رسالة إلى الرئيس: إذا كنت قدرنا فليوفقك الله

04/11/2015 - 1:25:58

بقلم - حمدى رزق

 « أنتو بتعذبونى أنى جيت هنا ولا ايه ..»، قالها الرئيس وهو ممرور، وفى الحلق غصة، يزدرد الرئيس ريقه الجاف، «ميصحش كده»، يعاود الابتسامة، يصدق عليه عنوان «العذاب فوق شفاه تبتسم»، عقدت الدهشة ألسنة الحضور، أدرت نظرى فى الوجوه المشدوهة  من نبرة الرئيس، أول مرة السيسى يغضب هكذا، ويرتقى الدرج مسرعا وكأنه يريد أن يخلص من عبء فظيع، ويخفف من ثقل يضغط على صدره، ينفث عن غضبه، ويشكو للحضور ألمه.


الرئيس السيسى خرج عن طوره، حتى عن سياق كلمته، قدم وآخر فى الترتيب، بلا ترتيب،  أرادها رسالة واضحة الحروف، جلية المعنى «خليك فى حالك».. وكأنه يقول للمتفلسفين والمتحذلقين، أنت عارف حاجة، ولا فاهم حاجة، سيب اللطام لأصحابه، أنتو بتعذبونى أنى جيت هنا ولا أيه، أنا مربوط فى الساقية، وانتو بتغنوا للقمر.


سيادة الرئيس لست وحدك، أنت معذب ونحن معذبون، ولسنا منعمين، ونعتبر لعذابك، ونقف فى ظهرك، ومعك حتى آخر المشوار، نعلم أن المشوار صعب وطويل، ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، ذكرت ثلاث خطوات، الغاز والكهرباء والطرق، مشيناها خطى كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها، سنمشيها معا، خطوة خطوة، فقط من أين الطريق، حدد الطريق ونحن معك سائرون، لن نقول لك اذهب أنت ورئيس حكومتك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن سنقاتل معكم، الحرب حربنا، والمعركة فى ديارنا.


فقط هلا أشركتنا، هلا أشركت العلماء والخبراء المخلصين والوطنيين فى رسم خارطة الطريق، القفة التى لها ودنين، يشيلوها اتنين، فلتتح لنا الودن التانية، علشان نشيل، ولا تخش شعبا عظيما،  مثل جمل الحمول، صابر، أشركنا فيما تنتوى وتفكر وتخطط وتذهب، نحن شركاء على الورق، هلا تحولت الشراكة إلى واقع، لماذا تتعذب وحدك، العذاب ليس قدرك، تخفف، أسند الأمر إلى أهله، ووسد للعلماء والمفكرين والشباب، لماذا تحمل وحدك الحمل على كاهلك، استعن بالله، وبالمخلصين وضع الأمر بين أيديهم، وشاورهم فى الأمر.


سيادة الرئيس أنت جئت هنا لأننا نريدك هنا، وكلفناك، وفوضناك، بحق اخترناك،  وحملناك الأمانة، إنا عرضنا الأمانة، والأمانة تقتضى من كل من فوضك أن يشارك فى المهمة المقدسة، إيفاء التفويض حقه،  عزوف مؤسسة الرئاسة عن الاستعانة بالمخلصين الوطنيين أعادنا إلى عصور الأنامالية المميتة، عندما يتم تهجير الأفكار والخبرات عن المجال الحيوى لصناعة القرار، وجدت الأفكار طريقها إلى معارضة سياسات النظام، النظام الذى لايستصحب الأفكار، لا يغضب من الأفكار إذا شذت وحلقت بعيدا عن المجال العام، ترفرف بجناحاتها فضائيا وفيسبوكيا .


فيما خلا الإخوان المجرمين والتابعين ومن لف لفهم واستن سنتهم فى التخريب، كل مصرى وطنى يتمنى لك النجاح، لانملك أبدا رفاهية السقوط، كما لانملك سلطة عذاب، نحن من نعذب بالغموض، تقول بلاش انكد على الناس بحقيقة الوضع فى مصر، الحقيقة ولا غيرها وإن كانت قاسية تخفف عذابك، وعذاباتنا، الحقيقة المرة كالدواء المر يلزم تجرعه، إذا كانت الحقيقة مروعة ومخيفة فنحن لها، وأولى بها .


