تركيا تعود إلى أحضان «العدالة والتنمية» وأردوغان ينفرد بالسلطة

04/11/2015 - 11:48:55

  أردوغان.. كسب الرهان وحقق نتائج تؤهله لتشكيل الحكومة رغم ما واجهه من مشكلات داخلية أردوغان.. كسب الرهان وحقق نتائج تؤهله لتشكيل الحكومة رغم ما واجهه من مشكلات داخلية

السيد عبد الفتاح رئيس مركز القاهرة للدراسات الكردية

فى مفاجأة فاقت كل التوقعات نجح حزب العدالة والتنمية الحاكم فى تركيا، فى الفوز بالانتخابات النيابية باكتساح محققاً نسبة تقترب من ٥٠٪ من أصوات الناخبين الأتراك. وتواصلت مفاجآت الانتخابات بتراجع حزب الشعوب الديمقراطى الكردى الذى كان الحصان الأسود فى الانتخابات النيابية التى جرت فى ٧ يونيه الماضى، حيث فقد ٢١ مقعداً محققاً نسبة حوالى ١٠.٥٧٪، بينما جاء حزب الحركة القومية كأكبر الخاسرين فى هذه الانتخابات بفقدانه ٣٩ مقعداً من مقاعده التى حققها فى الانتخابات السابقة، وحصل على حوالى ١٢٪ من أصوات الناخبين، بينما حاز حزب الشعب الجمهورى على المرتبة الثانية بعد العدالة والتنمية مضيفاً ١٪ إلى نسبته التى حازها فى الانتخابات السابقة محققاً نسبة أقل بقليل من ٢٦٪.


أبرزت النتائج غير الرسمية للانتخابات أن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان نجح فى رهانه على الانتخابات المبكرة التى خطط للوصول إليها عقب إعلان نتائج انتخابات ٧ يونيه الماضى، وإفشاله جهود تشكيل حكومة ائتلافية.


كما جاءت هذه النتائج غير المتوقعة من كل الأطراف وأولها حزب العدالة والتنمية نفسه وأنصاره وحتى الشركات والمراكز المتخصصة فى إجراء استطلاعات الرأي، التى كان أكثر نتائجها تفاؤلاً أن يحصل حزب العدالة والتنمية على ٤٣٪ من جملة الأصوات.


جاء الفوز الكبير الذى حققه حزب العدالة والتنمية بمثابة «قبلة الحياة» التى منحت الحزب وزعيمه أردوغان دفقة كبيرة من الدماء فى شرايينه ومكنته من تجاوز المرحلة التى كان فيها يعانى سكرات الموت الجماهيري، ومكنته كذلك من أن يظل محتفظاً بالحكم والسلطة فى تركيا لمدة ٤ سنوات قادمة، ولم تغلق الباب أمام أحلامه وخططه بالمضى قدماً فى تغيير الدستور التركى أياً كانت الوسيلة.


مفاجآت الانتخابات


قبل بدء عملية التصويت كانت كل التوقعات والتحليلات تشير إلى أنه لن يطرأ تغيير كبير على المشهد الانتخابى ولا الخريطة السياسية فى تركيا، يختلف عما أنتجته الانتخابات النيابية الأخيرة فى ٧ يونيو الماضي، وظهر ذلك واضحاً فى تصريحات أغلب قادة الأحزاب المتنافسة وأولها حزب العدالة والتنمية الذى كان قد وضع خطة للتعامل مع نتائج الانتخابات وفق أنه لن يحقق أى تقدم ملحوظ عما حققه فى الانتخابات الأخيرة، وجهز نفسه لسيناريو تشكيل حكومة ائتلافية.


إلا أن النتائج التى أظهرتها عمليات التصويت خالفت كل التوقعات والاحتمالات، وجاءت مفاجئة تماماً لجميع الأطراف بما فيها حزب العدالة والتنمية نفسه.


وجاءت النتائج غير الرسمية وبعد الانتهاء من فرز جميع الأصوات كالتالى:


حزب العدالة والتنمية الحاكم حقق ٤٩.٤٨٪ من الأصوات محتلاً المرتبة الأولى، وحصد بذلك ٣١٦ وربما ٣١٧ مقعداً برلمانيا، فيما جاء حزب الشعب الجمهورى فى المرتبة الثانية ٢٥.٣١ ٪ يحصد بها ١٣٤ مقعداً، يليه حزب الشعوب الديمقراطى الكردى بنسبة ١٠.٧٥٪ تعطيه ٥٩ مقعداً، فيما تراجع حزب الحركة القومية للمرتبة الرابعة بـ٤٠ مقعداً لحصوله على نسبة ١١.٩٠٪. فيما حققت أحزاب أخرى نسبة ٢.٥٦ ٪ .


