جدوى جولات الرئيس السيسى الخارجية.. والسياسة الداخلية

04/11/2015 - 1:09:59

  الرئيس فى زيارة إلى السعودية.. وفى الصورة الملك سلمان بن عبد العزيز الرئيس فى زيارة إلى السعودية.. وفى الصورة الملك سلمان بن عبد العزيز

بقلم- السفير د .عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الإستراتيجية

أثار السيد الرئيس فى خطابه أمام الدورة التثقيفية للقوات المسلحة موضوع جولاته الخارجية وهل هى مجدية أم لا، وانتقد المطالبين بالتقليل منها للانتباه للداخل.


فكرة التقليل من الزيارات الخارجية لرئيس الدولة - أى دولة وليس بالضرورة مصر - مسألة سبق وأثيرت من قبل فى مناسبات عدة سواء على مستوى العالم أو فى مصر فى عهود سابقة لرؤساء آخرين حكموا مصر بنفس الدعوي، أى أن الداخل أولى بالرعاية عن الخارج، خاصة فى ظل وجود وزير خارجية محترف تربى فى أروقة وزارة الخارجية وملم بدهاليز السياسة الخارجية ومتطلباتها، فعلى سبيل المثال أثيرت نفس القضية مع الرئيس الأسبق أنور السادات وتحديدا عندما قرر زيارة القدس، وكانت القضية فى ذلك الوقت ليس مجرد زيارته الخارجية وإنما مدى تدخله فى السياسة الخارجية بما يحول دون قيام وزير الخارجية بعمله المناط به أساساً.


لكن ما يهمنى هنا علاقة الجولات الخارجية بالوضع الداخلى وهل هناك أولوية تربط بينهما وإذا كانت هناك أولويات بينهما فأيهما أكثر أهمية؟


فى إطار علم السياسة التقليدية الذى ساد حتى ستينيات القرن العشرين، سادت رؤية مفادها الفصل بين السياسة الخارجية وأنشطتها والسياسة الداخلية ومجالاتها، وكانت السياسة الخارجية تسمى السياسة العليا للدولة، بينما السياسة الداخلية كانت تحتل أولوية متأخرة عن السياسة الخارجية وكانت تنقسم بين سياسة اقتصادية، وأخرى اجتماعية، وكانت السياسة العليا فى ذلك الوقت من اختصاص الملوك ورؤساء الدول، ولايمكن لأى وزير خارجية أن يقترب منها إلا بإذن واضح من الملك أو الرئيس وتتوقف مهامه عند تنفيذ تعليمات هذا الملك أو الرئيس.


هذه الرؤية للفصل بين السياسة الداخلية، والسياسة الخارجية كانت مرتبطة بالدرجة الأولى بتنظيم العلوم السياسية الذى أقره اليونسكو عام ١٩٤٨ والذى كان يقسم هذه العلوم الحديثة بين النظم السياسية وما يرتبط بها من علوم مثل القانون العام، والأحزاب السياسية، وبين العلاقات الدولية كان يرتبط بها تاريخ العلاقات الدولية، والعلاقات الإقليمية التى كانت ترتبط بتاريخ أوربا أساسا بالقانون الدولي.


إلا أنه فى نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات تغيرت هذه الأوضاع نتيجة جهود عدد من علماء العلاقات الدولية الذين أكدوا ارتباط السياسة الداخلية بالسياسة الخارجية وعدم إمكان الفصل بينهما، بل تأكيد أن السياسية الخارجية ما هى إلا امتداد للسياسة الداخلية بمعنى ارتباط السياسة الداخلية بالخارجية، فالسياسة الخارجية أصبحت تخدم على السياسة الداخلية، بمعنى أن كلا من السياسة والداخلية والخارجية يمثلان بعدين لبرنامج سياسى واحد، فالسياسة الداخلية ليست سوى ترجمة لهذا البرنامج فى الداخل فى حين أن السياسة الخارجية هى البعد الخارجى لهذا البرنامج السياسى ولذا ظهرت مفاهيم فى الممارسة تعكس هذا النمط من الترابط، ومن هذه المفاهيم ظهر مصطلح دبلوماسية التنمية الذى استخدمه على نطاق واسع أستاذنا الراحل د. عصمت عبدالمجيد وزير الخارجية الأسبق، ودبلوماسية الأزمات وكان أكثر من استخدمه هنرى كيسنجر أبو المدرسة الواقعية فى الولايات المتحدة الأمريكية.


وفى هذا الإطار من الترابط بين السياستين الداخلية والخارجية ظهرت فكرة إدارة الصراعات والأزمات الدولية، فأعيد فى البداية إحياء الأبعاد الداخلية للأزمات الدولية، كما تم رد الاعتبار فى مرحلة تالية إلى الأبعاد النفسية للصراعات والأزمات الدولية، وهو الإطار الذى ظهر فيه كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل بعنوان “ خريف الغضب”، وهو الإطار الذى ظهر فيه أيضاً كتاب ايفجينى بريماكوف رئيس وزراء روسيا الراحل عن عبدالناصر، وعن “تشريح أزمة الشرق الأوسط”.


