قمة فيينا حول سوريا افتتاحية المفاوضات والحل السياسى

04/11/2015 - 11:43:12

  جانب من اجتماع قمة فيينا جانب من اجتماع قمة فيينا

سفير د. رضا شحاته مساعد وزير الخارجية للشئون الأمريكية والسفير الأسبق فى موسكو

يبدو أن العاصمة النمساوية فيينا التى شهدت عشرات الجولات المحبطة بين إيران والولايات المتحدة وحلفائها حول برنامجها النووى، والتى عاصرت فى منتصف هذا العام ما اعتبرته كل من واشنطن وطهران انتصاراً لدبلوماسيتها فى التفاوض، والتوصل للاتفاق التاريخى فى يونيه الماضى الذى استهدف الحد من قوى الاندفاع الإيرانى لحيازة القدرات النووية لعقد قادم، وضمان أمن إسرائيل، وطمأنة حلفاء الخليج العربى، هذه العاصمة الأوربية التاريخية يبدو مرة أخرى أنها سوف تشهد تدشين عملية تفاوضية متواصلة وشاقة بين الأطراف الإقليمية والقوى الدولية، روسيا، والولايات المتحدة فى محاولة للخروج من الأزمة السورية التى انعكست على دول الجوار العربية وغير العربية، وزعزعت أركان النظام السورى وعلى رأسه «بشار الأسد» حتى اتخذت موسكو قرارها بالتدخل العسكرى المباشر بهدف معلن هو دحر الإرهاب الذى تغلغل فى الأراضى السورية، وبات يهدد مصالح روسيا الاستراتيجية فى سوريا وفى الشرق العربى كله، بل ويمتد إلى مجالها الحيوى فى آسيا الوسطى والقوقاز.


وفى محاولة لإبراز الانحيازات الأمريكية فى التصدى «لإرهاب» داعش رداً على الانتقادات الموجهة للإدارة ولسياستها الخارجية من التقاعس عن التدخل بقوة وفاعلية ضد الإرهاب، قام وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى بسرد الأدلة على التصدى لمحاولات تجنيد المقاتلين الأجانب، وشن العمليات الخاصة، وفوق ذلك تنظيم «التحالف الدولى» لكنه انتقل إلى محور خطابه الحقيقي، وهو الربط بين دحر داعش، ودحر الإرهاب وبين إنهاء الحرب فى سوريا، ولذلك يحمل النظام السورى والأسد نفسه مسئولية مباشرة عن اتباع داعش وظاهرة التطرف الإسلامى الذى اجتاح العراق وسوريا، وهدد دول الشرق الأوسط بهذه الفوضى وعدم الاستقرار وانهيار النظم والمؤسسات.


ومن منظور هذا الطرح، «كيرى» يستهدف بوضوح الربط بين مكافحة الإرهاب وإنهاء الحرب الأهلية أو بشكل أكثر وضوحاً إنهاء نظام الأسد.


الحلول الأمريكية كما حدد «كيرى» معالمها فى مؤتمر فيينا المتواصل تقول إن «الأسد» بسياسته القمعية ضد المعارضة السورية السلمية منذ عام ٢٠١١ جعل التغيير السياسى فى سوريا هدفاً مستحيلاً، ومن ثم فقد جعل بالتالى نشوب الحرب أمراً حتمياً، أى أن «الأسد» قد يكون السبيل لإنهاء الحرب ودفع عجلة التغيير السياسى والتسوية السلمية، ومؤتمر فيينا الثانى هذا الشهر يأتى وأعتاب اجتماع تمهيدى سابق فى ٢٣/١٠/٢٠١٥ شاركت فيه روسيا وتركيا والسعودية، ومن ثم فمن منظور العلاقات الدولية والعملية التفاوضية، يعتبر مؤتمر فيينا الثانى هو المرحلة الأعلى والإطار الإقليمى الدولى الأشمل وبشكل متعدد الأطراف لأول مرة وتمثل فرصته بين عدة متناقضات فى التوافق الإقليمى، وهو هدف لم يزل حتى اليوم بعيد المنال، ثم توافق دولى لابد أن تتلاقى فيه المصالح الاستراتيجية ولا تتقاطع مناطق النفوذ» فيما بينها خاصة بين روسيا والولايات المتحدة كداعمين متناقضين لطرفى الأزمة السورية، المعارضة السورية والنظام الحاكم.