وقد بلغت نسبة المشاركة فى الانتخابات البرلمانية ٨٥.١٨٪، من أصل ما يقارب الـ ٥٧ مليون مواطن يحق لهم الانتخاب.


وتشير هذه النتائج إلى أن حزب العدالة والتنمية نجح فى أن يرفع عدد نوابه البالغ ٢٥٨ نائبًا فى انتخابات ٧ يونيو إلى ٣١٢ نائبًا، بزيادة بلغت ٥٤ نائبًا. بينما انخفض عدد نواب الحركة القومية من ٨٠ نائبًا إلى٤٠ نائبًا، ولم يتمكن بعض كبار مسؤولى الحزب من دخول البرلمان.


كما انخفض عدد نواب الشعوب الديمقراطى الكردى إلى ٥٩ نائبًا بعدما كان ٨٠ نائبًا فى الانتخابات الماضية. ووفقا لهذه الأرقام يكون الشعوب الديمقراطى هو الحزب الثالث فى تركيا داخل البرلمان، ليجتاز الحركة القومية من ناحية عدد النواب.


وشهد حزب السعادة الذى ينحدر من مرجعية سياسية واحدة مع العدالة والتنمية، انهيارًا كبيرًا بعدما حصل على ٠.٦٨ ٪ .


النتائج تعيد الحياة لأردوغان وأوغلو


المؤكد أن هذه النتائج أعادت الحياة إلى حزب العدالة والتنمية وخاصة زعيمه أردوغان ورئيس الحزب أوغلو، وهو ما ظهر واضحاً فى تصريحاتهما التى أعقبت الانتهاء من فرز الأصوات وإعلان النتائج غير الرسمية.


وقال أردوغان: «إن نتائج الانتخابات تثبت أن شعبنا انحاز إلى مناخ الاستقرار والثقة الذى تعرض للخطر فى السابع من يونيو. وإن هذه النتيجة تصويت من أجل الاستقرار ورسالة إلى المتمردين الأكراد فى جنوب شرق البلاد بأن العنف لا يمكن أن يتعايش مع الديمقراطية.


وقال إن النتائج رسالة لكل أحزاب المعارضة وزعمائها، وأن الشعب اختار الأمن والاستقرار. وأن «هذه الخطوة تصب فى مسار تحقيق تركيا لأهدافها التى رسمتها فى مئوية تأسيس الجمهورية التركية عام ٢٠٢٣».


فيما قال داود أوغلو: «اليوم هو نصر لديمقراطيتنا وشعبنا. وإن حالة الاستقطاب والتوتر ستنتهى فى تركيا. وأن الانتخابات كانت استفتاء على «تركيا الجديدة»، وأن عملية تأسيسها بدأت اعتباراً من يوم ١ نوفمبر.


وأشار إلى أن تركيا منذ هذه اللحظة ستترك خلافات الماضى فى طى النسيان، وأنه ينبغى التركيز على أهداف المستقبل، وإن تركيا ستصبح أقوى، وستزول لغة العداء والكراهية، وستواصل تركيا نموها وتطورها، وسنخرج تركيا من جميع أشكال الاستقطاب والتوتر.


تصريحات الصدمة من قادة المعارضة


من جانبهم أقر زعماء أحزاب المعارضة بنتائج الانتخابات، وقال زعيم حزب الشعب الجمهورى «كمال كليجدار أوغلو»: «إن مسؤوليتنا ازدادت أكثر، على ضوء المشهد الحالي، كأكبر أحزاب المعارضة مع تراجع أصوات بقية الأحزاب المعارضة».


وأنه يحترم الإرادة الشعبية وما أفرزته من نتائج الانتخابات، كما احترمها فى الانتخابات التى جرت فى ٧ يونيو الماضي.


بينما قال مسؤول كبير من حزب الشعب، «إن النتيجة هى ببساطة كارثة». وقد تؤجج النتائج انقسامات عميقة فى تركيا بين المحافظين الذين يرون فى أردوغان بطل الطبقة العاملة وبين العلمانيين الذين يشكون فى ميوله الاستبدادية ومثله الإسلامية.


