هل أزمة سوريا مجرد خطوة نحو مؤتمر دولى للأمن والتعاون بالشرق الأوسط؟

04/11/2015 - 11:46:04

  اجتماع الدول المشاركة  فى مؤتمر فيينا حول الأزمة السورية اجتماع الدول المشاركة فى مؤتمر فيينا حول الأزمة السورية

السفير د. عزمى خليفة يكتب:

فى تزامن نادر وقع حدثان مهمان لا يمكن الفصل بينهما، ففى عاصمة الموسيقى والوجدان فيينا عقدت ١٧ دولة ومنظمة اجتماعا يوم الجمعة ٣٠ أكتوبر بهدف وضع مبادئ لحل الأزمة السورية، وهو أول اجتماع دولى يضم مصر مع روسيا وأمريكا معا، كما أن أول اجتماع دولى يضم مصر إلى جانب إيران وتركيا معا وهما دولتان تتسم علاقات كل منهما بمصر بسمات خاصة، فإيران رغم أنها قوة إسلامية وقوة خليجية إلا أن علاقاتها الدبلوماسية مع مصر على مستوى رئيس قسم رعاية مصالح بمعنى أن العلاقات الدبلوماسية بينهما منقطعة.


أما تركيا فموقفها معروف منذ الموجة الثانية لثورة ٢٥ يناير فى ٣٠ يونيه، فهو موقف أخذ فى التدهور نتيجة اتخاذ الرئيس التركى رجب طيب اردوغان مواقف غاية فى التشدد ضد مصر بتأثير عوامل داخلية تركية عديدة مثل خوفه من انقلاب المؤسسة العسكرية عليه وهى مؤسسة عرف عنها حكمها للحياة السياسية ورغبتها فى التدخل فيها باستمرار نتيجة عوامل تاريخية خاصة بتركيا دون سواها، ومنها رغبته الشديدة لإعادة بعث الإمبراطورية العثمانية، وهى رغبة تولدت لديه حينما لاحظ أن الإخوان المسلمين والتيارات الدينية نجحت فى الاستيلاء على السلطة فى دول الربيع العربى مثل مصر وتونس، بقدر ما نجحت فى السيطرة على الحراك السياسى فى سوريا، وأعادة تنظيم نفوذها فى اليمن وليبيا وما أبدته هذه التيارات من استعداد فطرى للتخلى عن الوطن من أجل إقامة الإمبراطورية الإسلامية تحت الراية التركية.


من ناحية أخرى وقبيل انعقاد مؤتمر فيينا بسويعات قليلة كان الرئيس عبدالفتاح السيسى يلقى أهم خطاب له منذ انتخابه رئيسا للجمهورية منذ حوالى عام ونصف، وكان الخطاب فى المنامة عاصمة البحرين الحبيبة إلى قلبى وفكرى بحكم كونها دولة خليجية بحكم الموقع الجغرافى، ولكنها دولة مشرقية بحكم ثقافتها ودورها العربى،وبحكم تاريخ علاقاتها بمصر الذى بدأ مع حفل افتتاح قناة السويس وهدايا شعب البحرين للشعب المصرى والتى حملتها ثلاث سفن بحرينية لخديو مصر، وتدعم هذا التاريخ بالبعثة التعليمية المصرية عام ١٩٢١ ومبايعة شعراء البحرين لأحمد شوقى أميرا للشعر العربى وتقديمهم هدية عبارة عن نخلة من الذهب بارتفاع ٣٠ سنتيمترا، بلحها من اللؤلؤ البحرينى الشهير وهى هدية لاتزال تزين متحف أحمد شوقى والمعروف باسم «رامتان» على ضفاف النيل بالجيزة، وامتد هذا التاريخ العريق الزاهر إلى عهد عبد الناصر ففى طريقه لأندونيسيا لإطلاق سياسة عدم الانحياز خرج شعب البحرين عن بكرة أبيه ليستقبل عبد الناصر رغم فرمانات الحاكم العسكرى البريطانى بفرض حظر التجوال لمنع الشعب من الخروج للشوارع، حتى أصبحت البحرين واحدة من أقرب دول الخليج – مع الإمارات- إلى الوجدان المصري.


