بعد أن حصد مليارات الدولارات يحصد عشرات المقاعد فى البرلمان: ماذا يريد «ساويرس» من المصريين؟

04/11/2015 - 12:39:30

كتب - أحمد النجمى

ابتداءً.. لست من كارهى نجيب ساويرس! ليس اعترفاً لإبراء الذمة، ولا هى عصى موسى ألقيها مقدماً لتبتلع عصى الآخرين، لكننى أجدنى مضطراً لذكر هذه الحقيقة، لأن السطور القادمة ليست موقفاً شخصياً من الرجل، ولا من آل ساويرس عموماً، نختلف هنا على الوطن، قيمة الوطن التى لا تقدر بمليارات الدولارات، ولا تريليونات الدولارات، الوطن لايباع ولا يشترى، القيمة لا تعرض فى الأسواق بضاعة، إنه القيمة التى فوق كل القيم، من هنا.. أصابتنى الحيرة أمام النتائج الانتخابية الأخيرة، وجدتنى أفتش فى تاريخ نجيب ساويرس، وآل ساويرس سعياً وراء الإجابة على هذا السؤال: كيف وصل حزب نجيب ساويرس - المصريين الأحرار - إلى هذه النتائج الضخمة فى الانتخابات؟ ومع التفتيش فى أسرار التاريخ، انفتحت لى أبواب أخرى.. فإذا بى أمام ظاهرة، اسمها “ آل ساويرس” ودرة التاج فيهم.. الرجل الذى يشكل الرقم الصعب حقاً.. نجيب ساويرس، ما الذى أقحمه فى عالم السياسة إلى هذه الدرجة؟ وماذا يريد من هذا الوطن وأهله الطيبين؟!


تذكرون بيرلسكونى.. ذلك الملياردير الإيطالى، الذى امتلك وسائل الإعلام الإيطالية، ومنها وصل إلى الحكم فى روما؟ كان صديقاً للمخلوع مبارك، وكان صديقاً - أيضاً - لحسناوات إيطاليات، ما علينا.. المهم أنه قفز من سفينة البيزنس إلى سفينة الميديا، ومن سفينة الميديا إلى سدة السطلة.. إنها شكلاً نفس خطة نجيب ساويرس.. الذى بدأ بالبيزنس، ومنه إلى الميديا، وصولاً إلى البرلمان!.. انتصر نجيب فى معركة صفرية، مثل معركة شفيق ومرسى، تلك التى عمرها الآن ثلاث سنوات ونصف السنة، كان على المصريين أن يختاروا بين عودة نظام مبارك “شفيق” وبين أن يعتلى الإخوان الإرهابيون “مرسى” سدة السلطة.. ووصل الإرهابيون إلى الحكم، وأقصاهم المصريون بأعظم ثورة خاضوها فى تاريخهم، ثورة ٣٠/٦ المجيدة.


التاريخ يعيد نفسه - شكلاً بالطبع - مع دوران الزمن.. ساويرس وحزبه “المصريون الأحرار” دخلوا فى نفس المعركة ولكن مع طرف آخر هو “حزب النور” السلفى، وفى ساحة سياسية أخرى هى البرلمان لا الرئاسة.. وأصبح المصريون فى اختيارهم لنواب مقاعد “الفردى” تحديداً - بين اختيار بقايا نواب “الوطنى” المنحل، ممن ترشحوا تحت اسم حزب “المصريين الأحرار”، وبين أن يختاروا نواب “النور” الذين سيعيدونهم إلى جحيم دولة “طالبان” التى كان “الإخوان” الإرهابيون يحاولون تأسيسها خلال سنة سوداء حكموا فيها مصر.. هذه المرة انتصر الفلول، لأن ساويرس أحسن تقديمهم إلى الناس “سنعرف تفاصيل هذا التقديم فى السطور التالية..” ولأنهم صاروا على استعداد لفعل أى شئ إلا أن يعودوا إلى الحكم المتطرف والدولة الإرهابية!


وراء هذا التفكير الذى قاد ساويرس إلى الانتظار، ثقافة وفهم ووعى فى رأس نجيب ذلك الرجل الداهية.. الذى قدم نفسه إلى المجتمع فى صور مختلفة، منها صورة المثقف، الذى يمنح جوائز الأدب والفن الرفيعة فى كل عام، ويمتلك أسهماً مؤثرة فى صحف خاصة متعددة ومواقع إلكترونية مهمة، فضلا عن امتلاكه لبعض الفضائيات.. لم تكن كل هذه المجالات التى اخترقها ساويرس إلا وسائل للوصول إلى السلطة، مهما أنكر ذلك.. إنه صياد ماهر امتلأت شباكه بالأسماك على كل لون..!


