نتائج غير متوقعة: قراءة فى المرحلة الأولى لانتخابات ٢٠١٥

04/11/2015 - 12:46:37

د. يسرى العزباوى

جاءت نتائج المرحلة الأولى من العملية الانتخابية على غير المتوقع بالمرة على مختلف الأصعدة بدءًا من نسبة المشاركة وصولًا لفوز الأحزاب بنسبة كبيرة من المقاعد.. .. فقد حصدت الأحزاب على ١٢٧ مقعدًا منها ١٩ مقعدًا على القوائم و١٠٨ على المقاعد الفردى فى مفاجأة من العيار الثقيل..


حصلت المرأة على ٥ مقاعد فردية بالانتخاب المباشر بعد منافسة شديدة الوطاس مع مرشحين من الرجال، كذلك فاز ١٦ شابًا بعيدًا عن مقاعد التمييز الإيجابى، فضلًا عن فوز ٢ مسيحيين على المقاعد الفردية.. .. وبذلك يمكن القول: أولًا، إنها المرة الأولى منذ ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ أن تفوز المرأة والأقباط بهذا العدد بعيدًا عن الحزب الحاكم.. ثانيًا، إن نسبة تمثيل المرأة والمسيحيين مرشحة للزيادة نظرًا لوجود عدد كبير من المترشحين لهاتين الفئتين فى المرحلة الثانية، وهو أمر جيد ويؤشر على تغير نسبى وطفيف فى عقلية الناخب المصرى.


ويمكن القول: إن هذه الانتخابات شهدت عددا من الظواهر التى يجب الوقوف عليها، ومحاولة تفسيرها بشىء من العقل والمنطق، بعيدًا عن التهويل أو التهوين، وهى كما يلى:


أولًا- قراة فى المؤشرات العامة للنتائج


بلغ إجمالى عدد المترشحين على المقاعد الفردى للمرحلة الأولى ٢٥٤٨ مرشحًا من بينهم ١٦٦٦ مرشحًا مستقلًا بنسبة ٦٥٪، بينما بلغ إجمالى عدد المرشحين الذين ينتمون لأحزاب سياسية ٨٨٢ مرشحًا بنسبة ٣٥٪، ينتمون لعدد ٤٥ حزبًا من إجمالى الأحزاب البالغ عددها ١٠٥ أحزاب.. وقد نجح فى دخول جولة الإعادة منهم ٤٤٤ مرشحًا من بينهم ٢٣٢ مرشحًا مستقلًا بنسبة ٥٢٪ وعدد ٢٦٢ مرشحًا حزبيًا بنسبة ٤٨٪ وينتمون إلى ٢٠ حزبًا سياسيًا.. وبلغ عدد المرشحين المسيحيين، الذين خاضوا جولة الإعادة ٢٤ مرشحًا ١٠ منهم مستقلين و٥ ينتمون لحزب المصريين الأحرار و٢ لحزب مستقبل وطن، فضلا عن مرشح واحد لكل من أحزاب النور والمؤتمر والمصرى الديمقراطى الاجتماعى ومصر الحديثة والسلام الديمقراطى والحرية والحركة الوطنية المصرية.. وقد خاضت جولة الإعادة ١٢ امرأة موزعيين ١٠ منهن مستقلات، وواحدة تنتمى لحزب المؤتمر وأخرى تنتمى للحزب العربى الديمقراطى.


وبالنسبة للشباب، فقد ارتفع نسبة الشباب، الذين خاضوا جولة الإعادة إلى ١٤٧ شابًا بنسبة ٣٣٪ من إجمالى المرشحين.. ويوضح الجدولى التالى عدد المقاعد التى حصل عليها الشباب فى الجولة الأولى.


ومن الجدول السابق، يمكن القول إن إجمالى عدد الشباب الذين فازوا فى الجولة الأولى للانتخابات من الفئة العمرية من ٢٥ إلى ٣٥ بلغ ١٦ مقعدًا، بينما بلغ من فاز من الفئة العمرية من ٣٦ إلى ٤٥ عامًا ٥٧ نائبًا..


ويوضح الجدول التالى تمثيل الفئات صاحبة التمييز الإيجابى للمرحلة الأولى..


