الرئيس يشكو.. فمن إذن يملك الحل؟!

04/11/2015 - 1:05:06

بقلم - حمدى الكنيسى

فى كل مناسبة يؤكد الرئيس السيسى أنه لديه ملحوظات كثيرة حول الأداء السلبى للإعلام، وكثيرا ما ناشد الإعلاميين بأن يتذكروا رسالتهم الحقيقية السامية المتمثلة فى دعم ومساندة الوطن الذى يواجه أخطر وأبشع المؤامرات والمخططات، وكذا فى الحفاظ على القيم والمبادئ والأخلاقيات، وفى كلمته التى ألقاها مؤخراً فى احتفال “أكتوبر .. الإرادة والتحدي” عاد الرئيس ليجدد الحديث - بطريقته المهذبة - عن أخطاء الإعلام وتجاوزاته التى لاتصح ولا تليق، وأشار إلى خطورة الوقيعة بين ثورتى يناير ويونيه وكأن الهدف هو ضرب وحدة الصف الوطني، ثم طالب الإعلاميين بألا يكونوا سببا فى أن يفقد الناس الأمل، حتى أنه قال - بصريح العبارة - إنه سيشكوهم لدى الشعب!!


الواقع أن الشعب هو الذى يشكو من أخطاء وخطايا الإعلام، بل إن عددا كبيرا من الإعلاميين يضجون بالشكوى مما يرتكب البعض فى برامجهم من تجاوزات وخروقات تجسد حالة الفوضى والعشوائية والانفلات. ولكن يبقى السؤال: إذا كان الرئيس شخصيا يشكو من هذه الحالة المتردية للإعلام فمن غيره يملك الحل؟! إنه هو وحده من بيده الأمر “التشريعي”، خاصة أن القانون يتيح له ذلك، بمجرد أن يرفع له مجلس الوزراء “ مشروع قانون نقابة الإعلاميين” الذى سبق أن قدمته أنا شخصيا للرئاسة التى حولته فورا إلى مجلس الوزراء ومنه إلى لجنة الإصلاح التشريعى التى أقرت المشروع الذى لم يتحرك بعد ذلك دون مبرر أو سبب إلا إذا كان البطء التقليدى فى الجهاز التنفيذى الذى لا يلاحق الإيقاع السريع جداً للرئيس!! أما الآن وقد تبنى وزير الشئون القانونية ومجلس النواب : “المستشار مجدى العجاتي” قضية “النقابة” وهو نفس موقف وزير العدل “المستشار أحمد الزند” فلايتبقى سوى أن يرفع مجلس الوزراء مشروع القانون إلى الرئيس حتى يصدر “قرارا بقانون” يتيح الشكل الدستورى القانونى “لنقابة الإعلاميين تحت التأسيس” التى تضم ما يقرب من ثمانية آلاف إعلامى من القطاع العام والقطاع الخاص، وهى تنتظر فقط إشارة البدء القانونية لتمارس مهامها من ارتقاء بمستوى المهنة، وتنقية الساحة الإعلامية من الشوائب والسلبيات التى زادت عن الحد وفاقت الاحتمال وتكاد تهدد مسيرة ووحدة الوطن.إنها “نقابة الإعلاميين” التى تنوب عن الشعب والمجتمع المدنى فى إطلاق “ميثاق الشرف الإعلامي”، و“مدونة السلوكيات الإعلامية”.


كما تملك حق المراجعة والمتابعة والتوجيه والمحاسبة ثناءً أو مؤاخذة”، علماً بأن دورها هذا يلقى ترحيبا هائلاً من الإعلاميين المهنيين، والمثقفين، والمواطنين العاديين ولعل ما انتهت إليه عدة مؤتمرات إعلامية وثقافية من الدعوة المباشرة لقيام النقابة يؤكد هذا المعني. كما يؤكد الأهمية القصوى لصدور قرار الرئيس دون أى انتظار لانعقاد مجلس النواب الذى مازالت أمامه شهور وأسابيع حتى يبدأ جلساته، كما أنه سيكون متخماً بالمئات من مشروعات القوانين، وقد يتسلل إلى عضويته بعض الخلايا النائمة التى يهمها أن يظل الإعلام فى تدهوره وإرباكه لمصر - الثورة!!


هذا هو الإعلام المطلوب علاجه


أن تمارس الإعلام فى هذه الأيام يكفى أن تكون لديه “٤/١ خبرة” و “٤/١ دراسة”، و “٤/١ أخلاق!!”.. وهذا ما يحدث أحيانا.. وينتج عنه المصائب والكوارث الإعلامية خاصة أن أصحاب “ربع الإمكانيات” نجحوا بالصوت العالى والإثارة الهوجاء فى تقليص دور الإعلاميين الذين تمكنوا من أدواتهم واحترموا معايير مهنتهم: استثمروا الإمكانيات الكاملة لديهم، ونتيجة لغلبة الأصوات إياها سادت الفوضى والعشوائية والانفلات حتى صار من المنطقى أن يوصف الإعلام الآن بأنه “الإعلام الطائش”، وأن يقول إعلامى كبير “إنه يخجل أن يكون مساهما فيما تردى إليه الإعلام”، وأن يقول آخر: إنه “إعلام السحر والخرافات” وأن يقول ثالث إنه “إعلام البورنو والانحرافات”، وحتى لاتكون هذه الصفات مجرد شعارات أو مزايدات بعيدة عن الواقع الإعلامي، أجدنى مضطرا إلى رصد بعض النماذج: الأمثلة التى تجسد الكوارث الإعلامية: -


١ - فى إطار الحملات التى يتعرض لها الإعلام القومى فى ماسبيرو خرج “أبو حفيظة” علينا بأغنية تتضمن السخرية والاستهانة بالتليفزيون المصري، ورموزه وتاريخه بصورة فجة أثارت الأسى والاستياء، فقد حول برنامجه أغنية وطنية شهيرة للفنانة “لطيفة” تقول: “أكيد أنت مصري” إلى أغنية هزلية تقول “شوف الحصرى فى التليفزيون المصري” وهات يا “نكت” و “إفيهات” و “سخرية مريرة” نالت حتى موسيقارا كبيرا كعمر خيرت عندما استضافه التليفزيون، كما استهزأ البرنامج بقطاع الإنتاج الذى قدم أعظم الأعمال الدرامية. ومنه ظهر ألمع وأبرز النجوم!. والمثير للدهشة أن هذا البرنامج تبثه قناة mbc التى يحمل صاحبها “الأمير وليد” كل الإعزاز والتقدير لمصر ومؤسساتها الكبري، كما أن رئيس القناة ترعرع فى أحضان التليفزيون وقنواته المتخصصة “يعنى أبن ماسبيرو” ولحم كتافه من خيره!!.. بل إن “أبو حفيظة” نفسه يدين بالفضل لماسبيرو حيث كان ظهوره الأول من خلال قناة “نايل كوميدي” بعد خمسة أعوام قضاها فى الإذاعة دون إنجاز يذكر المهم أن ذلك البرنامج الغزلى كان من الممكن أن يثير حساسيات بلامبرر تنعكس على العلاقات الأخوية الوطيدة بين مصر والسعودية، وهذاما يذكرنا بما تعرضت له علاقات مصر مع الجزائز من توتر نتيجة لانفلات الإعلام الرياضى بعد المباراة التى جمعت بين المنتخبين الشقيقين واستضافها السودان، وهذا يذكرنا أيضاً بما تسببت فيه قناة خاصة حيث وجه الإعلامى الأول فيها إهانة بالغة للأشقاء العراقيين قائلاً لهم : أنتم حتفضلوا بهايم لـغاية . إيه ا تمى «حتفضلوا حمير لغاية امتي؟!» .


ويذكرنا ذلك أيضا بالأزمة الدبلوماسية التى نشأت مع الشقيقة «المغرب» عندما قالت إعلامية : «إن المغرب يعيش أياما سوداء .. واقتصاد المملكة يعتمد على الدعارة» ثم يذكرنا ذلك بالأزمة التى تفجرت مع «اثيوبيا» عندما هاجمت إحدى الإعلاميات السفير الإثيوبى . وقالت له «أنت لا تعرف التعامل الدبلوماسى» .. ثم أغلقت الهاتف فى وجهه! وأيضا من باب التذكرة - لعلها تنفع الإعلاميين - انتقد أحدهم «عاصفة الحزم» ووصفها بأنها لا : عاصفة ولاحاجة.. دى شوية زعابيب!!» وأخيرا وليس آخرا نذكر ما أثارته إعلامية من حالة غضب واستياء داخل مصر وخارجها عندما تحدثت عن الإخوة الفلسطينيين الذين طالبوا بفتح معبر رفح عندما قالت لهم : «سيبكوا من نبرة الشقيقة الكبري.. موتوا واللامتموتوش .. ملناش دعوة!!».