لعبة البرلمان


كيف امتلأت شبكة الصياد بالسمك؟ وهل كان السمك كله صالحاً للاستخدام الآدمى؟.. لقد اصطادت الشباك ٣٦ سمكة “على مقاعد الفردى” و ٥ أسماك “على القوائم”، ليصبح المجموع ٤١ سمكة فى الجولة الأولى للانتخابات، بعض هذه الأسماك تنتمى إلى فلول نظام مبارك المخلوع، لم يكن هذا مهماً عند “نجيب”، المهم أن تتضخم كتلته البرلمانية، حتى لو جاءت هذه الكتلة بنواب من “الوطنى” المنحل.. المهم كذلك أن تكون لهم قاعدة شعبية كبيرة، لكى يضمن “الحزب” - المصريون الأحرار - نجاحهم فى جولة الانتخابات!.. استهدف نجيب ساويرس قبل الجولة الأولى الانتخابات، الحصول على مائة كرسىى تحت القبة، هكذا قال أو عبر عن هدفه النهائى: ترشيح ١٢٠٠ اسماً، ينجح منهم مائة فى الجولتين الأولى والثانية.. وقد حقق نصف هدفه إلى الآن!


قبل نحو ثلاثة أشهر من الانتخابات البرلمانية الحالية، كان مرشحو “المصريين الأحرار” يدعون إلى مكتب “نجيب ساويرس” فى “أوراسكوم” فى تلك البناية بالغة الأناقة على النيل فى بولاق.. وكان اختيار نجيب للنواب يتم عبر مرحلتين: إحداهما، أن يصنع كل مرشح - أو متقدم للترشيح - فيلماً قصيراً للتعريف بنفسه، يقدم شخصيته أمام شاشة screen يشرح تاريخه وشيئاً من حياته، ويوضح أفكاره كنائب حال انتخابه، وأشرف على هذه الفيديوهات التعريفية إعلامى وصحفى معروف يقدم أحد البرامج على شاشة ontv المملوكة لنجيب. أما المرحلة الثانية فكانت تتم عبر المركز المصرى لبحوث الرأى العام - بصيرة، كان دور مركز بصيرة فى معاونة نجيب ساويرس فى اختيار مرشحيه، يتلخص فى اجراء استطلاع ميدانى داخل الدائرة الانتخابية التى ينتمى إليها المرشح، وكان نجيب يختار النواب الذين من المضمون أن يحققوا نجاحاً بنسبة لا تقل عن ٦٠ فى المائة من الأصوات.


بعد ذلك، يعطى نجيب توجيهاته إلى د. عصام خليل القائم بأعمال رئيس حزب المصريين الأحرار وحكاية القائم بالأعمال هذه.. لها حكاية سنرويها بعد قليل، فيستقبل د. عصام الأشخاص المترشحين - واحداً فواحداً - ليدخل بعدها المرشح غرفة “القائم بالأعمال” المغلقة دائماً، ويملأ استمارة فريدة فى نوعها، تحمل كل شىء عن شخصية المرشح وحياته وأعماله.


فى النهاية، يتم الاتفاق على أسماء المرشحين، وتحديد اجتماع لهم مع نجيب ساويرس، فماذا كان نجيب يقول لهم فى هذه الاجتماعات؟


أولاً.. كان نجيب يحذرهم من التعامل مع عدد معين من الإعلاميين - يذكر لهم بالإسم - طالباً منهم تجنب الظهور فى برامجهم.. لأن هؤلاء الإعلاميين يخوفون الدولة من حزب المصريين الأحرار، ويقولون أن الحزب يشكل فتنة، أو يثير توجهات طائفية، علماً بأن نجيب - كما قال لهؤلاء الذين كان يجتمع بهم - ليس طائفياً على الإطلاق.. لكن هذه النقطة بالذات تشكل حساسية خاصة لديه، هنا نتذكر حكاية “القائم بالأعمال” فنجيب ساويرس لايريد أن يرأس حزبه بصورة مباشرة لكى لا يصبح الحزب هدفاً فى الانتخابات، أو بتعبير أكثر صراحة: لكى لا يستغل حزب آخر سواء أكان حزباً دينياً متطرفاً أو حزباً مدنياً منافساً، كون نجيب مصرياً مسيحياً، ليصرف الناخبين عنه.. لذا فإن د. عصام خليل يشغل منصب “القائم بأعمال رئيس الحزب”.