كان خطاب الرئيس السيسى أمام المشاركين فى حوار المنامة وهو مؤتمر سنوى بدأعام ٢٠٠٤ ويضم أقطاب الاستراتيجية الدولية وقيادات العالم ومسئولية فى مجال السياسة الخارجية والدفاع، وهو مؤتمر ينظمه ويعقده ويشرف عليه علميا المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية بلندن وهو أحد مراكز الفكر الهامة فى العالم وقد افتتح له فرع فى المنامه منذ سنوات قليلة، وكان خطاب الرئيس السيسى شاملا لكل القضايا العربية التى تهتم بها سياسة مصر الخارجية، فحدد ملامح الموقف المصرى من القضية الفلسطينية والإرهاب والأزمة السورية والأزمة الليبية والأزمة اليمنية وقد حدد الرئيس موقف مصر من مجمل هذه الازمات فى ثلاثة مبادئ هامة:


أولها: إدانة الهجوم الذى تتعرض له جميع عناصر الدولة القومية إضافة إلى الهوية ايضا باعتبارها الوحدة الرئيسية للنظام الدولى ومن ثم طالب بالحفاظ على الدولة القومية أى المحافظة على وحدة أراضى الدول العربية وهو ما أكده الرئيس بإشارته إلى «الإعراب عن قلقه وقلق المجتمع الدولى إزاء ما يصيب مفهوم الدولة القومية من ضرر بالغ إزاء ما يقترف فى منطقتنا بحق هذا المفهوم الذى تم تطويره على مدى قرون مضت تحقيقا لنظام سياسى واقتصادى واجتماعى وفقا للدستور والقانون، بما ينظم العلاقة بين الشعوب والحكومات ويقر الحقوق للمواطنين ويرتب عليهم الالتزامات ويضع الدول أمام مسئولياتها إزاء مواطنيها وجوارها الإقليمى وكذا على الصعيد الدولى»


وثانيها: إن العدو الرئيسى للمنطقة هى الميليشيات المسلحة وهى جماعات إجرامية خارجة عن القانون فالقضاء على الميليشيات يقضى على التدخلات الخارجية فى الشأن العربى وهو أمر واضح من قوله: « إن الميليشيات والجماعات الخارجة عن القانون والحاملة للسلاح فى سباق مع ما هو مستقر من مبادئ احتكار الدولة لأدوات فرض القانون، بل أصبحت فكرة سيادة القانون فى بعض دولنا تنكسر أمام نزعات طائفية ودينية ومحلية وغيرها، فنجد أن كل مجموعة من المواطنين أو عشيرة تشترك فى اللون أو العرق أو المذهب تعرف نفسها بحسب هويتها الأضيق وتخشى من الآخر،بدلا من التعايش معه فى سياق منطق الوطن الجامع الحافظ لمصلحة مواطنيه أيا كانت انتماءاتهم الدينية أو المذهبية أو العرقية .»


وثالثها: إن المحافظة على الوحدة الإقليميه للدول العربية ينبغى أن تأخذ فى الاعتبار تطلعات شعوب المنطقة وهو ما يعنى تغيير نمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم بالدرجة الأولى ومن ثم فالمواجهات العسكرية ليست سوى خطوة أولى لتثبيت أركان الدولة تتبعها سياسات اقتصادية واجتماعية تحقق العدالة الاجتماعية والمساواة بين أبناء الوطن الواحد وهو ما أوضحه بقوله « إن أدوات الحفاظ على الدولة القومية لا يمكن أن تقف عند حدود المواجهات العسكرية والترتيبات الأمنية، وإنما يجب أن تمتد لتضم توجها شاملا يدرك أن الجوانب الاقتصادية والاجتماعية تعد من أهم عوامل استقرار الدول واستمرار مسيرتها ويتناسب مع تعاظم وعى الشعوب بحقوقها وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى انتفاض الشعوب للتعبير عن تطلعاتها وطموحاتها المشروعة والمطالبة بالتغيير أملا فى تحقيق مصالحها ومراعاة حقوقها»


مجمل هذه المبادئ تم الإعلان عنها قبيل مؤتمر فيينا بسويعات قليلة أى قبيل بدء الحل السياسى للأزمة السورية، ويلاحظ أن هذا الحل السياسى لم يكن من الممكن طرحه قبل التدخل العسكرى الروسى الذى حقق ثلاثة أهداف هامة سمحت بالحديث عن الحل السياسى هى:


أولا: القضاء الكامل على الهدف التركى بإقامة منطقة آمنة فى شمال سوريا كانت ستؤدى على المدى البعيد إلى تفتيت سوريا، وكانت ستؤدى فى المدى القصير إلى نقل لاجئين إلى داخل الأراضى السورية وبأن تتقدم قيادة المعارضة من نقل بعض مقارها إلى هذه المنطقة المحمية جوا.


ثانيا: شل قدرات الجيش السورى الحر والتشكيلات العسكرية الأخرى المصنفة معتدلة وإعاقة تقدمها وذلك باستخدام روسيا للقصف الجوى والصاروخى بعيد المدى مما رفع من معنويات القوات الحكومية وحلفائها من الميليشيات المدعومة من إيران فحققت إنجازات عسكرية أدت إلى إعادة التوازن بين القوى على الأرض.


ثالثا: إعادة تموضع الجيش السورى وفتح المجال لدمج الميليشيات السورية التى دربتها إيران فى هيكل الجيش السورى والحيلولة دون التخلص من الأسد عسكريا فى ظل فراغ فى السلطة يؤدى إلى تحويل سوريا إلى الحالة الليبية حيث تتنازع الميليشيات العسكرية السلطة دون وجود قوة يمكنها لجم الإرهاب والسيطرة على الدولة.


