الأقباط والانتخابات

04/11/2015 - 12:37:40

  الانتخابات البرلمانية فى جولتها الأولى شهدت سلوكا طائفيا الانتخابات البرلمانية فى جولتها الأولى شهدت سلوكا طائفيا

جمال أسعد

لا ديمقراطية دون تعددية ولا تعددية دون أحزاب فالعملية الديمقراطية وهى إحدى عناوين الدولة المدنية التى تختلف عما يسمى بالدولة الدينية التى لا أساس دينيا لها بقدر ما هى نوع من الاجتهادات التى تلبس الدين رداءً سياسياً فهذه الديمقراطية لا تعتمد ولا يجب أن تلخص فى العملية الانتخابية فقط. ولكن الديمقراطية لها جانب إجرائى وآخر قيمى.


ولا يجب أن نفصل أحدهما عن الآخر. فإن كنا قد تقدمنا بشكل لا بأس به فى الجانب الإجرائى فهناك دستور وضع ويجب أن يطبق وأن تفعل مواده على أرض الواقع وذلك بتشريع القوانين المكملة للدستور كما يجب أن يتم الالتزام بهذا الدستور عملياً قبل الحديث عن تعديل بعض مواده مما يزيد من درجة فقدان الثقة السياسية فى النظام.


نعم هناك ضمانات فى إجراءات العملية الانتخابية مثل قيد ما فوق ثمانية عشر عاماً فى الجداول الانتخابية والإشراف القضائى والتصويت بالرقم القومى والحبر الفسفورى ولكن كل هذا يقع فى الجانب الإجرائى للعملية الديمقراطية أما الأهم هو ذلك الجانب القيمى للعملية والذى يعتمد فى المقام الأول على درجة من المعرفة والثقافة العامة التى تؤهل إلى درجة من درجات الوعى السياسى الذى بدونه تغيب أى رؤية سياسية فيتوه الاختيار خاصة أن حرية المواطن فى اختيار نائبه بدون أى ضغوط أو إغواءات أو إغراءات سياسية أو طائفية أو عرقية أو جهدية أو مالية هى الضامنة الأساسية للديمقراطية . فهل بالفعل قد وصلنا إلى هذه الدرجة من الحرية التى تجعل المواطن يختار بحرية دون ضغوط من أى جهة أياً كانت ؟ لا شك لم نصل بعد إلى هذه الحالة المهمة والمطلوبة حتى يمكن أن نتحدث عن الديمقراطية والمشاركة فى اتخاذ القرار خاصة فى إطار ما يسمى بالضغوط الدينية والطائفية والمتاجرة بالدين لصالح السياسة بهدف تحقيق مصالح حزبية وذاتية لا علاقة لها بالوطن ولا بالجماهير وفى هذا الإطار وعلى ضوء نتائج المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية وما تم فيها وما يمكن أن يستخلص من فوائد للمستقبل نركز هنا على السلوك الطائفى الذى اعتدنا عليه فى الانتخابات بشكل عام وفى هذه الانتخابات بشكل خاص . وهو التصويت والترشيح على أرضية طائفية وليس على أرضية سياسية . فبداية فالقيد التلقائى فى الجداول الانتخابية والذى وصل بعدد الناخبين حتى الآن إلى ما يقرب من ستة وستين مليون ناخب فلا شك فإن عدد المصوتين من الأقباط قد أصبح بالملايين إضافة إلى إصلاح الجانب الإجرائى للانتخابات وعدم التزوير والتسويد والتقبل المجتمعى الآن للآخر بدرجة ملحوظة بعد توارى التيارات والتنظيمات المسماة بالإسلامية كل هذا جعل الأقباط يجنحون إلى الخروج والمشاركة فى العملية الانتخابية بعد ٢٥/ ٣٠ ولكن للأسف فإن خروجهم من أسوار الكنيسة وهذا ما كنا ندعو إليه منذ ثلاثة عقود وقد تم أيضاً على أرضية طائفية وهنا يصبح من الطبيعى للقبطى بهذه التركيبة وذلك التراث الطائفى الموروث أن يختار المرشح القبطى حيث إن هذا المرشح فى الأساس قد ترشح أو تم ترشيحه من قبل الأحزاب الكرتونية كقبطى أيضاً تكملة للصورة الديكورية أو نوع من التملق الانتخابى للأقباط وللكنيسة التى مازالت تمارس دور الوصاية السياسية على الأقباط ويا للأسف بمباركة واستملاح من الأنظمة السياسية وعلى ذلك وجدنا عدداً كبيراً من المرشحين الأقباط فردى وفى الجولة الأولى وفى ظل التقاعس الظاهر فى التصويت بشكل عام وجدنا خروجا قبطياً منقطع النظير بالطبع يتجه إلى التصويت للمرشحين الأقباط . ومثالاً لذلك وجدنا فى محافظة المنيا أكبر عدد من المرشحين الأقباط ووجدنا إقبالاً قبطياً على التصويت كان مدفوعاً باتصال تنفيذى لأساقفة المنيا بالرغم لو لم يكن هنا حشد كنسى لكان الأقباط قد خرجوا أيضا للظروف السابق إيضاحها.