وقال الرئيسان المشاركان لحزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش وفيجين يوكسيك داغ، إن تركيا خاضت الانتخابات البرلمانية المبكرة فى ظل سياسات التوتر التى انتهجها قصر رئاسة الجمهورية طوال ٥ أشهر، وغابت المساواة عن الظروف التى جرت فيها الانتخابات. وأوضحت داغ أن الانتخابات جرت فى ظل ظروف استثنائية، وفى ظل سياسات التوتر التى أحدثها القصر طوال ٥ أشهر.


وذكر دميرتاش أن الانتخابات لم تجر فى ظل ظروف من المساواة، إلا أنه أفاد بأنهم سيحترمون نتائجها، مؤكدا أن حزبه حصل على ١١٪ من الأصوات دون أن يخوض أية حملة انتخابية، وقال: «لو مورست سياسة الهجمات والمجازر على حزب آخر لغاب عن الساحة السياسية تماما. فحزبنا نجح فى الوقوف بثبات ضد الفاشية. ولقد نجحنا فى تخطى العتبة الانتخابية رغم القوة الغاشمة التى وقفت فى وجهنا، حيث كان هدفها أن تبقينا دون تخطى العتبة الانتخابية ولو عن طريق التزوير».


بدوره أصدر زعيم حزب الحركة القومية «دولت بهجلي»، بيانا جاء فيه: «يؤكد الحزب أنه سيظل متمسّكا بمبادئه وأولوياته تجاه الوطن والشعب التركي، وأنه سيناضل من أجل إحقاق الحق فى تركيا».


وأوضح أن حزبه تعرّض لمؤامرات استطاع أن يتصدى لها، لافتا إلى أنه: «رغم العدد القليل لنوابنا فى البرلمان إلا أننا نجحنا من جديد، فى الحصول على حق التمثيل فيه».


كيف فاز العدالة والتنمية؟


على الرغم من أن النتائج غير المتوقعة للانتخابات شكلت مفاجأة للكثيرين، إلا أن هذا الفوز الكبير لحزب العدالة والتنمية لم يأت من فراغ، فهناك عوامل عديدة أدت إليه.


فمنذ اليوم الأول لإعلان نتائج الانتخابات الأخيرة فى يونيو الماضى كان أردوغان قد اتخذ القرار برفض تشكيل حكومة ائتلافية مع أحزاب المعارضة الأخرى، وبدأ على الفور فى جهود إفشال مفاوضات تشكيل هذه الحكومة عن طريق رئيس الحزب ورئيس وزرائه أحمد داود أوغلو.


أردوغان قرر كعادته أن يخوض رهاناً ومقامرة إما تأتى له بما يريد أو تفقده كل شيء. والمقامرة كانت إجراء انتخابات مبكرة. نجح أردوغان فى إفشال تشكيل الحكومة الائتلافية ثم قرر الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة فى الأول من نوفمبر.


وتبع ذلك خطوات أخرى اتخذها أردوغان وحزبه راهن على أنها ستقود فى النهاية إلى الفوز فى الانتخابات المبكرة بنسبة تتيح له تشكيل الحكومة منفرداً أهم هذه الخطوات كانت أنه حدد الأهداف التى سيركز عليها فى خطته وهما حزبى الشعوب الديمقراطى الكردى وحزب الحركة القومية. الأول باعتباره شوكة كبيرة فى حلق أردوغان وحزبه، كما أنه عدو قوى يمكنه تنغيص حياة أردوغان ورغبته فى إحكام السيطرة، وهو أى حزب الشعوب لديه أرضية جماهيرية واسعة تسانده تتمثل بشكل أساسى فى الأكراد المتركزين فى جنوب وجنوب شرق تركيا. وكان أردوغان يسعى إلى إما حل حزب الشعوب أو توجيه ضربات قاصمة له، سواء لأعضائه أو لمراكز شعبيته واستعادة الناخبين الأكراد الذين كان أردوغان يضمن أصواتهم فى أى انتخابات، فى محاولة منه لمنع تخطى الحزب لعتبة الـ١٠٪ اللازمة لدخول البرلمان. ولتحقيق هذه الأهداف شن أردوغان حربه على حزب العمال الكردستانى الأب الشرعى لحزب الشعوب ـ وواصل اتهامه بأنه حركة إرهابية مساوياً بينه وبين تنظيم داعش، وهنا كان أردوغان يريد إحراج حزب الشعوب، والذى قد يجد نفسه مضطراً إلى مساندة ودعم حزب العمال الكردستانى بحكم القومية، وهنا يكون من السهل على أردوغان أن يصم حزب الشعوب بالإرهاب، أو أن يبتعد حزب الشعوب عن دعم العمال الكردستاني، وبالتالى يتمكن أردوغان من ضرب شعبية الحزب الكردى وإحراجه أمام جماهيره. ويمكن القول أنه ورغم عدم استجابة حزب الشعوب لهذه الخدعة، فإن أردوغان حقق نجاحاً فيما سعى إليه. حيث تعرضت صورة حزب الشعوب وزعيمه صلاح الدين دميرتاش للاهتزاز بحكم تعاطفه مع حزب العمال، وذلك أمام الفئات التى صوتت له من الشعب التركى من غير الأكراد.