استطراداً لهذا السياق - هواجس نجيب ساويرس - نحكى قصة حدثت خلال الدعاية الانتخابية: كان نجيب قد اتفق مع شركة دعاية بشأن “بانرات” الدعاية، فاعترض بعض المرشحين على وضع اسم نجيب واسم الحزب فى الدعاية، وقال بعضهم لنجيب بصراحة أن اسمه قد يتسبب فى خسارتهم للمعركة الانتخابية، فبعض الدوائر تربط بين نجيب وبها أفكار طائفية، كفيلة بإخراج المرشح الذى سيضع اسمه أو صورته فى بانرات الدعاية.. من الانتخابات برمتها، قال نجيب لهؤلاء الذين طلبوا عدم وضع اسمه واسم الحزب فى دعاياتهم “اللى بيزمر مابيخبيش دقنه” لكنه عاد وسمح لبعضهم بهذا، ونجح عدد منهم بهذه الصورة، لكن البعض يقول أن نجيب ساويرس قد يظهر اسمه أو اسم حزبه على لافتات الدعاية فى المرحلة الثانية من الانتخابات، بعد أن أصبح حزبه “رقم واحد” فى الأحزاب الحاصلة على أعلى الأصوات فى الجولة الأولى.


نعود إلى اجتماعات نجيب ساويرس ومرشحيه.. نقول انه كان يحذر المرشحين من التعامل مع عدد معين من الإعلاميين - بالإسم - أما النقطة الثانية التى كان يلح عليها نجيب فكانت الاتفاق مع المرشحين على رقابة مسبقة على أدائهم البرلمانى.. كيف كان نجيب يقول هذا المصطلح الصادم؟ لم يكن يبوح به صراحة، بل كان يقول للمرشحين، انه يريد منهم أن يخبروه بأى طلب إحاطة أو استجواب أو سؤال قبل أن يتقدموا به إلى البرلمان، لكى “يتناقش” معهم فيه.. علشان نعرف الدنيا ح تمشى إزاى! ..وفق تعبيراته، والمعنى الرقابة على النواب واضح هنا لا لبس فيه!


أما تمويل الحملات الانتخابية، فنجيب يكتفى بتمويل بعض المرشحين بنصف مليون جنيه كحد أقصى، وفق تعليمات “العليا للانتخابات” أما بعضهم.. فكان نجيب يصل بدعمه المالى له إلى مليونى جنيه، من خلال الجمعية الأهلية التى يرأسها نجيب.. فيقدم المرشح خدمات عينية للناخبين بمئات الآلاف من الجنيهات، التى لايمكن حسابها أو ضبطها، لأنها ليست مدفوعة “كاش”، بل فى صورة خدمات..!


هذه الأرقام - وغيرها - يجب ألا تزعجك أيها القارئ الكريم.. لسببين: الأول أن ساويرس كان حاضراً بقوة فى الانتخابات الأخيرة، ليس فقط من خلال نجيب وحزبه، بل أيضاً من خلال أحزاب أخرى، بعضها حقق نجاحاً انتخابيا، وبعضهم لم يحقق شيئاً!.


ويبقى السؤال: ماذا سيفعل حزب نجيب ساويرس تحت قبة البرلمان، مع الرئيس.. ومع حكومة المهندس شريف إسماعيل؟ هذا فى علم الغيب، لكن المؤكد.. أن الحياة السياسية المصرية ستشهد فصلاً من مسرحية مؤثرة تحت قبة البرلمان، بطلها - الذى يحرك الأحداث من الكواليس - هو نجيب ساويرس..!


انتصارات حزب ساويرس لها أصداء خارجية أيضاً.. وصحيفة “لوموند” الفرنسية ذائعة الصيت نشرت تقريراً قبل أكثر من أسبوع عن النتائج التى حققها المصريون الأحرار فى المرحلة الأولى من الانتخابات.. ومن بين الفقرات المهمة فى هذا التقرير، كلام نسبته “لوموند” لنجيب ساويرس قال فيه مفسراً ضعف الإقبال على الانتخابات البرلمانية الأخيرة.. “الشباب المصرى يشعر بخيبة أمل من رؤية نظام حسنى مبارك القديم يعود إلى الواجهة من جديد، وتفاقم الاضطهاد والقمع ضد شباب الثورة، وتدخل الأجهزة الأمنية فى الانتخابات” واعترف فى الوقت ذاته بإدماج بعض وجوه نظام مبارك فى حزبه وقال: لم أحضر المرشحين من القمر، بل اخترت بعضهم من رجال النظام السابق!.. ونقلت الصحيفة الفرنسية عن نجيب ساويرس قوله سوف نكون صوت كل شباب الثورة والنشطاء بشرط ألا يخوضوا فى الإضرابات أو يحرضوا على شل اقتصاد البلاد والفوضى والتخريب.. أو يدخلوا مع معارك غير بناءة.. سوف نحارب من أجل الشباب المسجون ومن أجل دعم حرية الرأى والصحافة ودولة القانون؟..!