وقد أسفرت النتائج النهائية عن فوز عدد ١٠٥ مستقلًا بنسبة ٤٩.. ٣٪ وعدد ١٠٨ حزبيًا بنسبة ٥٠.. ٧٪.. وقد فاز من الأقباط ١ مستقل و١ منهم للمصريين الأحرار.. أما بالنسبة للمرأة فقد فازت عدد ٨ من السيدات بالقوائم.. كما أسفرت النتائج عن فوز ٥ سيدات منهن ٣ مستقلات و٢ منتميات لكل من حزب المؤتمر والديمقراطى العربى الناصري، ولا زالت اثنتان ستخوضان جولة الإعادة بالدوائر الموقف فيها الانتخابات..


ثانيًا: تفسرات متعددة لضعف المشاركة


تعددت الآراء حول أسباب ضعف المشاركة الانتخابية، حيث جاءت نسبة المشاركة فى جولة الأولى ٢٦.. ٦٩٪، وفى جولة الإعادة، جاءت نسبة المشاركة ٢١.. ٧١٪، حيث شارك ٥.. ٥٥٤.. ٦٧٨ ناخبًا.. ويمكن رصد أبرز الأسباب التى أدت إلى ضعف نسبة الإقبال على المشاركة، لكى يتم العمل على تلافيها فى المرحلة الثانية..


١- التعاطى السيئ من الإعلام مع العملية الانتخابية، حيث لم تقم وسائل الإعلام بشرح النظام الانتخابي، وكيفية اختيار المرشح، وعدد المقاعد اللازمة لكل دائرة انتخابية.. وجاءت الرسالة الإعلامية مشوهة، واختلط فيها الإعلام والإعلان، كما مارست بعض القنوات الخاصة دور الموجهة للناخبين والمرحض فى الوقت ذات لعدم الانتخاب بعض المرشحين وانتخاب مرشحين مقربين من مقدمى بعض البرامج التليفزيونية.. فضلًا عن قيام بعض القنوات بشن حملات تحريضية على بعض الأحزاب السياسية، دون أن يطلب منها ذلك، وإن طلب منها ذلك، فقامت بزيادة جرعة النقد إلى السب والشتائم فى حق هذه الأحزاب، وهو ما جعل الناخب أو متلقى الرسالة الإعلامية يظل بعيدًا عن العملية الانتخابية برمتها، ولا يشارك فيها، خاصة مع اقتناعه الكامل بأن الانتخابات لن تنعكس بالإيجاب على حياة الخاصة.


٢- النظام الانتخابى وتأجيل الانتخابات، حيث أدى تعديل النظام الانتخابى وتأجيل الانتخابات أكثر من مرة إلى فتور لدى المواطنين، وإيجاد إحساس لديهم بأن الانتخابات ستؤجل مرة أخرى، خاصة مع التعديلات المتكررة على القوانين، وفشل الأحزاب فى بناء تحالفات انتخابية، والتخوفات من شكل البرلمان الجديد.


٣- الحديث حول تعديل الدستور، أدى حديث الرئيس السيسى عن الدستور، وأنه كتب بحسن نوايا، إلى تبارى وسائل الإعلام وبعض أنصاره من المحللين عن ضرورة تعديل الدستور بسبب الصلاحيات الواسعة للبرلمان، وهو ما ساعد على مزيد من انصراف المواطنين عن المشاركة الانتخابية.. وفى الواقع المعاش، فإن صلاحيات الرئيس والبرلمان تحقق نوعًا من التوازن، ولا يوجد بها توغل من إحدى السلطات على السلطة الأخرى، وفى حال الخلاف أو الاختلاف أو حتى الصدام فسوف تتم العودة إلى صاحب الاختصاص الأساسى والحكم الرئيس وهو الناخب المصرى سيد القرار فى الفصل بين الاثنين، وهو ما يعنى اللجوء إلى استفتاء عام لحل النزاع بين الطرفين، ولكن برحيل أحدهما عن المشهد..


٤- الثقافة التقليدية للناخب، حيث تعود الناخب على وجود حزب رئيسى يقوم على الحشد وتعبئة المواطنين للمشاركة فى العملية الانتخابية، ومع غياب "آلة الحشد الإخوانية" وانقسام "آلة الحشد" التى كانت تتبع الحزب الوطنى المنحل إلى عدد كبير من الأحزاب، أضعف عملية المشاركة، وعادت مصر إلى النتائج الطبيعية للتصويت لمرحلة ما قبل الثورة المصرية.. إن الثقافة الرعوية التقليدية للناخب ساعدت على مزيد من العزوف بين المواطنين، حيث لم يحاول الناخب بذل الجهد فى معرفة المرشحين داخل دائرته الانتخابية، أو على الأقل معرفة أسمائهم على الأقل، وانتظر حتى يأتى من يقول له انتخب فلانا أو علانا.