فى هذه المرحلة اكتسبت السياسة الخارجية نفس أولوية السياسة الداخلية، بل كانت تسبقها فى الأولوية بخطوة، لأن الاستثمارات كانت تستدعى تدخل رؤساء الدول والملوك، وكان مدى الشرعية التى يتمتع بها روساء هذه الدول والملوك فى المجتمع الدولى أساسا لكم ونوعية الاستثمارات التى يمكن الحصول عليها خاصة أن هذه الحقبة اتسمت بقدر عال من الاستقطاب الدولى الحاد مما أدى إلى انقسام الشرعية الدولية إلى شرعية شرقية بمعنى أن بعض رؤساء الدول اكتسبوا رضا وتقدير الكتلة الشرقية، فى حين أن بعضهم الآخر اكتسب رضا الكتلة الغربية وعدم رضا الكتلة الشرقية، ولذا تأثر نمط التنمية فى الدول النامية بنمط الشرعية الدولية الذى اكتسبه رئيس الدولة ، فاتسم نمط التنمية فى مصر مثلا فى عهد الرئيس عبدالناصر بالنمط الشرقى للتنمية القائم على التوسع فى القطاع العام والتصنيع الثقيل والإنتاج الضخم فى حين اتسم نمط التنمية فى خلفه الرئيس أنور السادات بالنمط الغربى للتنمية القائم على القطاع الخاص والحرية الاقتصادية والاتجاه نحو قطاع الخدمات كالسياحة والبنوك.


ومن ثم كان تحول مصر إلى الكتلة الغربية بعد زيارة الرئيس السادات للقدس عام ١٩٧٧ مرتبطاً بأبعاد معينة فى السياسة الداخلية مثل التحول من نظام الحزب الواحد إلى المنابر ثم التعدد الحزبى كما كان مرتبطاً بتحرير الاقتصاد من قبضة الدولة، الاتجاه إلى اقتصاد الخدمات والتوسع فى الاستثمار الأجنبى باعتباره مكوناً من مكونات التنمية الاقتصادية ارتباط السياسة الخارجية بالسياسة الداخلية لهذا النمط من التعاون والتعاضد أدى إلى زيادة أهمية الزيارات الخارجية التى يقوم بها رئيس الدولة ومن ثم ظهرت فكرة دبلوماسية القمة التى كثر عددها فى تلك الفترة، وكانت هذه المؤتمرات تتخذ من القرارات ما قد يعجز عنه وزراء الخارجية مقابل تقليص دور وزراء الخارجية وارتباطهم أكثر بالوظيفة التنفيذية، أما التخطيط واتخاذ القرار فقد ارتبط برأس الدولة .


كذلك فى تلك الفترة هدمت الحواجز التى كانت قائمة بين الوزارات والجهات المختلفة فى الدولة وأضحت السياسة الداخلية كتلة واحدة، فالمشكلات الاقتصادية ناقش فى صياغة حلول لها وزير الخارجية على قدم المساواة مثل وزراء الاقتصاد والمالية والتخطيط وربما بمهارة تفوق مهاراتهم لأنه على دراية كاملة باتجاهات الاقتصاد الدولى كما تطبقها المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولى أو البنك الدولى.


وأضحت أيضا عملية صنع السياسة الخارجية نتاج تفاعل ونقاش العديد من الجهات مثل المخابرات أو وزارات الدفاع، ووزارات الداخلية، ووزارات الاقتصاد والمالية والتجارة والتخطيط، وهو أمر طبيعى طالما أن السياسة الخارجية أصبحت امتدادا للسياسة الداخلية.


إلا أنه منذ سنوات تعد على أصابع اليد الواحدة ظهر التطور الثالث فى العلوم السياسية لعلاقة السياسة الخارجية بالسياسة الداخلية، فقد دخلنا إلى عصر المعلومات ومجتمع المعلومات، وعصر النظم السياسية المنفتحة التى أضحى فيها المجتمع المدنى شريكا على قدم المساواة للحكومة فى إدارة أمور الدولة من خلال مراقبة المجتمع المدنى للأداء الحكومى، ومكافحة الفساد، بل ومشاركته للدولة فى تنفيذ بعض المشروعت بمناطق قد لا تصل إليها يد الدولة أو فى ظل ظروف تحتاج فيها الدولة لدعم المجتمع المدنى لها مثل تعرض منطقة معينة لفيضانات مما يتطلب مشاركة الجميع لمواجهة الأزمة.


وقد أدى ظهور مجتمع المعلومات وتنظيمه على أسس شبكية إلى سقوط كافة الحواجز بين الدول سواء أكانت سياسية أم الجغرافية أم زمنية مما أدى إلى تدفق المعلومات دون عائق، وهو ما أدى إلى ارتباط السياستين الداخلية الخارجية بصورة وثيقة فأصبح البرنامج السياسى للحكومة موضع مشاركة جميع الوزارات والجهات، وخضعت السياسة الخارجية لنفس قيود ومنطلقات السياسة الداخلية فأصبحتا وجهى عملة واحدة هى سياسة الدولة.


