبا ما قاله الرئيس وربما أكثر، نشكو مما يشكو منه، مصدومون أكثر منه، فبعض الإعلاميين لا يرون الأوضاع إلا بنظاراتهم السوداء، لا يرون أملا ولا يتحدثون عن إنجاز، يلخصون مصر فى الكوارث والمصائب، بينما هناك صورة أخرى لمصر المستقبل ظاهرة للعيان رغم ذلك يتعامون عنها عمدا.


نعلم أن الرئيس لم يكن يريد من الإعلام أن يغمض عينه عن السلبيات ولا أن يتجاوز عن الهفوات، لو شعرنا أن فى نيته هذا لما وافقناه، ولكنه يريده إعلاما يقدم الوضع كما هو ليبصر الناس بما تحقق فى بلدهم،ليجعلهم شركاء فى الإنجاز كما هم شركاء فى التحدى، فكما قال الرئيس «نحن فى شراكة جميعا.. أنا وأنتم.. الحكومة والشعب.. نواجه التحديات والظروف ونحاول حل المشكلات بقدر الإمكان لتنطلق مصر إلى الأمام.. نبذل جهدا كبيرا ولابد للمواطن أن يعلم بهذا الجهد وأن يشارك فيه، وحل المشكلات لا يتم بسهولة أو ببساطة، لن نبيع أبدا الوهم للشعب، وأنا واحد منكم جبتوه وقلتوله خلى بالك، وأنا بخلى بالى، واحنا ماشيين بشكل جيد».


كان الرئيس يريد من الإعلاميين أن يكونوا أكثر موضوعية ويشرحوا للمواطنين البسطاء الذين ينتظرون الإنصاف أن الدولة تبذل جهدا من أجلهم، قالها الرئيس.. نحن نبذل جهدا ربنا وحده اللى يعلمه،لكن المشاكل المتراكمة كانت ضخمة جدا، وانتو لازم تتحملوا معانا المسئولية الحكومة والإعلام وكل من يخاف على مصر».


بنبرة عتاب قال الرئيس.. «المشاكل لو بتتحل بالكلام ما كنش حد غلب، وفى ظروفنا المشاكل معقدة ومش بسيطة، وهذا الشعب فعلا لم يجد من يرفق به أو يحنو عليه، ودى كلمة أنا كررتها كتير قبل كدا». واستطرد الرئيس: «كلنا مشتركين فى حماية مصر والدولة المصرية مش حد تانى،


كان السيسي يتمنى من الإعلاميين أن يدركوا أن ما مر من فترته لم يتجاوز سبعة عشر شهرا وليس سبعة عشر عاما، ورغم ذلك بقسم.. والله ما تحقق هو حلم ربنا أعاننا عليه.


كان يريد أن يقدر الإعلاميون ظروف البلد وصعوبة اتخاذ القرار السياسي فى مرحلة كالتى تمر بها مصر،يقول الرئيس.. عشان عاوز أحافظ على ثبات المجتمع أنا بطبطب على كله،


كان الرئيس يتمنى أن ينقل الإعلام للمصريين صورة تطمئنهم على بلدهم، وتؤكد لهم أننا وإن كنا نواجه صعوبات وتحديات إلا أننا نخطو نحو المستقبل بنجاح، فما تحققه قوات إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية من نتائج وجهود وطنية مخلصة خلال العمليات الأخيرة فى مناطق مكافحة النشاط الإرهابى بسيناء وتأمين حدود مصر على كافة الاتجاهات يستحق أن نقف أمامه ونطمئن إليه ونتأكد من قدرة الدولة المصرية على اقتلاع جذور التطرف والإرهاب واستعادة البناء والاستقرار والتنمية.


كان يتعشم من الاعلام مثلما ينتقد كل شىء أن ينقل الوجه الآخر في مصر..ينقل الصورة التى تؤكد أننا قادرون على مواجهة الأزمات مثلما نجحنا فى حل مشكلة الكهرباء التى عجزت دول كثيرة عن مواجهتها، ففى العام ونصف الماضيين أنهينا مشكلة الطاقة، وأصبح لدينا ما يكفى للاستثمار والأنشطة الصناعية بكل يسر، يتساءل الرئيس «أنتوا عارفين دا بكام؟ ومنين؟»،ويجيب عن نفسه ليؤكد أن تكلفة مشروعات الطاقة الجديدة فى مصر بلغت نحو ١٥٠ مليار جنيه.


بنفس الأمل كان الرئيس يتمنى لو تحدث الاعلام عن شبكة الطرق القومية التى يجرى تنفيذها حاليا بتكلفة ٥٠ مليار جنيه، تم الانتهاء من نحو ٩٠٪ من المرحلة الأولى منها، وجارى البدء فى تنفيذ المرحلة الثانية، موضحا أن هذه الشبكة تتضمن إضافة ٥ آلاف كم من الطرق لتعزيز قدرة الطرق المصرية على تقديم خدمة مناسبة لحركة الاستثمار المتوقعة فى مصر خلال الفترة المقبلة.


كان الرئيس ينتظر ان يتحدث الاعلام عن تكلفة تطوير السكة الحديد.