٥- ضعف المشاركين من المترشحين، سواء أكانوا أحزابا أم مستقلين، حيث لم يتقدم الكثير منهم ببرامج انتخابية حقيقية، أو حتى يقوم بعمل دعاية انتخابية تقليدية، ولجأت الأحزاب على الأكثر جهوزية من أعضاء الحزب الوطنى المنحل من كبار وشيوخ العائلات والقبائل، وهو ما انعكس بالفعل على حصول الأحزاب على عدد كبير من المقاعد..


ثالثًا- المصريون بالخارج.. محاولة للتقييم


أجريت انتخابات المصريين بالخارج للمرحلة الأولى من انتخابات مجلس النواب ٢٠١٥ فى ١٣٩ مقرًا لسفارة وقنصلية مصرية، وفى الجولة الأولى بلغ إجمالى عدد الناخبين الذين حضروا للإدلاء بأصواتهم ٣٠,٥٣١ ناخبًا، بينما بلغ إجمالى عدد الذين صوتوا بجولة الإعادة ١٩ ألفا و٨٣٥ ناخبا، مضيفًا أن عدد الأصوات الصحيحة كانت نسبتها ٩٧.. ٨٪، بينما بلغت الأصوات الباطلة ٢.. ٢٪‏.. وكانت أكثر الدول العربية تصويتًا هى دولة الكويت فى المرحلتين.. واللافت للنظر، أن هناك مجموعة من دلالات نتائج تصويت بالخارج، تتمثل فيما يلي: أولًا، أن إجراءات الإدارة المتبعة فى تصويت المصريين بالخارج أدت إلى قلة عدد من أقبلوا على صناديق الانتخاب.. ثانيًا، حجم الإقبال: فتجربة الانتخابات والاستفتاءات السابقة أظهرت وجود تلازم إلى حد كبير بين نسبة الإقبال على التصويت فى الخارج ونظيرتها فى الداخل، أو علاقة طردية بين الاثنتين، حيث كلما زاد الإقبال فى الخارج زاد فى الداخل..


ثالثًا، التصويت المناطقي، أن دول الخليج تضم النسبة الأكبر من عدد الناخبين، حيث بلغ عدد الناخبين المسجلين بدول الخليج الست (السعودية – الإمارات – الكويت – البحرين – سلطنة عمان- قطر ) نسبة ٨٣٪ من إجمالى عدد الناخبين المسجلين بالخارج..


وبشكل عام يمكن أبداء الملاحظات التالية: إن نسبة المشاركة الضعيفة يجعل كثيرون يفكرون فى جدوى مسألة تصويت المصريين بالخارج، أو تخصيص دوائر لهم بالخارج، وهو الأقرب للواقع، لن الدولة لن تستطيع سحب حق التصويت أو الترشيح منهم مرة أخرى.. كما أن نسبة تصويت المصريين بالخارج مؤشر على نسبة مشاركة المصريين فى الداخل..


ويبقى السؤال: لماذا الاستمرار فى مسألة تصويت المصريين بالخارج؟ وفى معرض الإجابة عن هذا التساؤل المشروع لدى البعض، هناك ثلاثة أسباب رئيسية هي: ما يلي: ١- البعد الدستورى والقانون: يقدر عدد المصريين بالخارج نحو ٨ ملايين مصري، منحهم دستور ٢٠١٤، أربع مواد تعيد لهم حقوقهم المسلوبة، وتزيل عنهم الشعور بالتهميش للمشاركة بفاعلية فى الحياة السياسية، مثل التمثيل فى مجلس النواب وشغل منصب وزير والزام الدولة المصرية برعايتهم ٢ - التسويق السياسي: إن انعكاس أو تأثير تصويت المصريين بالخارج فى هذه الزاوية يساوي، إن لم يكن يزيد، على مسألة استغلاله فى التسويق السياسى بالداخل، ففى نهاية المطاف كان تحدى انتزاع اعتراف العالم بما جرى فى ٣٠ يونيو وإقراره بإرادة الشعب المصري، وتفهمه للخطوة التى أقدم عليها الجيش بعزل مرسي، من المسائل الجوهرية بل المشاكل الأساسية التى واجهتها، ولا تزال، السلطة الانتقالية، ومن ثم فإن وقوف المصريين أمام السفارات بهذه الصورة، قد ساهم، من دون شك، فى حل جزء معقول من هذه المشكلة.. ٣- المشاركة فى المشروعات القومية: الاستفادة من علماء مصر فى دراسة والمساهمة فى إقامة المشروعات القومية، تخصيص أراض لهم بسعر مغاير عن المواطنين المحليين، إقامة مشروعات خاصة بهم..