تصريحات نجيب لـ “لوموند” الفرنسية تجسد على وجه الدقة تكوينه السياسى، تكوين يجمع بين فلول الوطنى المنحل، الذين أتى بهم لأنه لن يحضر المرشحين من “القمر!، وبين النشطاء وشباب الثورة، أى بين النقيضين، وهو سوف يحارب من أجل “الحريات” والشباب المسجون فى سلة واحدة.. أعداء الثورة وأبناء الثورة - “الوطنى” وثوار ٢٥ يناير - والحرب من أجل الحريات وإخراج “المحابيس” وفى نفس الوقت.. ألا يتعارض خروجهم هذا مع “البيزنس”..!


يريد نجيب ساويرس جمع كل هذه المتناقضات رغم أنف الجميع، وهو فى هذا الجمع غير الطبيعى للمتناقضات، يصف حزبه بأنه “عقلانى”، ويحدد ولاءه بأنه للشعب وليس للنظام، عن أى نظام يتحدث نجيب ساويرس؟ هل يقصد الرئيس عبدالفتاح السيسى تحديداً؟ أعتقد ذلك، والسياق الذى جاءت فيه العبارة يدعو للتفكير، ألم يذكر بعدها “الشباب المسجون” ودعم حرية الرأى والصحافة وحرية الرأى؟!


عن أى شباب مسجون يتحدث نجيب ساويرس ؟ وعن أى حرية صحافة يتكلم؟ عن محابيس الإخوان أم عن سجناء رأى من الشباب؟ إن تعبير “الشباب المسجون” مطاطى واسع فضفاض، يستخدمه المعادون للدولة المصرية كثيراً هذه الأيام، أما حرية الصحافة فالمفروض أن يشهد نجيب لها لا عليها، وإلا فما أخبار الحرية فى الصحف الخاصة والمواقع الإلكترونية التى له فيها نصيب وافر من الأسهم؟ أما كلامه لـ «اللوموند» عن “تدخل الأجهزة الأمنية فى الانتخابات” فيرقى إلى “الكوميديا السياسية”، إلا إذا كانت الأجهزة الأمنية هى التى ساعدت ٤١ مرشحاً لحزب ساويرس فى الحصول على مقاعد البرلمان فى جولته الأولى..!


المليادير والغواية


لماذا حين نتكلم عن عائلة ساويرس، لا يرد على ذهننا سوى نجيب؟ بل لماذا حين يذكر اسم “ساويرس” على أى مقهى، أو فى الشارع أو الحارة، يظن المستمع أن المتكلم يقصد نجيب ساويرس تحديداً؟ نجيب هو الأكثر استجابة لغواية الإعلام، أعتقد أن هذا الرجل إذا لم يدخل دنيا البيزنس، لكان يصلح - وبقوة - للعمل الإعلامى، وهو - وهذا للأمانة - متحدث لبق، وصاحب إطلالة جذابة، فضلاً عن أناقته ولباقته وثقافته.. “غواية الميديا” هى التى جعلت نجيب يمتلك فضائيات ontv وجعلته شريكاً فى عدة صحف خاصة ومواقع وبوابات إلكترونية، حتى أنه صار - بلا مبالغة - واحداً من أكبر المستثمرين فى حقل الإعلام الخاص، سواء المرئى أو المطبوع أو الإلكترونى.


