“مصر” و”الهند” .. معاً على الطريق

04/11/2015 - 12:58:22

  د. مصطفى الفقى د. مصطفى الفقى

بقلم - د. مصطفى الفقى

إن زيارة الرئيس “عبدالفتاح السيسى” لـ“الهند” تثير عددًا من الخواطر وتفتح الأبواب أمام التعاون “المصرى الهندي” الذى غير خريطة العالم ذات يوم عندما تمكن “جواهر لال نهرو” رئيس وزراء “الهند” و“جمال عبدالناصر” من تشييد دعائم “حركة عدم الانحياز” التى انعكست على العالم فى ذلك الوقت فى ظل أجواء “الحرب الباردة” خلال عقدى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى، وإن كانت الحركة التى شارك فيها “الهند نهرو” و“مصر عبدالناصر” و“يوغسلافيا تيتو” لازالت قائمة ومؤثرة بمؤتمراتها وسياساتها حتى اليوم، ويكفى أنه قد تمخض عنها اقتصاديًا ما سمى حينذاك “بالاتفاق الثلاثى” الذى كان يعطى أفضلية تجارية وجمركية لتسهيل حركة الصادرات والواردات بين الدول الثلاث والذى نأمل أن يستعيد وجوده بفاعلية بين “الهند” و“مصر” حاليًا.


”الهند” دولة كبرى لأمة عظيمة تتشابه معنا فى كثير من مظاهر الحياة ومشكلات المجتمع، ولا شك أن الرئيس المصرى “عبدالفتاح السيسي” الذى حضر قمة “الهند وإفريقيا” سوف يكون قادرًا على خلق شراكة مصرية هندية تقوم بدور تنموى كبير فى القارة التى ننتمى إليها ونعيش فيها مع اهتمام خاص بدول “حوض نهر النيل” الذى أهملناه كثيرًا وحان الوقت ليرى الوجه الجديد لـ”مصر الثورتين” وهى تبدأ مرحلة الانطلاق للتحليق فى أجواء المستقبل، وليس لأننى عشت فى “الهند” سنوات أربع دبلوماسياً فى “السفارة المصرية” فى “نيودلهي” كما مارست التدريس فى جامعة “جواهر لال نهرو”، لا بسبب هذا أو سبب ذلك فقط أكتب عن التجربة الهندية التى تأثرت بها كثيراً، كما تأثر بها بعض المثقفين الذين عايشوها من قبلي، وأذكر منهم تحديداً الكاتبين الراحلين “كامل زهيري” و”محمد عودة”، فـ”الهند” - مثلما هى “مصر” - بلد لا يمكن أن تكون محايداً تجاهه، فإما أن تعجب به وأن تستغرق فى التعلق بهويته وأسلوب الحياة فيه وإما لا تصل إلى جوهره ولا تكتشف معدنه الحقيقى فتبدو بعيداً عنه حتى ولو عشت فيه، وعندما هبطت مطار العاصمة الهندية عام ١٩٧٩ قضيت أنا وأسرتى شهوراً بائسة فى البداية، لأن نمط الحياة مختلف ولم تكن التسهيلات متاحة، خصوصاً بالنسبة لاستيراد مستلزمات المنزل الجديد وأدوات الحياة فى مجتمع مختلف، بالإضافة إلى قسوة الطقس وانقطاع الكهرباء لساعات كل يوم وما هى إلا شهور قليلة بعد ذلك إلا وسقطنا جميعاً صرعى حبنا لذلك البلد الضخم وتعلقنا بتلك الأمة العظيمة، وإذ نحن على أبواب مرحلة تحول جذرى فى بلادنا فإننا نلتمس من التجربة الهندية بعض شواهدها القائمة ونستدعى منها الملاحظات الآتية:


أولاً: إن التنمية الصناعية هى التى صنعت “الهند” الحديثة ولقد أثبتت التجارب المعاصرة أنه لا تقدم بغير صناعة، فهى التى تأخذ بيد الشعوب إلى الأمام وهى قاطرة التقدم ولقد أدرك “نهرو” ورفاقه ذلك فى وقت مبكر، فبدأوا غداة الاستقلال يفكرون فى الدولة الهندية الحديثة التى تحتاج إلى الديمقراطية سياسياً وإلى التنمية اقتصادياً، فقرروا أن تكون الصناعة هى قاطرة التقدم الهندي، حتى أصبحت تلك الدولة الآسيوية الكبرى واحدة من الدول الصناعية المؤثرة فى عالم اليوم، لقد نجحوا فى إنتاج لوازم الحياة الهندية من أجهزة مختلفة ونوعيات متباينة وحققوا فى ذلك نجاحاً ملحوظاً، فالهند تنتج السيارة وتشارك فى تصنيع الطائرة، كما أنها أصبحت دولة نووية ودولة فضاء، بل وقبل ذلك كله أضحت أيضا دولة “اكتفاء ذاتي” فى الحبوب الغذائية.