رابعًا- العودة القوية لرجال الأعمال


إن شفافية ونزاهة تمويل الحملات الانتخابية أمر مهم، لأن من شأنها زيادة ثقة المواطنين فى النظام السياسى وبناء ثقافة سياسية إيجابية.. لذا من الصعب النظر إلى موضوع تمويل الحملات الانتخابية باعتباره مسألة مالية صرفة ترتبط برصد مبلغ مالى للإنفاق على اجتماعات ومطويات وملصقات، إذ إن إنفاق المال قد يكون مقرونًا بتوجه سياسى وبفكرة محددة.. واللافت للنظر أن هناك جملة من المبادئ الحاكمة للإدارة المالية للحملات الانتخابية، هي:


أ- الشفافية، حيث تعزز الشفافية فى الإدارة المالية للحملة الانتخابية من ثقة الجمهور وفهمهم للحملة الانتخابية وطريقة عملها وسياساتها المالية ولقدراتها فى إدارة الحملة الانتخابية.. كما تسهم فى ردع أية ممارسات فاسدة ومحاولات اختلاس، ومن ثم حماية مصداقية الحملة.


ب- الكفاءة والفاعلية، وتشير إلى كيفية صرف الأموال وإدارتها بروح من المسئولية، وكيفية التحكم ليس فقط فى الموارد المالية، ولكن فى الموارد البشرية، والكيفية، التى يتم بها ترشيد التكلفة فى بعض الأوقات.


ج- النزاهة، وتعتمد نزاهة الإدارة المالية للحملة الانتخابية على التزام المرشح وأعضاء حملته الانتخابية بمبدأ النزاهة فى كل ما يقومون به من أنشطة ومهام، بما يتعدى الشئون المالية إلى احترام حق الملكية الفردية، واتباع مواثيق الشرف، بضرورة تفادى تعارض المصالح، وعدم التردد فى معاقبة المخالفين.


وبالنظر إلى ما سبق، فإن كل المبادئ الحاكمة لتمويل الحملات الانتخابية على المستوى المصرى ما هى إلا حبر على ورق.. خاصة أن اللجنة العليا للانتخابات لم تطلب من أى مرشح أو حزب بعد الانتهاء من العملية الانتخابية التى تمت فى مرحلتها الأولى أن يكشف عن مصادر تمويله أو حجم الإنفاق فى عملية الدعاية أو الحملات الانتخابية الخاصة بهم هذا على الجانب الرسمى.. وعلى الجانب الآخر، لم يقم أى مرشح أو حزب بالإفصاح عن حجم الإنفاق الخاص به أو عن مصادر تمويله طواعية.


واللافت للنظر أن المال الخاص عزز من فرص وصول رجال الأعمال إلى البرلمان، حيث تشير بعض التقارير إلى وجود عدد ليس بالقليل من الفائزين فى المرحلة الأولى من رجال الأعمال وأصحاب الأعمال الحرة، خاصة على القوائم الانتخابية.


إن الواقع المعاش يؤكد أن الأحزاب الأربعة التى استطاعت أن تحصل على أكبر عدد من المقاعد، وهي: المصريين الأحرار (٤١ مقعدًا)، ومسقبل وطن (٢٥ مقعدًا)، والشعب الجمهورى (١١ مقعدًا)، والوفد الجديد (١٥ مقعدًا)، وهى أحزاب رجال أعمال بامتياز، يمتلكون ليس فقط المال والأحزاب السياسية، ولكن لهم نصيب لا يستهان به من القنوات الخاصة والجرائد المطبوعة والمواقع الإلكترونية ذات التأثير الكبير..