 عندما يقف المواطن على حقيقة الناتج القومى، والدخل القومى، والدين الداخلى والدين الخارجى، وانكشاف الاحتياطى، وفاتورة الاستيراد، وتراجع الصادرات والتحويلات وانهيار السياحة، كل هذا تحمله وحدك وتطوف على العواصم الدولية تلتمس المعونة الصادقة، ينبح عليك الكلاب العقورة تجتمع ممولة فى العواصم، التمس منا نحن جهدا خالصا، قل لنا ولا تخشى منا، نحن أولى بك، انت منا ونحن منك، دعك من سفاسف القول، وهزل الحكى، وتغريد البوم على الشجر .


شعبك فى المزارع  والمصانع والجامعات وقعور البيوت الطينية هم من يحملون همك، ويشاطرونك ألمك، لا تعدو عيناك عنهم، وكن لهم ظهرا وسندا، ولا تلقى بإلا للمرجفين، واعلم أنك لو أضأت لهم أصابعك العشرة «شمع» ستحترق أصابعك ولن يرضوا، ولن ترضى كل الناس طول الوقت، الناس الحقيقية ينتظرون منك الكثير ويرضون بالقليل، ينامون من غير عشاء بحلم الفطور، هؤلاء أولى بك وأنت أولى بهم، أهلك وناسك.


يعذبك ياسيادة الرئيس فقط بكاء طفل لايجد لبن الرضاعة، ويؤلمك مريض يترجى الله فى علبة سوفالدى، ويحزنك عجوز لاتجد معاشا، أو شاب لايستطيع الباءة، ورجل يذهب إلى سوق الرجال يطلب عملا شريفا ولا يجد من يستأجره، فيعود إلى أهله ملوما محسورا، من الحسرة والحزن والألم .. هذا مايشقيك دون ذلك لاشىء يحزنك.


لا يحزنك فضائى شارد، أو فيسبوكى عقور، أو منظر حلنجى، دعك من هؤلاء، عينك وعبادتك الغلابة، ودينك وديدنك الفقراء، سيادة الرئيس انت رئيس الفقراء، ومن يمس قوت الفقراء عليك به، ولا تأخذكم بهم شفقة ولا رحمة، ضلّل على الغلابة، الله يسعدك .


لا أستغرب منك حديث العذاب، توقعته، ولا أخشى من القادم، إنما القادم إن شاء الله أحلى، ولكن يعذبنا بقاء هؤلاء  المحتكرين على حجر الطاولة يمصون دماء الفقراء، وهؤلاء ممن يتسمون برجال الأعمال وهم رجال أعمال سفلية فى ظلام الدولة المصرية، بدلا من أن تتعذب اضرب بيد من حديد على تجار الأقوات، سيادة الرئيسٍ ظهر الفساد فى البر والبحر، فى البلاد طائفة من تجار «الأرنص»، يتاجرون فى الأقوات، وطائفة من «أثرياء الحرب « على الإرهاب، هؤلاء وغيرهم كثير هم من يعذبونك ويعذبوننا، هم من يغتالون الفرحة فى عيون يطل منها بصيص أمل، يخطفون اللقمة من أفواه جائعة، «أفواه وأرانب»  اسم فيلم، للأسف نحن أفواه ولكن لسنا أرانب تأكل الحشيش من تحت أقدام الفيلة، نحن رجال وإذا استعنت فاستعن بالرجال من بعد عون الله سبحانه وتعالى يسخر للأمة من رجالها طائفة من المخلصين.


ربنا يعينك ويقويك، خذ من أموالهم لبناء المدارس والمستوصفات، افتح المصانع، وانشر المزارع، وابسط القانون سيفا على رقاب الجميع، لو فاطمة بنت محمد سرقت .. هكذا يوصيك ويوصينا الرسول الكريم، صلى الله على خاتم المرسلين، لماذا يفلت المجرمون من العقاب، ولماذا يتأخر المظلومون فى نول الحق، العدالة البطيئة ظلم، لماذا يبقى الشباب فى السجون وتمرح القطط السمان فى القصور، لماذا يمتطى  الوزراء المرسيدس، والتوك توك وسيلة مواصلات للغلابة.