فى ظل هذا الترابط فإن عمل رأس الدولة - سواء أكان رئيساً أم ملكا - فى الخارج لا يقل أهمية عن عمله فى الداخل، وأصبحت اجتماعاته بوزارته فى الداخل لا تقل أهمية عن اجتماعه بقرنائه فى الخارج، خاصة أن هذه الاجتماعات والزيارات الخارجية توضح الكثير من أفكاره وتساعد على اكتسابه خبرات جديدة فى التعامل الدولى.


فى هذا الإطار من انصهار السياسة الخارجية مع السياسة الداخلية فى إطار سياسة الدولة يستحيل وضع أولويات بين السياستين الداخلية والخارجية، كما يصعب الفصل بين بعض القضايا هل هى تتبع السياسة الخارجية، أم السياسة الداخلية، فمثلا قضية مثل قضايا جذب الاستثمارات يمكن اعتبارها من ضمن قضايا السياسية الداخلية إذا ما تكلمنا عن حوافز الاستثمار، ومد البنية الأساسية ، بقدر ماهى من قضايا السياسة الخارجية إذا ماتحدثنا عن حماية الاستثمار وتحويلات الأرباح والاستثمارات الرأسمالية، ولا تنفصل أهمية قضايا الاستثمار داخلياً عن أهمية الاستثمار خارجيا، إذن قضايا دور الرئيس فى السياسة الخارجية وتعدد زيارته مسألة محسومة فهى على نفس أهمية حل مشكلات الداخل، بل إن مشكلات الداخل لايمكن أن تنفصل عن زيارات الخارج، خاصة أنه أثناء زيارته الخارجية لاينفصل عن قضايا الداخل بحكم تفاوضه حولها، ولاينفصل عنها بحكم تطور وسائل الاتصال وأنماط الاتصال التى تجعله فى الخارج ويتخذ عدة قرارات داخلية ويتابع تنفيذها بكل دقة مع المسئولينفى الداخل بل ويمكنه عقد مؤتمرات افتراضية بالمحمول مؤمنة تماما .


إن مطالبه بإعطاء أولوية للداخل على حساب الخارج أمر غير منطقى ويتعارض مع متطلبات المرحلة الحالية التى تتسم أنها مرحلة انتقالية فى مصر تتطلب تنسيق الجهود وبذل كامل الجهد للعبور بالبلد إلى مرحلة الأمان خاصة وأن فكرة المساعدات الاقتصادية من الدول الشقيقة لم تثبت جدواها فى أى مرحلة فى تاريخ مصر منذ حرب ١٩٧٣ إلى اليوم، بل إن زيارة الرئيس السادات للقدس كانت نتيجة مباشرة لرفض بعض الدول الشقيقة مساعدة مصر على عبور المرحلة الانتقالية التى تلت الحرب خاصة أن يناير عام ١٩٧٧ كان شهد أقوى مظاهرات شهدتها مصر نتيجة رفع الدعم عن الخبز وهو ما أدى إلى غضب الرئيس السادات والإقدام على زيارة القدس بعد مناقشة مع بعض القيادات العربية، وشهدت هذه الفترة أقوى جدل فى مصر حول هويتها هل هى عربية أم إسلامية أم فرعونية واطلق الرئيس السادات بذكائه الحاد مقولته الخالدة أن «على العرب أن يتبعوا مصر بدلا من اتباع مصر للعرب لأن ستنا هاجر هى أم إسماعيل، وإسماعيل هو أبو العرب، كما أنه لا يمكن لدولة أن تعيش على المساعدات فقط، قد تلعب المساعدات دوراً مهماً فى المرحلة الانتقالية إلا أن استمرارها من المحال وقد رأينابعض التصرفات التى لاداعى لذكرها من بعض الدول الشقيقة بخاصة من تلك الدويلة التى تعد نتوءا فى الخليج لايبدو من الخرائط .


إن زيارات الرئيس السيسى للخارج فى غاية الأهمية فقد ساهمت فى تسهيل الحصول على استثمارات وفى زمن قياسى، كما ساهمت فى شرح مايحدث فى مصر، وفى شرح ماتقوم به الدولة من جهد، وفى توضيح أبعاد الأزمات التى تمر بها مصر ومخاطر هذه الأزمات عليها مما أدى فى النهاية إلى زيادة شرعية النظام الحالي، وتوالت الدول التى تستقبل الرئيس استقبالا رسميا بكل ترحاب بعد أن رفضها للاعتراف بالنظام التالى لثورة ٣٠ يونيه، بل إنها سعت إلى تقديم الاستثمارات وتحول الموقف للنقيض حينما قرر بعضهاإعادة النظر فى أنشطة الإخوان المسلمين فى بريطانيا.


ومن ثم فالزيارات الخارجية للرئيس لا تقل أهمية على الإطلاق عن الجهد المبذول فى السياسة الداخلية فكلاهما تعبير عن أهداف الدول، وكلاهما تعبير عن السياسة العامة للدولة.