وإذ ما تم إضافة أحزاب رجال أعمال أخرى، مثل: مصر الحديثة والحرية والمحافظين ومصر بلدى والسلام الديمقراطى والحرية، فيمكن القول إن عشرة أحزاب من ستة عشر حزبًا وصلوا للبرلمان من الجولة الأولى هم أحزاب رجال أعمال.. واللافت للنظر أن نتائج هذه الأحزاب لا تعكس بالضرورة قوة كل حزب فى الواقع المعاش.. ولكن اللجوء إلى "الخلطة السحرية" و"المال السياسى المؤسسي" ضمن لهذه الأحزاب تلك المقاعد، التى يدار بعضها بمنطق الشركات الخاصة، التى يجب أن تدر ربحًا على صاحبها أو مالكها.. حيث نجح رجال الأعمال فى نقل "عالم الاحتراف" من كرة القدم أو الألعاب بشكل عام إلى المشهد الانتخابى فى مصر، حيث لجوء إلى كبار العائلات من الحزب الوطنى المنحل وأصحاب النفوذ من الذين خدموا فى السابق فى الجهاز البيروقراطى للدولة من المشاهير لضمن الفوز بالمقعد بغض الطرف عن المصالح العليا للأحزاب فى المستقبل..


إن رجال الأعمال تناسوا عن عمد بأنه من الأفضل لأى حزب أن يستثمر فرص الانتخابات فى تدريب كوادره وضم أعضاء جدد له عن طريق الوجود فى الشارع وشرح البرنامجى الانتخابى للمواطنين..


خامسا- الشباب وإشكالية التمثيل


لا أحد يستطيع أن ينكر بأن الشباب كان له الفضل الأول فى إطلاق شرارة الثورة فى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه، وتحمل عبء الدفاع الأول عن الثورتين، حتى هذه اللحظات، من محاولات التشوية المتعمد من أنصار الحزب الوطنى المنحل تارة ومن جماعة الإخوان المسلمين تارة أخرى.


ومن إحدى الإشكاليات الكبرى للثورات المصرية، الآن، هى قضية تمثيل الشباب فى البرلمان وتفعيل مشاركته الانتخابية.. فعلى الرغم من أن الدستور الجديد فى مواده رقم ٢٤٣ و٢٤٤ عمل على التمييز الإيجابى لفئات ست، هي: المرأة والمسيحيون والشباب والعمال والفلاحين والأشخاص دوى الإعاقة، وأخيرًا المصريين المقيمين فى الخارج، وهو ما تمت ترجمته فى نص المادة الخامسة من قانون مجلس النواب من تخصيص عدد من المقاعد لكل فئة من الفئات سالفة الذكر فى القوائم الانتخابية، حتى يضمن تمثيلًا عادلا ومناسبا لكل فئة.. حيث تم تخصيص عدد ٢٤ مقعدًا للمسيحيين و١٦ مقعدًا لكل من العمال والفلاحين والشباب، و٨ مقاعد لكل من الأشخاص ذوى الإعاقة والمصريين المقيمين فى الخارج، و٥٦ مقعدًا للمرأة على أن يقوم رئيس الجمهورية بتعيين ٥٪ نصفهم من المرأة.


وعلى الرغم من فوز ١٦ شابًا على المقاعد الفردية لكى يرتفع نصيب الشباب إلى ٢٨ مقعدًا، وهو ربما سيزيد فى الجولة الثانية، فإن هناك عدة ملاحظات مهمة على مشاركة الشباب فى العملية الانتخابية، منها ما يلى:


١-وهم عزوف الشباب، إن إحدى التابوهات الكبرى التى بشر بها المحللون والمفكرون هى مسألة عزوف الشباب، خاصة أن هذه المسألة لا بد أن تدرس فى الإطار الأوسع، والذى يتمثل فى تراجع نسبة المشاركة الانتخابية فى مصر بشكل عام، وليس على حد..


٢- انكشاف الشباب، بمعنى لحظة نجاح الشباب فى إسقاط أنظمة استبدادية مرتين متتاليتين فى أقل من أربع سنوات، هى أيضًا لحظة الخطيئة لديهم، لأنهم لم تقم بترجمة المشاركة الثورية إلى مشاركة انتخابية عبر صناديق الاقتراع لكى يأتوا بمن يريدون من توجهات سياسية أو حتى فئات عمرية محددة.