تلك مجرد أمثلة للتجاوزات الخطيرة التى كادت تضرب علاقات مصر مع الأشقاء وغيرهم فى مقتل، بينما حدثت تجاوزات أخرى كادت تدمر القيم والمبادئ والأخلاق فهذه «إعلامية» تدعو الشباب إلى مشاهدة الأفلام الإباحية، وهذه أخرى تفجر الفضيحة التى سميت باسم «فتاة المول» عندما استضافت الفتاة التى تعرضت أثناء وجودها فى «مول تجارى شهير» لمحاولة تحرش بذيئة، وبدلا من إدانة الشاب الذى ارتكب ذلك، نشرت الإعلامية صوراً خاصة للفتاة تمت سرقتها من الموبايل الذى سلمتة لمعدى البرنامج، وتحول اللقاء إلى السخرية من الفتاة حتى انفجرت فى البكاء، ثم انتقلت القصة بفضائحها إلى قنوات أخرى تبحث هى أيضا عن الإثارة، بأى شكل، وكأن مصر لا شيء فيها سوى التحرش وخلاعة البنات، حتى أن بعض الأشقاء العرب أبدوا دهشتهم واستياءهم مما يسببه الإعلام المصرى من تشويه وإساءة لصورة مصر!! وقالوا «ليست هذه مصر التى نعرفها» .


«فاهيتا» .. تنتقدهم!!


بالرغم من أنها هى الأخرى لديها من التجاوزات والعبارات والإيحاءات الجنسية الكثير إلا أنها وجهت الانتقاد لعدد من الإعلاميين الذين أذاعت بعض مقاطع من برامجهم تكشف أخطاءهم وتجاوزاتهم، معلنة دهشتها من مستوى أدائهم لدرجة أنها تعتبر نفسها «ملاكا إعلاميا» بالنسبة لهم، صحيح أنها أثارت الضحكات وكشفت بعض التجاوزات .. إلا أنها هى الأخرى تحتاج إلى «قرصة أذن» قبل أن تنزلق أكثر إلى ما أصاب الإعلام الطائش !!


«الخلاصة .. والكلمة الفصل!!»


تلك - ياحضرات - بعض النماذج التى تجسد ما انحدر إليه الإعلام، والتى جعلت الرئيس السيسى ينذر بأنه سيشكو الإعلاميين إلى الشعب ، ولعل هذا الواقع المحزن المخيف يجعلنى أعود لمخاطبة الرئيس بأن يدعو مجلس الوزراء إلى الإسراع بتقديم «مشروع قانون نقابة الإعلاميين» ، لكى تقوم بدورها الذى لابديل له والذى يتصل تماما بالمنظومة الإعلامية الجديدة التى نص عليها «دستور ٢٠١٤ فى مواده «٢١١» و «٢١٢» و«٢١٣» حيث إنه بهذه المنظومة المتمثلة فى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، والهيئة الوطنية للإعلام المرئى والمسموع والرقمي، يمكن «مع النقابة» - ترشيد العملية الإعلامية وإنقاذها من الفوضى والانفلات والعشوائية، علما بأن اللجنة الوطنية للإعلام التى ضمت «٥٠ إعلاميا وأكاديمياً» قدمت بالفعل مشروعاً بقوانين هذه المنظومة” وتمت مراجعتها مع لجنة قانونية وإعلامية متخصصة من وزارة التخطيط.


أخيرا وليس آخرا .. «يا سيدى الرئيس .. بطريقتك .. وسرعتك .. وقراراتك المنتظرة بالقوانين المنشودة .. سوف يطمئن قلبك.. ولن تشكو مرة أخرى من أحوال الإعلام!!» .