بالإضافة إلى ما سبق لعبت العمليات الإرهابية التى استهدفت تظاهرات وتجمعات لأنصار وأعضاء حزب الشعوب وأدت إلى مقتل المئات منهم سواء فى سروج أو أنقرة، إلى «تخويف» مؤيدى الحزب وإرهابهم إلى حد ما. كما شنت الأجهزة الأمنية عمليات اعتقال للمئات من عناصر وأعضاء ومؤيدى الحزب وزجت بهم فى المعتقلات، وهو إجراء كان له أثر فى عمليات التصويت.


والوسيلة الثالثة التى لعب بها أردوغان كانت العامل والوازع الدينى الذى له دور لا يستهان به عند الأكراد، حيث حرص أردوغان وحزبه على اتهام حزب الشعوب بالكفر والزندقة ومعاداة الدين، كما استعان أردوغان بحزب الله الكردى «هدى بار» ذى المرجعية الإسلامية والذى ينافس حزب العمال الكردستانى فى الشارع الكردي.


ويمكن القول أن وسائل أردوغان حققت نجاحاً ملحوظاً، حيث فقد حزب الشعوب مليون صوت فى هذه الانتخابات ومعها ٢١ مقعداً، كما تراجع التأييد له فى مناطق كانت حصناً له، واستعاد العدالة والتنمية شعبيته فى مناطق كردية كبيرة مثل ديار بكر.


أما الهدف الثانى لأردوغان فكان هو حزب الحركة القومية الذى يعادى الأكراد بشدة، والذى حل ثالثا فى الانتخابات السابقة. أردوغان نجح فى شق صف الحزب واستقطب إليه نجل مؤسس الحزب ومعه العشرات من نواب الحزب وقياداته الكبار أصحاب الشعبية وتم ذلك قبل أيام من الانتخابات. وهكذا نجح حزب العدالة والتنمية فى الفوز بأصوات كبيرة من مؤيدى حزب الحركة القومية، حيث تبنى العدالة والتنمية شعارات قومية وصعد من سقفه لأكثر من سقف الحركة نفسها. وجاءت الانتخابات ليخرج حزب الحركة أكبر الخاسرين ليفقد حوالى نصف مقاعده ذهبت كلها إلى حزب أردوغان.


وفى تفسير فوز حزب العدالة والتنمية لا يمكن إغفال أن أجواء الفوضى التى أشاعها النظام التركى لعبت دوراً كبيراً فى توجيه الناخب التركي، الذى يبدو أنه أدرك فشل المعارضة فى تقديم أى حلول أو قدرتها على حفظ أمن واستقرار البلاد ومعدلات التنمية التى تحققت فى السنوات الماضية، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الحل هو فى اختيار حزب العدالة والتنمية وأن يحكم وحده منفرداً. لأن الأحزاب الأخرى لا تطرح حلولاً لمشكلات المواطن.


وليس بعيدا عن عوامل الفوز ترى أوساط معارضة لأردوغان أن هذه النتائج لا تعبر عن تزايد شعبية حزب العدالة بقدر ما تعبر عن قيام الحزب ومعه الحكومة بعمليات تزوير وشراء أصوات واستعانة برجال أمن وقضاة للإشراف ونقل الصناديق الانتخابية. إضافة إلى الدفع بحشود من أنصار الحزب للتصويت أكثر من مرة اعتمادا على أنه لا يتم استخدام الحبر الفسفورى عقب الإدلاء بالصوت.


وساقت هذه الأوساط قرائن على ما تقوله بأنه حتى شركات استطلاع الرأى التابعة للحكومة والحزب لم تتوقع أن يفوز الحزب بهذه النسبة، مما يشير إلى تدخلات حكومية أفرزت هذه النتائج.


أياً كان الأمر فالواقع هو أن حزب العدالة والتنمية استعاد عافيته وحافظ على السلطة، وأن أردوغان واصل تفرده بالحكم لأربع سنوات قادمة.