 أقسم بالله وهذه شهادة أمام الله، وعليها شهود، إن وجبة الغداء يوم الندوة التثقيفية، يوم حديث العذاب، كانت كفافا، لماذا يتلذذ البعض ويمز بالسيمون ونحن نكمل عشانا نوما، نغمس الخبز الحاف بماء قراح، ماله الفول المصرى، ألا يحزنك فول كاليفورنيا فى سلاسل المحلات الخاصة المكيفة بنفس أسعار كهرباء عشش الفراخ.


حسنا تبحثون التخفف من عبء دعم الطاقة، وتحملنا الجولة الأولى محبين صابرين أملا فى تحسن الأحوال، شىء من العذاب، ولكن لماذا تذهب الطاقة إلى الجامعات الخاصة والمدارس الخاصة والمصانع الخاصة واللنشات الخاصة، والسفارات بسعر مدعم، ارفع الدعم عن هؤلاء، ولا تعذبنا حكومتك وتهددنا كل يوم برفع الدعم عن المحروقات، هم ينفسون دخان سيجارهم الكوبى فى وجوهنا، ونحن نسعل من المعسل السلوم، كله ضرائب ضرائب، مفيش منح عطايا، ياريس قرب حبة من الفقراء تزيد محبة.


من العذاب أن تقرر سيادتك علاوة دورية، فيعذبنا عليها سدنة وكهنة البيروقراطية، تخيل صحفيا شابا مقضيها على قدميه بين المصادر يستكثرون عليه العلاوة، ويفاصلون من الفصال، يكفى مائة جنيه، يمنون علينا نحن ناسك فى الصحافة القومية، تخيل مليون عبوة  سوفالدى  قررتها للمرضى تتحول من نعمة إلى نقمة، يحصلون عليها بطلوع الروح، وغالبا تطلع روحهم قبل أن يمن عليهم دهاقنة التأمين الصحى بجرعة أولى، مرضى يفضلون الموت بكرامة على الشفاء بالبهدلة وقلة القيمة والتسول، المصريون تحسبهم أغنياء من التعفف، معذبون فى الأرض.


هل بلغكم عذابات الدروس الخصوصية، هل نما إلى علمك النقص الفادح فى الحضانات فى المستشفيات، كم طفلا ناقص النمو يموت سنويا، حتى الأمصال أفسدوها، سماسرة الطب الخاص يضربون عرض الحائط بتعليمات رئيس الوزراء، لاتقبل جرحى الحوادث إلا بعد تأمين وجعل مالى، كم جثة رهنت حتى تمام السداد، لجأت إليكم مرات فى حالات قاسية لأعلام محترمين تعففوا عن الحرام، غدر بهم الزمان، وكنت خير معين، لمن يلجأ البسطاء الذين لا يعرفون للإعلام طريقا، صناديق الشكاوى والمقترحات لا تفتح أبدا.


 كنت أعلم شيئا من العذابات، البيروقراطية قتلت الآمال فى النفوس، وصارحتك يومها وكنت لاتزال مرشحا، سألتك ولم أخش ملاما وهذا مذاع،  كيف تنهض بدولة هذا حال محلياتها، وكورت قبضتك فى الهواء، وقلت الحل فى يدى، عاودت السؤال، ماذا فى يمينك، قلت الجيش والشعب، ثنائية الإنجاز، والإعجاز،  وتحليت بالصبر والأمل، ربنا يصبرك على مابلاك، على هذه الورثة، ورثة سيئة، وناس تأكل مال النبى وتتغدى بمال الصحابة، لا ذمة ولا ضمير، ابحث فقط عن الخلصاء فيهم الخلاص من عذاباتك.


منقول عن مولانا الشيخ متولى الشعراوى قولا سديدا، مناصحة على أعتاب القبر يرحمه الله، ولازمة فى هذا السياق : «إذا كنت قدرنا فليوفقك الله، وإذا كنا قدرك فليعنك الله على ما تتحمل».