٣- العالم الافتراضى، ما زال الشباب يفضل التعبير عن آرائه السياسية أو حتى المجتمعية عبر العالم الافتراضى ولم ينتقل منه إلى العالم الواقعى وأن يترجمها إلى مشاركة فى مؤسسات مجتمعية قادرة على التغيير مثل الأحزاب السياسية أو حتى مؤسسات المجتمع المدنى.


٤- الشباب الأقل تصويتًا عالميًا، هناك لا نبرر نسبة انخفاض مشاركة الشباب المصرى ولكن الخبرة العربية، تونس على سبيل المثال وهى دولة لها نفس الظروف، والدولية تقول إن نسبة الشباب فى المشاركة الانتخابية هى الأقل مقارنة بالكبار والمرأة.


إن الملاحظات الأربع السابقة تؤشر على أن إشكالية مشاركة الشباب ستظل تواجه النظام المصرى إلى فترات زمنية طويلة، وهو ما يتطلب منه رؤية واقعية للتعامل مع قضية الشباب وتمثيل الفئات المجتمعية المختلفة برلمانيًا على الأقل..


سادسا- عودة ظواهر انتخابية قديمة جديدة


صاحب الجولة الأولى للعملية الانتخابية عدد من الظواهر المهمة، والتى تؤثر بالسلب على عملية التحول الديمقراطى فى مصر، منها ما يلي:


١- النسبة المرتفعة للأصوات الباطلة، التى قدرت إلى ما يقرب إلى ١٠٪ من الذين أدلوا بأصواتهم، ويرجع هذا الأمر إلى عدة أسباب من بينها عدم معرفة الناخب بالنظام الانتخابى أو العدد المطلوب تمثيله للدائرة.. وهنا يتحمل الإعلام واللجنة العليا للانتخابات والأحزاب والمرشحون المستقلون النتيجة فضلًا عن الناخب نفسه الذى لم يكبد نفسه عناء محاولة معرفة عدد النواب المطلوب ترشيحه لكل دائرة من ناحية.. من ناحية ثانية، المشاركة السلبية، إن هناك جزءًا من المصريين أبطلوا أصواتهم عن عمد تعبيرًا لرفضهم عن الواقع المعاش، والظروف الاقتصادية والاجتماعية التى تمر بها البلاد.. من ناحية ثالثة، رفض كل المرشحين، حيث لم يجد بعض الناخبين من يرونهم مناسبين لتمثيلهم فى البرلمان لذا لجأوا إلى إبطال أصواتهم، كإحدى الطرق الأسهل والأسرع فى الاختيار..


٢- الرشاوى الانتخابية، والتى تمثلت فى دفع مبالغ من الأموال بدلًا من الزيت والسكر والبطاطين، حيث وصل الصوت الانتخابى إلى ٩٠٠ جنيه فى بعض الدوائر، طبقًا لتقارير بعض منظمات المجتمع المدني.. وهذا الأمر يتطلب دراسة جاهدة من اللجنة العليا للانتخابات التى لم تحرك ساكنًا إزاء هذه الظاهرة المتزايدة فى جولة الإعادة على وجه الخصوص..


٣- استخدام الدين فى التصويت، حيث خرجت بعض الفتاوى الدينية التى إما حرمت المشاركة فى العملية الانتخابية أو تلك التى دعت إلى المشاركة وعدم كتمان الشهادة، وأن العملية الانتخابية واجب دينى لا بد من المشاركة فيها.. واللافت للنظر فى هذه المسألة هو دخول الكنسية على الخط، التى عبر فيها قداسة البابا عن استيائه من دخول مرشحين مسيحيين على قوائم حزب النور، مما جعلهم فى مرمى نيران الإعلام القبطى والمصرى بشكل عام، وكأنهم ارتكبوا خطيئة كبرى لا تغتفر..


٤- الشائعات والعنف الانتخابي، هو ما تجلى فى أبشع صوره فى بعض الدوائر، وكان المثال الأكثر تعبيرًا عن ذلك دائرة الدقى وغيرها فى الكثير من الدوائر الأخرى.. وهنا لا نقصد بالعنف ليس فقط المادى ولكن أيضًا المعنوى الذى تجسد فى إلقاء تهم الخيانة والعمالة لدول أجنية، وأخيرًا من مع أو ضد ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه.