انحيازات جديدة فى المشهد الانتخابى

04/11/2015 - 12:27:48

أحمد بان

أسدل الستار على المرحلة الأولى من انتخابات مجلس نواب ٢٠١٥ ، بعد أن أعلنت اللجنة العليا للانتخابات نتائج جولة الإعادة التى رسمت ملامح جديدة وإن كانت متوقعة ، لبرلمان نستطيع أن نسميه كما أطلقنا عليه فى مقالات سابقة برلمان الثورة المضادة ، بالنظر لتركيبته المخالفة تماما لتركيبة برلمانات ما بعد ثورة ٢٥ يناير وانحيازاته أيضا التى تؤشر لإعادة التطبيع بين السلطة ورأس المال .


فى برلمان ٢٠١٢ تقدمت أحزاب اليمين الدينى التى تصدرها حزب الحرية والعدالة الذراع أو القدم السياسية لجماعة الإخوان المسلمين بنسبة ٤٤ ٪ من المقاعد ، وقد غاب هذا الحزب تماما عن المنافسة السياسية ولم يفلح أحد من خلاياه النائمة فى الوصول إلى البرلمان حتى لو كان بهدف توفير منبر للدفاع عن الجماعة ومظلوميتها وتسجيل مواقف لها من تحت قبة البرلمان ، أما حزب النور الذى حل وصيفا للإخوان فى تلك الانتخابات وحاز نصف النسبة التى حققها الإخوان أى ٢٢ ٪ من مقاعد البرلمان ، فقد تقهقر إلى الترتيب الخامس فى المرحلة الأولى بعد أن تضافرت العديد من العوامل على تحقيقه تلك النسبة ، وبدا أن هناك محاولات للنفخ فى بالونة الحزب لكى تحدث صوتاهائلاعند تفجيرها ، بالرغم من أن الحزب دخل لتلك الانتخابات فى ظل حملة توافقت فيها لأول مرة جماعة الإخوان مع التيار المدنى ومنابره فى شيطنة الحزب ومورست دعاية سوداء حقيقية بحقه ، ساهمت ضمن عوامل أخرى منها ضعف بنيته التنظيمية والانفصال بين قواعده وقيادته إضافة إلى خسارته قواعده التقليدية من التيار السلفى العام ، التى أدارت له الظهر بعد موقفه من ٣٠ يونيه وفض اعتصام رابعة والنهضة ، إضافة الى أمر آخر مرتبط بالخطاب السياسى والشرعى المزدوج ، الذى أدى إلى استشعار العديد من قواعد الحزب حرجا شرعيا فى انتخاب قوائم الحزب التى تضم أقباطا ، وربما هذا ما يفسر خروج البعض للوقوف خلف مرشحى المقاعد الفردية مقارنة بمقاعد القوائم ، صحيح أن الحزب حصلت القائمة التى نافس عليها على ما يقرب من ٥٧٠ ألف صوت من بين مليون و٩٠٠ ألف ، صوتوا لقائمة غرب الدلتا بما يعنى وجود جماهيرى لافت ، أخفت نتائجه القائمة المطلقة التى ينبغى إعادة النظر بها لما تسببه من إهدار لتكافؤ الفرص والمساواة بين من حصل على نصف مليون صوت ومن لم يحصل على صوت واحد ، الحزب لم يحصل سوى على تسعة مقاعد ضمنت له وجودا فى المجلس قد لايتجاوز تسجيل المواقف ، إذا لم ينجح فى الدخول لتحالف سياسى مناسب لأجندته هذا إذا كان لديه أجندة تتجاوز الاحتماء من بطش النظام بجسد سياسى له ذراع برلمانى.


لاشك تضمنت هذه المرحلة العديد من الأشياء الجديدة ، لكنها أؤكد على الأقل بالنسبة لى لم تكن مفاجأة فقد تم هندسة قوائم المتنافسين عبر تأجيل هذا الاستحقاق لعامين ، ثم تكفلت العوائق الإدارية والسياسية وغيرها بضمان قوائم لن تكون تناقضا حقيقيا مع السلطة التنفيذية ، ربما أقرب إلى مجلس الموافقة الدائمة أو مجلس نعمين وليست نعم واحدة ، غابت كل أحزاب اليمين الدينى التى تنوعت فى برلمان ٢٠١٢ من إخوان إلى سلفيين إلى جهاديين مثلهم حزب البناء والتنمية الذى حاز ١٣ مقعدا فى البرلمان السابق ، ولا أظنه حتى فى الجولة الثانية سيحظى بمقاعد فقد بقى فيما يسمى تحالف دعم الإخوان رغم رغبة بعض أعضائه فى الدخول إلى تلك المناسبة كما غابت أحزاب كالأصالة السلفى أيضا الذى بقى ضمن تحالف الإخوان .