لكن “عائلة ساويرس” ككل.. يجب أن تكون حاضرة فى الصورة إذا تكلمنا عن “الثروة”.. عائلة ساويرس تحافظ على صدارتها فى قائمة أثرياء مصر هذا العام وفقاً لمجلة “فوربس” الاقتصادية العالمية الشهيرة، والتى كان آخر تقديراً لديها لثروة آل ساويرس ١٢.٣ مليار دولار (أكثر من ٩٨ مليار جنيه)، وطبقاً لـ “فوربس” احتل “ناصف ساويرس” الذى يرأس مجلس إدارة شركة “أوراسكوم” للإنشاء والصناعة المركز السادس فى قائمة الأثرياء العرب، والأول فى مصر.. بثروة صافية تقد بـ ٦.٣ مليار دولار.. أما نجيب فهو رقم ١٤ عربياً والثالث فى مصر بصافى ثروة بلغ ٣.١ مليار دولار، ثم سميح ساويرس الذى يحتل المركز الثامن بين أغنياء مصر والواحد والأربعين عربياً، بثروة تبلغ ١.١ مليار دولار.


فكيف جمع آل ساويرس هذه الأرقام الأسطورية؟


البداية كانت مع الأب.. أنسى ساويرس، الذى أسس فى العام ١٩٥٠ شركة لأغراض أعمال حفر الترع ورصف الطرق والمقاولات.. وبعد تأميمها على يد الزعيم خالد الذكر “جمال عبدالناصر” فى مطلع الستينيات، ثم تعيينه مديراً لها بعد أن تغير اسمها إلى النصر للأعمال المدنية، ولما لم يجد أنسى نفسه فى هذه الشركة سافر إلى ليبيا عشر سنوات ثم عاد فى زمن انفتاح السادات ليلحق بركب المليارات، فأسس أنسى ساويرس “أوراسكوم” للمقاولات فى أواخر السبعينيات، وكانت فى ذلك التوقيت تقتصر على خمسة أفراد فقط يعملون فيها، لكنها استطاعت السيطرة على تنفيذ مقاولات مشروعات وزارة المواصلات نحو ٢٠ عاماً، طوال عهد المهندس “سليمان متولى” الذى شغل منصب الوزير لهذه المدة فى عصر مبارك، ذلك العصر الذى شهد بتضخم ثروة آل ساويرس، فبالإضافة لكل ما سبق.. قامت “أوراسكوم” للمقاولات بتوريد أجهزة ومعدات، وقامت باحتكارات توكيلات عالمية فى مجال تكنولوجيا الاتصالات ومعدات البناء وترميم الآثار ورصف الطرق وإقامة السكك الحديدية والمترو فى العقد الأول من عصر مبارك.


النقلة الأعظم فى حياة “مؤسسة ساويرس” أو شبكة ساويرس الاقتصادية، هى تلك التى حدثت حين تأسست شركة أمريكية فى سيليكون فالى - وادى السليكون بكاليفورينا - لصناعة رقائق الكمبيوتر، إذ دخل أنسى ساويرس كشريك استراتيجى مع الإدارات الأمريكية المتتالية، ومن خلال هذه الشركة حصل على مشروعات فى مصر والبحرين والعراق وقطر وأفغانستان وأوكرانيا وبنجلاديش.. ومن أهم أعمال المقاولات التى قامت بها “أوراسكوم” تصميم وإنشاء قواعد عسكرية أمريكية فى العراق تتبع وزارة الدفاع “البنتاجون” الأمريكية..!


وفى النصف الثانى من التسعينيات.. قام أنسى ساويرس بتقسيم استثمارات “أوراسكوم” بين أبنائه الثلاثة: سميح، ونجيب، وناصف.. هذه الاستثمارات تحولت إلى الشركات الثلاثة الرئيسية الموجودة اليوم: أوراسكوم تليكوم، وأوراسكوم للإنشاء والصناعة، وأوراسكوم للفنادق والتنمية.


ومع النصف الثانى للتسعينيات لمع اسم “نجيب ساويرس” كونه - كما قلنا - محباً للظهور، يجيد “لعبة الميديا” أو غوايتها.. فهو ليس فقط مالكاً لأون تى فى، ولا فقط شريكاً فى عدة صحف خاصة ومواقع إلكترونية إخبارية، بل إن نفوذه وصل إلى كل ما هو “إعلامى” فقد باعت شركة “بريزنتيشن” كل حقوق بث مباريات أندية الدورى الممتاز لنجيب ساويرس.. الذى باع - بدوره - حقوق بث مباريات الدورى العام لقناتى ten والحياة.. فبحسب عقد البيع، فإن ساويرس من حقه تسويق وبيع حقوق بث مباريات الأندية داخل مصر، بينما تتولى “بريزنتيشن” تسويق حقوق البث عبر القنوات غير المصرية.