فتغيير الموقف على الأرض سمح ببدء تفاوض سياسى حول الأزمة وسمح بالحفاظ على وحدة الأراضى السورية بعد التخلص من مطامع دول الجوار والإرهاب والاتجاه إلى تدعيم الجيش السورى بهدف توطيد أركان الدولة القومية وهى نفس المبادئ التى سبق وتحدث عنها الرئيس السيسى وهى نفس المبادئ التى أقرها بيان فيينا وتشمل :


وقف إطلاق النار فيما عدا فى العمليات الخاصة بمكافحة الإرهاب.


تشكيل هيئة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة بهدف تنظيم عملية انتقال السلطة.


إجراء حوار سورى سورى وضم الميليشيات التى تكافح الإرهاب للجيش السورى.


إن إجراءات الحل السلمى تستند إلى بيان جنيف التى تمثل المرجعية السياسية لهذا الحل ولا يمكن تعديلها إلا من الشعب السورى نفسه.


مصير الأسد يحدده الشعب السورى فى انتخابات حرة تحت إشراف الأمم المتحدة.


تبادل قوائم بالجماعات الإرهابية والفصائل المعارضة التى ستنخرط فى العملية السياسية.


دور اللاعبين الخارجين فى الأزمة السورية يقتصر فقط على تهيئة الظروف المناسبة للسوريين للتفاوض الجاد بين الحكومة والمعارضة.


الأهداف العامة المتفق عليها تشمل مكافحة الإرهاب والانتقال السياسى على أن تظل سوريا بلدا علمانيا يحفظ حقوق جميع الاثنيات والعرقيات والطوائف.


إجراء إصلاحات دستورية وتحديد مستقبل البرلمان ورئيس الجمهورية والأطر الزمنية اللازمة لذلك.


تأكيد أن موعد انتهاء العمليات الجويه الروسية فى سوريا يتوقف على مدى التقدم فى عمليات مكافحة الإرهاب.


إذن المسار السياسى السورى وفقا لبيان فيينا يتوافق مع مبادئ السياسة الخارجية المصرية التى أعلنها الرئيس السيسى فى حوار المنامة وتستند إلى القضاء على الإرهاب ودعم الدولة الوطنية وحماية وحدتها الإقليمية وأن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يتم وفق سياسية عسكرية فقط وإنما عبرمسار سياسى يحقق تطلعات كل من يعيش على الأرض السورية، وهو نموذج قابل للتطبيق على كل الدول العربية وخاصة ليبيا واليمن والعراق وإلا سيكون مصيرها مصير السودان الذى لم يفيدها شىء انفصال الجنوب عنها، فقد استمر عدم الاستقرار السياسى واستمر الخلاف حول حدود الجنوب وتتجه الآن لدق طبول الحرب مع اثيوبيا.


من هذا المنطلق أعتقد أن نجاح أسلوب حل الأزمة السورية يمكن يقنع عددا متزايدا من الدول والقوى الدولية والإقليمية والمنظمات الدولية إما بإقامة مؤتمر دولى لكل دولة من دول الشرق الأوسط بهدف إنهاء الاضطراب السياسى والفوضى السياسية أو باقامة مؤتمر دولى للشرق الأوسط أشبه بمؤتمر الأمن والتعاون الأوربى الذى نجح فى نزع فتيل التوتر وعدم الاستقرار من تلك القارة الأوربية على ان يكون مخصصا للشرق الاوسط ليحل مشاكل المنطقة العربية مرة واحدة وللأبد، بحيث يتم حل الصراع العربى الإسرائيلى بإقامة دولة فلسطين على حدود الرابع من يونيه وعاصمتها القدس الشرقية كما أعلن الرئيس السيسى فى خطابه بالأمم المتحدة، وتطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية ويتم حل مشكلات العراق واليمن وليبيا وفقا لملامح ومبادئ الحل السوري، كما يتم تطبيع العلاقات الخليجية المصرية من جانب وايران من جانب آخر، وكذلك تتم تسوية الخلاف المصرى التركى وفقا لقواعد حسن الجوار وعدم التدخل فى الشئون الداخلية، مع الاستمرار فى محاربة الإرهاب،وهذا امر ممكن اذا التزمت واشنطن بنفس قواعد عملها فى مؤتمر فيينا أى البقاء كوسيط وليس طرفا من أطراف الصراع خاصة أنها أعلنت صراحة انسحابها من منطقة الخليج لصالح التواجد فى آسيا، وكل ما تبحث عنه فى سوريا تضاءل إلى إرسال ٥٠ مدربا عسكريا لتدريب قوات كردية لتنضم إلى القوات السورية التى تحارب داعش والنصرة وهو تحول محمود فى السياسة الأمريكية ينبغى تشجيعه والبناء عليه.