احتل المقدمة فى هذه المرحلة حزب المصريين الأحرار الذى تفتق ذهنه فى هذه المنافسة ، عن البحث عن المرشح المضمون فوزه سواء كان عضوا سابقا فى الحزب الوطنى أو من العائلات المعروفة بوجود تاريخى فى البرلمان ، كان ذلك بمنطق أقرب إلى لاعب الدرجة الأولى فى كرة القدم الذى يحصل عليه نادى من أجل مهارته فيتنقل اللاعب أو النائب من نادى إلى آخر ، بعضهم كان لديه فضلا عن الحضور فى دائرته الحيثية المالية ، ومن ثم فقد لعب المال السياسى دورا مهما فى تلك المناسبة سواء فى سقف الدعاية الذى تم تجاوزه فى بعض الأماكن بشكل سافر حتى أصبح مبلغ ٢٠٠ ألف جنيه وهو السقف الذى حددته اللجنة رقما يدعو للتندر، بالنظر إلى مستوى الإنفاق الذى تعد أحد مفرداته رقما بحد ذاته كلوحات أوت درو على الدائرى أو المحور أو الشوراع والميادين الرئيسية ، أحد المرشحين الذين فازوا فى مقعد فردى أنفق ١٢ مليون جنيه على الأقل من واقع حصر كلفة دعايته ولكن من يحاسب ؟ يبدو حزب المصريين الأحرار حزب رجال الأعمال ومصالحهم وحرصهم على أن يكون لهم وجود سياسى يستطيعون الاحتماء به أيضا فى مواجهة السلطة ، وتصبح الصورة أوضح إذا اكتشفنا أن الحزب الذى حل ثانيا هو حزب مستقبل وطن الذى لايخفى رئيسه أن من موله أربعة من كبار رجال الأعمال ذكرهم بالاسم ، دون أن ينسى التأكيد أنهم ليس لهم علاقة بقرارات الحزب ولا تدخل لهم فى شئونه ، يبدو أنهم مولوا الحزب فقط لأنهم من المؤمنين بتمكين الشباب ويحبون أن يسدوا تلك الثغرة التى لم تنتبه لها الحكومة فى خارطة الطريق !


أما حزب الوفد الذى حل فى المركز الثالث فى انتخابات ٢٠١٢ فقد احتفظ بنفس المركز فى هذه المرحلة ، مما يؤكد أن الحزب رغم كل ما جرى فى الحياة السياسية من تطورات لازالت له قواعده التقليدية التى حفرت له مكانا راسخا فى الحياة السياسية ، بما يجعله لا يتجاوز مساحة المعارضة اللطيفة التى تعرف حدودها وتزين أى برلمان وتمنحه ما يريد من إصباغ الشرعية، التى لم تخدشها نسبة تصويت لم تتجاوز فى أعلى المحافظات وهى مطروح ٣٣٪ ، بينما كانت أدنى محافظة حضورا فى العملية هى الإسكندرية بنسبة ١٤.٨٪


أحزاب الفلول لم تخرج من المولد بلا حمص ، فقد حازت أحزاب مثل مصر بلدى أو مصر الحديثة أو الحرية على مقعد واحد ، لكن هذا لايعنى أنها فقط حصلت على تلك المقاعد القليلة المشابهة لما أحرزته فى برلمان ٢٠١٢ والذى لم تحقق فيه أكثر من ٥٪ من مقاعده ، حيث ارتفع نصيبها من المقاعد فى تلك المرحلة إلى نسبة كبيرة تفوق كل الأحزاب تقريبا لكن دون إعلان عبر بوابة المستقلين.


الشرطة والجيش كانا حاضرين فى المنافسة أيضا حيث حصد لواءات شرطة وجيش ما يقرب من ربع مقاعد المرحلة الأولى ، يبدو أننا أمام نظام سياسى جديد يتشكل تذوب فيه الفوارق والحدود تماما بين السلطات ليصبح أحمد مثل الحاج أحمد ، وتعود ريما لعادتها القديمة حتى إن صحيفة الأهرام صدرت صفحتها الأولى فى عدد الجمعة بحوار مع د فوزية عبدالستار رئيس اللجنة التشريعية فى برلمانات ماقبل الثورة ، تبشرنا فيه أن لائحة المجلس باقية بعد أن بشرنا من قبل الرئيس بأن الحكومة باقية ، وبالتالى لا شىء سيتغير سوى العناوين والأشكال لكننا أمام نفس الدولة القديمة التى لم تقبل بوجود يناير تحت قبة البرلمان هذه المرة ، فقد غابت أحزاب كالثورة مستمرة أو شباب يناير الجميل ، ربما من الأشياء اللطيفة فى هذا البرلمان هو عودة النائب المخضرم كمال أحمد الذى يذكرنا بفرسان البرلمان مستقلا كما كان طوال حياته السياسية ، وربما نجاحه دليل مؤكد على الشرعية الإجرائية التى توفرت لهذه الانتخابات ، رغم غياب الشرعية الموضوعية التى هى ربما موضوع حديث آخر.