لعبة الميديا والمال، أو ثنائية الإعلام والتمويل التى يجيدها نجيب ساويرس، تعدت الحدود إلى الخارج، فقبل أسبوعين تقريباً.. أعلن نجيب افتتاح المقر الجديد لشبكة “يورونيوز” فى “ليون” الفرنسية، وكتب تدوينة على “تويتز” صباح اليوم الذى افتتح فيه هذا المقر تقول أنه على أحدث طراز وأن الإعلان عن خطة التطوير المرتقبة سيكون اليوم “يقصد يوم كتابته للتدوينة ١٥ أكتوبر الماضى”، والحكاية أن نجيب يستحوذ على أسهم فى شبكة “يورو نيوز” الإخبارية..!


الغريب حقاً فى آل ساويرس.. هو هذا “النزوح الخارجى” فى رؤيتهم لمآسى الناس.. إنهم يرون مآسى الشعوب الأخرى بعيون باكية، وينظرون إلى مآسى المصريين بعيون لا حياة فيها..!


فنجيب ساويرس أعلن أنه سيشترى جزيرة للاجئين السوريين، وعبر حسابه على “تويتر” حدد نجيب جزيرتين يونانيتين مملوكتين للقطاع الخاص من شأنهما أن تكونا مناسبتين جداً للمشروع.. وقال نجيب انه تواصل مع أصحاب الجزيرتين، وأضاف: سأبنى ميناء صغيراً أو مرسى قوارب هناك، وسأوظف الناس لبناء منازلهم، ومدارسهم، ومستشفى، وجامعة وفندق.. وبإمكانى توظيف مائة إلى مائتى ألف لاجىء ثم قال ساويرس انه سيطلق على الجزيرة اسم “جزيرة آلان” لإحياء ذكرى الطفل السورى الشهيد فى تصريحات لـCNN: صورة آلان أيقظتنى، وقلت اننى لا أستطيع الجلوس من دون أن أفعل شيئاً، وأدعى أنها ليست مشكلتى.


دموع نجيب ساويرس التى سكبها على الطفل السورى “آلان” تحولت إلى “بيزنس”.. كيف؟ قال ساويرس لـ cnn إنه يأمل فى الحصول على مزيد من التبرعات تجاه المشروع من خلال إنشاء شركة مساهمة مشتركة برأسمال أولى يبلغ مائة مليون دولار. وأضاف: كل من سيتبرع للمشروع سيحصل على حصة فى الشركة وبذلك يصبح شريكاً فى الجزيرة وفى المشروع، وقال انه سيسعى للحصول على إذن الحكومة اليونانية للتقدم بالمشروع.


يا سلام على الإنسانية.. يا سلام على الحنية، مع الاعتذار لفيلم “الزوجة الثانية” للرائع صلاح منصور والعظيمة سعاد حسنى.. صحيح أن الطفل “آلان” أدمى قلوبنا جميعاً، وسالت من أجله الدموع غزيرة، لكن.. ألم توقظ صور أطفال الشوارع المصريين - وهم بمئات الآلاف - نجيب ساويرس كما أيقظته صورة آلان؟ لم رفض أن يجلس دون أن يفعل شيئاً بشأن “آلان” واستطاع أن يجلس وينام ويأكل ويشرب ويكسب المليارات وهو يرى الطفل المصرى الذى مات مصعوقاً بالكهرباء فى الإسكندرية - يوم غرقت المدينة الرائعة فى المطر قبل نحو أسبوعين - لمجرد أنه طفل فقير ضعيف؟!.


آل ساويرس يحبون فعل الخير.. ولكن خارج الحدود، ويسعون لحل مشكلات الشعب.. بشرط ألا يكون الشعب المصرى!.


فهذا خبر آخر يقول - قبل أسبوع فقط - أن “سميح ساويرس” يشارك بمشروع إسكان لمحدودى الدخل .. فى إندونسيا! المشروع الإندونيسى إياه سيتكلف ٢٥٠ مليون دولار.. وسبب المشروع كما قال سميح “مع الارتفاع الحاد فى أسعار الأراضى فى السنوات الأخيرة سوف يصعب على ٣٤ مليون شخص من ذوى الدخل المنخفض فى إندونيسيا شراء منازل لأسرهم..”!


وكأن هذا الرقم - وأكبر منه - لايعانى المشكلة ذاتها فى مصر، أو كأن ملايين المصريين لايعيشون فى عشش من الصفيح والخشب فى العشوائيات.. إما إنهم ليسوا مصريين، أو أن هذا النوع من المليارديرات الذين يشعرون بآلام كل الشعوب - عدا الشعب المصرى - هم الذين لا ينتمون إلى مصر!.