ولكن مع الخروج وإن كان تلقائياً إضافة للتدخل الكنسى بالطبع سيتحول إلى حشد طائفى ويكون من طبيعة الأشياء أن يقابله حشد طائفى من الطرف الآخر. ولذا وجدنا نتيجة للحشد القبطى مع غياب القابلية على التصويت الشيء الذى جعل هذا الحشد الطائفى ينجح عشرة مرشحين أقباط فى المنيا يدخلون مرحلة الإعادة .


هنا وجدنا فى الإعادة الدعوة الطائفية من الطرفين للتصويت الطائفى وكان طبيعياً كما هو حادث دائماً سقوط الأقباط المعيدين فى المنيا باستثناء مرشح قبطى فاز فى مدينة ملوى لأنه كان يعيد فى مواجهة قبطى آخر يعنى لم يفز غير قبطى واحد من عشرة فى المنيا نتيجة لهذا الحشد الطائفى المتبادل بين الطرفين .


والغريب أن أحد الأقباط المعروفين بممارساته الطائفية التى يزايد فيها على الأقباط قد حصل على أعلى الأصوات فى الإعادة وهى ستة وثلاثون ألف صوت ولكن لإدارة العملية الانتخابية بطريقة طائفية فجة سقط ولم يفز بالرغم من حصوله على مقعد فى بنى مزار فى سنة حكم الإخوان .


وعلى هذا الأساس وعلى تلك الأرضية الطائفية قد دخل الإعادة فى الجولة الأولى ثلاثة وعشرون قبطياً لم يفز منهم على مستوى المرحلة غير أربعة أقباط فقط واحد فى أسيوط وواحد فى ملوى وآخر فى الجيزة ورابعهم فى نقادة. ومع ذلك فهل بهذا تكون الصورة سوداوية ولا يوجد بها بصيص من الضوء؟ بالطبع هناك إيجابيات وهناك تغير وإن كان محدوداً ولكنه بالتراكم الكمى سيحدث تغييركيفى بلا شك فلابد أن نقول إنه لأول مرة منذ عقود ليست بالقليلة لم يفز هذا العدد من الأقباط فى ظل النظام الفردى الذى مازال يعتمد على الأغلبية والأقلية العددية فأربعة فى المرحلة الأولى غير ما ستفسر عنه المرحلة الثانية وأنا هنا لا يعنينى أقباط القوائم لأن هؤلاء هم سيدخلون البرلمان من باب شبه التعيين فهذا يوحى بأن هناك تغييراً ما سيحدث خاصة لو أجدنا واجتهدنا فى تصحيح الفكر الدينى الإسلامى والمسيحى لأن كليهما يشكل وجدان وضمير وسلوك المواطن مسلماً كان أو مسيحياً . كما أننا لم نجد أى حوادث أو احتكاكات طائفية بين مسلمين ومسيحيين عند التصويت أو لم نجد منعاً جماعياً للأقباط مثل الذى حدث فى انتخابات مرسى .


أما الأهم فإنه بالحساب العددى فإن المرشحين الأقباط الذين أعادوا والذين فازوا هناك كم كبير لا يستهان به من الأصوات قد حصلوا عليها بعيداً عن أصوات الأقباط، وهذا يعنى أنه حتى وإن كان هناك حشد ودعوة طائفية فى التصويت فلا يوجد عنف طائفى مصاحب لذلك . وهذا تغير يرصد ويحلل لمزيد من الاستزادة والاستفادة. وهنا وجب الحديث عن أن ترفع الكنيسة والمسجد يدهما عن العملية الانتخابية والسياسية بشكل عام . فتدخل الكنيسة فى أى مرحلة يصم خروج الأقباط ومشاركتهم السياسية بوصمة طائفية تحدث رد فعل طائفى أيضاً . فلتترك الكنيسة الأقباط يخرجون ويترشحون ويصوتون كما يريدون دون وصاية دينية . نعم يمكن أن يكون الاختيار طائفيا فى البداية ولكن طريق الألف ميل تبدأ بخطوة، ولكن عدم تدخل الكنيسة سيجعل الممارسة تنمو وتسرع نحو الاختيار السياسى وليس الطائفى . وليعلم رجال الدين أن التصور الخاطئ لديهم بأنهم أصحاب دور وصائى على الأقباط لا يريدون التنازل عنه فهذا خطأ . دوركم روحى لا سياسى وعلى الدولة أن تسقط الوصاية والوساطة الكنسية على الأقباط . فهم مواطنون مصريون يمارسون حقهم السياسى مثل كل المصريين فلماذا تسعى الدولة ويسعى النظام إلى الكنيسة وليس إلى مواطنيه من المصريين الأقباط ؟ ما يحدث ليس فى صالح الكنيسة ولا الأقباط ولا المصريين جميعاً لأن هذا لا يحقق شعار مصر لكل المصريين.