ثانياً: تمثل “الهند” أكبر ديمقراطيات العالم المعاصر من حيث حجم الناخبين الذين يصوتون فى صناديق الاقتراع ويبلغ عددهم مئات الملايين متجاوزين نصف مليار ناخب بكثير وهم يتوافدون على مقار الانتخابات على امتداد ٣ أشهر كاملة وقد كانوا هم أول من اكتشف فكرة الحبر على الأصبع الذى لا يختفى لمدد معينة ونقلت عنهم تجارب أخرى نفس الفكرة بما فى ذلك “مصر”، وتعتمد “الهند” - الدولة البرلمانية الكبرى - على نظام المجلسين “اللوك صابها” و”الراجا صابها” وتتمتع الديمقراطية فى تلك البلاد الواسعة بدرجة عالية من الشفافية، رغم الفقر والأمية، وذلك رد حاسم على من يزعمون أحيانًا أن “مصر” غير مهيأة للديمقراطية الحقيقة بدعوى شيوع الفقر والأمية! ويكفى أن نتذكر أن رئيسة الوزراء الراحلة “أنديرا غاندي” قد فقدت منصبها وهى فى الحكم عندما لم توفق فى دائرتها الانتخابية، وذلك دليل على حياد سلطات الدولة واحترام إرادة مواطنيها.


ثالثاً: نجحت “الهند” فى تحويل التعددية - العرقية واللغوية والدينية والطبقية - لخدمة أهداف الدولة وتحقيق غاياتها، بل وأثبتت التجربة الهندية أن الدول ذات التعددية هى الأكثر استعداداً للتقدم، وأن الأحادية فى المكون السكانى ليست ميزة، بل تعوق أسباب التقدم وتحول دونها، ولقد وظف “الهنود” التعددية لديهم لكى تكون دافعاً للتوحد والتماسك وليست سبباً للفرقة والانقسام، وذلك “وفقاً لنظرية الضرورة” التى يشعر فيها كل طرف بفائدة الارتباط بالأطراف الأخرى.


رابعاً: لقد تمكنت التجربة الهندية من تحويل الزيادة السكانية فى معظمها تحويلاً نوعياً وجعلت من الكم الكبير كيفاً مفيداً، وأثبتت تلك التجربة أن الزيادة السكانية ليست دائماً نقمة، بل إنه يمكن تحويلها إلى نعمة مثلما فعلت “الهند” وقبلها “الصين” ولعل “مصر” تستفيد من ذلك النموذج الآسيوى الذى نجح فى توظيف الكم لخدمة الكيف وجعل الزيادة السكانية نعمة وليست نقمة، من خلال مناهج التعليم وطرائق التدريس وبرامج التدريب وخلق وعى عام بإمكانية رفع مستوى الأداء فى كافة المجالات.


خامساً: إن التشابه التاريخى بين التجربتين المصرية والهندية من الناحية السياسية يذكرنا بعلاقات “غاندي” بزعماء الحركة الوطنية المصرية وفى مقدمتهم “سعد زغلول” و”مصطفى النحاس” فضلاً عن الفترة المزدهرة للعلاقات بين البلدين وأعنى بها فترة العلاقة الوثيقة بين “نهرو” و”عبدالناصر” ودورهما فى تكوين “حركة عدم الانحياز” وتركيزهما على العناصر المشتركة بين البلدين وأهمها مكافحة الفقر وتنمية الصناعة وتعزيز بعض البرامج الإصلاحية، ولكن الذى حدث هو أن هزيمة ١٩٦٧ كانت لحظة انقطاع وتوقف فى المسيرة المصرية، بينما استكملت “الهند” طريقها المرسوم حتى الآن وحققت فى ذلك إنجازات مشهودة على معظم المستويات، ولعلى هنا أتطرق إلى شخصية الزعيم الذى قاد “الهند” تجاه مفهوم الدولة الحديثة، ولم يكن “المهاتما غاندي” ملهمًا لشعبه الهندى وحده، ولكن إلهامه امتد إلى البشرية كلها، فكان له مريدون وأتباعًا فى كافة بقاع الأرض نراه فيها قبسًا من نور مختلف يضيء تاريخ البشرية كما لم يحدث من قبل لرجل زاهد يقف إلى جانب عنزته ومغزله يدبر طعامه ويصنع كساءه ويعيش حياة الزاهدين التى لا نظير لها ويعلن الصيام عن الطعام والشراب أيامًا وأسابيع عندما يكتشف أن أتباعه لا يدركون معنى ما يفعله ولا قيمة ما يفكر فيه فتعود الجماهير إلى فكره وتتذوق فلسفته وتستعيد قوة الدفع التى غابت، فلقد كان إلهامًا إنسانيًا منذ نشأته فى “الهند” وشبابه فى “جنوب إفريقيا” وزعامته لـ”الهندوس” و”المسلمين” و”السيخ” وغيرهم من ديانات السماء والأرض دون تفرقة أو تمييز، إن “غاندي” قد دعا كما “المسيح” فى تعاليمه إلى أن يحب المرء عدوه وأن يسعى إلى إصلاحه وأن يبعده عن العنف ويحميه من الكراهية، إن “غاندي” الذى صرعته رصاصات غادرة من متعصب “هندوكي” قد جعل رماد جسده بعد حرقه وإلقاء ترابه فى النهر المقدس نبراسًا لأجيال قادمة بل ولشعوب أخرى فى عالمنا المعاصر.. إن “الهند” و”مصر” تمضيان معًا الآن على طريق واحد نحو التنمية الاقتصادية الحقيقية والديمقراطية الصحيحة والدولة العصرية الحديثة. .. إن النقاط السابقة تدعونا إلى تأمل “النموذج الهندي” الذى حقق نجاحات باهرة، بينما كان يمضى معنا على خط مواز عند نقطة البداية، ولكن أين هم الآن وأين نحن؟! فالجدية والاستمرار ركيزتان حرص عليهما “النموذج الهندي” وافتقدتهما التجربة المصرية!