مصر الهندية أم الهند المصرية لماذا تقدمت الهند وتعثرت مصر؟!

04/11/2015 - 1:01:20

بقلم - يوسف القعيد

كنت أتصورها أول رحلة للهند يقوم بها الرئيس عبد الفتاح السيسى. لكننى اكتشفت عند المتابعة أنه ذهب إلى هناك ليحضر مؤتمر الهند وإفريقيا. وأنه ألقى كلمة مهمة فى هذا المؤتمر الذى تنعقد دورته الثالثة هذا العام. وإن كانت المرة الأولى التى تحضر مصر مثل هذا المؤتمر الذى يحاول أن يقيم علاقات اقتصادية وثقافية وإنسانية بين الهند وإفريقيا.


الهند بالنسبة لى هى واحدة من مثلث انتظم ثلاث دول فى خمسينيات القرن الماضى: مصر والهند ويوغسلافيا. جمال عبد الناصر، وجوزيف بروز تيتو، وجواهر نال نهرو. حيث كان التقاء الزعماء الثلاثة النواة الأولى التى خرجت منها فكرة عدم الانحياز. بكل ما حملته للبشرية من اكتشافات سياسية فى منتصف القرن العشرين الماضى. حيث كنا نردد الحياد الإيجابى. وكنا نبحث عن كيان يحمينا من الارتباط بأحدى القوتين الكبريين فى ذلك الوقت.


الزمان غير الزمان، والدنيا غير الدنيا. وأنا لا أعيش مصاباً بفوبيا الماضى. ولا أجرى وراء ما ماضى باعتباره الجنة المفقودة. فقد كانت للماضى مشاكله الكثيرة. ولكن تبقى من الأيام التى تمضى حلاوتها التى نتعامل معها كالأحلام. كلما لم يعجبنا الواقع وقررنا الفرار منه نحلم بما مضى، كأنه جنة أو فردوس مفقود. نَحِّنُ له ونجرى وراءه.


وأنا لم أزر الهند من قبل، رغم وجود أكثر من دعوة. فقط مررت فى أجوائها عندما زرت اليابان سنة ١٩٩٤، وأذكر أن من كان يصف لنا الدنيا فى طائرة شركة مصر للطيران قال أننا الآن فوق الهند. وبعد وقت طويل طويل طويل. قال أننا تركنا الهند. لا يتصور أحد أننى أعتبر الطيران فوق الهند زيارة للهند. كل هذا كلام افتراضى. كنا نطير على ارتفاع شاهق. ولم نر أى شئ من الهند التى تحتنا. حيث عرفت البشرية محطة حضارة أساسية فى تاريخها.


فإن كانت حضارة مصر القديمة. وحضارة بابل وآشور وفلسطين. والحضارة الفينيقية قد قدمت للبشرية تراثاً مهماً. فإن حضارة الهند والصين وفارس لها نفس المساهمة فى التراث الحضارى الإنسانى. وعندما قرأت ملحمة أو موسوعة قصة الحضارة لويل ديورانت. وجدته يخصص جزءاً كاملاً عبارة عن كتاب مستقل لتجربة الحضارة الهندية.


لهذا كان سؤالى: لماذا تقدمت الهند وتعثرت مصر؟! علماً أن ظروف الهند إن لم تكن صعبة فهى مستحيلة. تحول دون أى حلم للتطور والتقدم. ففيها ١٨٠ ديانة. وتتحدث ٣٤٧ لغة. وهى سابع أكبر بلد من حيث المساحة والثانية على مستوى العالم من حيث عدد السكان. حيث يعيش فى الهند الآن مليار وربع المليار نسمة أى أكثر من مليار بنى آدم. إنها أكثر بلدان العالم اكتظاظاً بالسكان وازدحاما بهم.


وإن كانت الصين هى التى اكتشفت أن زيادة عدد السكان لا يمكن أن تشكل عائقاً أمام التنمية. فإن الهند قد قهرت هذه الخرافة. واستخدمت الانفجار السكانى بشكله الصحيح وتمكنت من استيعابه فى مشروعات التنمية والصناعات. لا أحب أن يفهم من كلامى هنا مصرياً أننى أقلل من أهمية تحديد النسل. بل إننى أرى أن الانفجار السكانى فى مصر الذى لا توجهه خطة تنمية حقيقية تستوعبه. وتجعله جزءاً مضافاً للتنمية المصرية. ما دام هذا لم يحدث. فإن الانفجار السكانى يعد حالة من الانتحار البطئ. التى تمارسها الشعوب التى تقدم عليها.