طرح الرئيس تساؤلا.. كان أولى بالاعلام ان يطرحه، وهو لماذا تجهز الدولة مرفق السكك الحديدية وتنفق عليه كل هذه المليارات.. ؟


الإجابة أيضا من الرئيس بأن الهدف أن تكون السكة الحديد مناسبة لدولة بحجم مصر وتناسب حركة الركاب، ونقل البضائع والمساهمة فى الاستثمار القادم،


فالبنية الأساسية للطرق فى مصر كانت متواضعة جدا وهذا على حد وصف الرئيس، تعبير مهذب أو رقيق.


يواصل الرئيس تساؤلاته «المليارات التى تحتاجها مصر هتيجى منين.. ثم يكمل موجها كلامه للاعلام ولكل المصريين :أوعوا تدونى ضهركم وتمشوا».


قال الرئيس عبد الفتاح السيسى: إن الدولة ومؤسساتها تبذل جهودا كبيرة من أجل تحقيق التنمية المستهدفة خلال الفترة المقبلة، « وكان لازم نحل موضوعات الكهرباء والغاز فى مصر حتى نستطيع خلق استثمار حقيقى».


يخاطب الرئيس الإعلام بمنطق المسئولية ويلفت الانتباه الى أنه فى بلد كمصر ليس كل ما يعرف يقال، ليس من أجل خداع الشعب وإنما من أجل ألا نصدر له القلق، ويستشهد الرئيس بما شهدته مصر من تدهور أمنى خلال وعقب ثورتى يناير ويونيه


يقول الرئيس إن المصريين لم يعلموا أنه قبل ثورة يونيه بستة شهور كان رجال القوات الخاصة وحرس الحدود منتشرين على الحدود الغربية والشرقية وفى أماكن لم يدخلها بشر، كانوا لا ينامون والقوات الجوية لا تتوقف من أجل حماية مصر من تهريب السلاح والمقاتلين اللى كانوا جايين يقلقوا راحة المصريين».


يذكرنا الرئيس بأن سيناء وصلت الأحوال فيها الى درجة أن العناصر الإرهابية تتحرك بالعربات وعليها أعلام وأسلحة ثقيلة، بكل حرية فى شوارع الشيخ زويد ورفح. وكأنه لا توجد سيطرة للدولة أصلا فى هذه المناطق، لكن لم نكن ننقل للناس هذه الصورة حتى لا نصدر لهم القلق، واستطعنا خلال هذه السنوات أن نحقق الكثير


واستعدنا الأمن والآن عملية حق الشهيد تحقق نجاحات فى سيناء من أجل تطهير تلك المنطقة من الإرهاب بشكل كامل خلال الفترة المقبلة، فالمرحلة الأولى انتهت قبل عيد الأضحى، وحققت نتائج جيدة.


وبكلام واضح يحسم الأمر يخرس الأمر ويخرس كل الألسنة ويقول.. نحن نحمى دولة ولا نحمى نظاما.


وحتى لا يتخيل البعض أن الرئيس يعيش بعيدا عن هموم الناس كان ضروريا أن يتحدث عن مشكلة الأسعار التى أكد أنها لم تغب عنه طوال الفترة الماضية قائلا: «اوعوا تتصوروا أنه يغيب عنى ارتفاع الأسعار، أنا واحد منكم أعرف كويس الظروف الصعبة للناس، وعارف عايشين ازاى، وإن شاء الله آخر هذا الشهر هتكون الدولة خلصت، تدخلها لخفض الأسعار بشكل مناسب، واللى هيوفر طلبات الناس من السلع الأساسية، هو الدولة والقوات المسلحة التى ستفتح منافذ للسلع الأساسية.. واللى عنده حاجة يصرفها.. فلن نسمح بزيادة الأسعار وهنشوف تحسن ملحوظ إن شاء الله»..


هكذا غضب الرئيس من الاعلام.. غضب المحبيين، كان يلوم بلسان المدرك لقيمة الاعلام الذى يعلق عليه آمالاً كبيرة..


يبقى لنا عتب على الرئيس. فالغضب وحده لا يكفى ومثلما على الإعلام أن يراجع نفسه، فنطالب الرئيس أن يوقف من يتحدثون باسمه عند حدودهم،مقام الرئيس عال ولا يجب أن يمنح ثقته الا لمن يستحق ولا يقرب اليه إلا من يعرف قدره وقيمة مصر ويقدر المسئولية، وكفى من اطلقوا العنان لانفسهم وهاجموا الجميع باسم الرئيس وهو منهم براء.


لقد حان الوقت ليعلم هؤلاء ان الرئيس ليس حكراً على أحد. فهو رئيس كل المصريين ولم يمنح توكيلا لأحد كى يتحدث بأسمه، حان الوقت كى تعيد الرئاسة حساباتها فى اسماء من يتقربون اليها لتنتقى من يعرفون مصلحة الوطن ويقدرون مسئولية الاعلام.


حان الوقت لترى التشريعات الاعلامية النور كى تضبط الواقع الاعلامى والصحفى الذى انفلت بغير حساب.


الرئيس يشكو.. والشعب يشكو.. اذن لابد من الوقفة التي تردع المتجاوزين لكن بالقانون.