السؤال الجوهرى الذى طرحته على نفسى يومها وأنا أعبر أجواء الهند فى طريقى إلى اليابانا. ووجدتنى أمامه بمجرد أن قيل أن الرئيس عبد الفتاح السيسى سيزور الهند كان: لماذا تقدمت الهند وتعثرت مصر؟! إن كان من حقى طرح السؤال. فلست مطالباً بالإجابة عليه. لأننى قد لا أكون مؤهلاً لهذا من حيث الاهتمامات والتخصص والمتابعة والدراسات. فكل ما أعرفه عن الهند قراءات وسماع ومتابعة لما يعبر عنها من آداب خاصة الكتابة الروائية.


رابندرانات طاغور شاعر الهند العظيم له رواية بديعة. ترجمت ضمن مشروع الألف كتاب فى ستينيات القرن الماضى، عنوانها: البيت والعالم. فيها ملمح لحياة هذا البلد الجميل وسكانه. ربما فى فترة سابقة على ما جرى لكلا البلدين: مصر والهند. كانت مصر والهند تحتلهما بريطانيا. وقامت مصر والهند بخطوات من أجل الحصول على الاستقلال. أفرزت أبطالاً وطنيين فى كلا البلدين ما زالوا يشكلون رموزاً لمرحلة الاستقلال الوطنى.


إن كان فى مصر مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول. فقد كان فى الهند غاندى بدعوته للكفاح السلمى. وقد زار مصر وهو فى طريقه إلى بريطانيا ورحبت به مصر ويوجد ديوان كامل من الشعر المصرى، قيل فى الترحيب به وفى الإعجاب بما قام به لبلده.


تبقى زيارة الرئيس السيسى لحضور مؤتمر الهند وإفريقيا. قال الرئيس أن عالم اليوم يواجه مشاكل محددة، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للقارات والقرصنة. وأنه لا حل إلا بالتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل والتعاون بين دول العالم. وركز على التعاون الإفريقى الهندى.


هل تكون زيارة الرئيس السيسى من أجل حضور هذا المؤتمر مقدمة لزيارة يقوم بها للهند نفسها؟ وتكون هذه الزيارة بداية لعلاقات سياسية واقتصادية والأهم منها ثقافية بين مصر والهند؟ هل نعود مرة أخرى لفكرة عدم الانحياز رغم تغير الظروف وتبدل الأحوال عن المناخ السياسى الذى خرجت فيه الفكرة إلى الوجود من قبل؟ لا أحب أن نترك مثل هذه العلاقة للظروف. ولا بد من عمل خلاق، لأن ما يجمع بين مصر والهند أكثر بكثير مما يمكن أن يفرق. بل لا يوجد ما يُفرق من الأصل والأساس.


الهند تجربة مثيرة رغم كل مشاكلها وهمومها وما تعانيه، استطاعت أن تزاحم الدول الكبرى فى إنتاج البرمجيات. وحولت استوديوهاتها للإنتاج السينمائى لكيان فنى ينافس هوليود. إنهم يقولون الآن فى العالم عن الهند أنها بوليود الشرق. وهى لا تحتاج إلى هذه التسمية. فالأفلام الهندية تملأ الدنيا. وأصبحت لها سمة تعرف بها. ولها جمهور فى كل مكان من العالم يقبل عليها حتى لو لم يكن من الهنود ولا من الآسيويين.


رأيت فى دول الخليج كلما زرتها أن العمالة الآسيوية تختلف فى كل شئ. وحول كل الأمور. إلا الأفلام الهندية. يذهبون إلى الأماكن العامة أو إلى دور السينما القليلة النادرة. التى لا يدخلها إلا الآسيويين لمشاهدة الأفلام الهندية. الأفلام الهندية وليس أى أفلام سواها. وربما كانت هى الأمر الوحيد الذى يوحد بين كل من أتوا من أسيا إلى الخليج العربى.