فى تقدير الخبراء والمحللين، سوف يكون هذا الاجتماع الموسع فى فيينا بمثابة انفتاح أو مخرج سياسى لأطراف إقليمية ودولية بدءاً من أوربا والمهاجرين واللاجئين السوريين بعشرات الآلاف ومروراً بالأردن التى تئن تحت وطأة ضغوط اقتصادية هائلة لنزوح مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وصولاً إلى لبنان المقصد الأول والأقرب للاجئين السوريين فضلاً عن انعكاسات الصراع المذهبى السنى الشيعى على لبنان نفسه.


فضلاً عن الاعتبارات الجيواستراتيجية فى ضوء تهديدات الإرهاب «الداعشى» لنظم الحكم العربية، ترفض مقولة الاختيار التى تقول» إمّا «الأسد»، وإمّا الإرهاب» وترى أن هذا الخيار، كما يقال «خيار صفرى» أى خيار مرفوض وأن الهدف المستتر من ورائه تبرير استمرار «الأسد» وأن مثل هذا الخيار، إمّا «الإرهاب» وإما»الأسد»، سوف يطيل من أمد الصراع ويغرر أوهام «الأسد» بطول البقاء فى حكم سوريا.


ويمكن اختزال الموقف الأمريكى المتفاوض فى مباحثات فيينا، بأن الخروج من جحيم الأزمة السورية ليس له من طريق إلا الحل السياسى أو التسوية السياسية، وقد أحاطت واشنطن موسكو علماً بهذا المنظور وهو بأن الحكومات المعنية تتمثل مسئولياتها عن الكارثة السورية وعليها الخروج منها من خلال عملية انتقالية سبق الاتفاق عليها فى بيان جنيف(يونيه ٢٠١٢).


جوهر الموقف الأمريكى إذن ينطلق من «بيان جنيف» الذى يتمحور حول «العملية الانتقالية» وتدشين عملية دبلوماسية تحتوى كل الأطراف الفاعلة لإنقاذ مواطنيها بالعودة إلى بلادهم.


شرطان أساسيان لابد من توافرهما سلفا للدخول فى عملية تفاوضية ذات طابعين إقليمى ودولى، أول هذين الشرطين هو تحقيق توافق إقليمى طرفاه الفاعلان هما إيران والسعودية، وكلاهما يخوض ضد الآخر حرباً بالوكالة فى سوريا وفى اليمن، وفى بعض دول الخليج العربية(البحرين) ولابد من تحقيق صيغة توافقية أو صيغ «قواسم مشتركة دنيا» بين الموقفين السعودى ـ الخليجى، والإيرانى ككل حول مستقبل النظام السورى الحاكم ومستقبل «بشار الأسد» شخصياً، وربما كان فى انضمام إيران إلى مباحثات فيينا الموسعة والاعتراف بدورها الإقليمى ثم ربما كان لمباحثات وزير الخارجية السعودية «عادل الجبير» منذ أيام فى موسكو وبحضور وزير خارجية الإمارات «عبدالله بن زايد»، قد يكون فى ذلك تضييق المسافة الفاصلة أو كما يقال جسر الخلافات بين الموقف السعودى الخليجى والموقف الروسى والمزيد من فرص الاتفاق على حتمية «الحل السياسى» فى إطار دولى توافقى.


وإذا كان «جون كيرى» كما سبق التحليل، يطرح المقاربة الأمريكية المرتقبة فى مباحثات «فيينا» نهاية هذا الشهر، فإن الموقف الروسى فى المقابل يستهدف فى المقام الأول خلق حقائق جديدة على الأرض فى الشرق الأوسط من خلال الحشد العسكرى الضخم وشن ضربات جوية مركزة على أهداف داخل سوريا تقول بعض التقارير إنها تستهدف قوى المعارضة السورية، وتؤكد موسكو مراراً أنها تستهدف قوى التطرف والإرهاب، لكن الثابت أن الرهان الروسى بالتدخل المباشر عسكرياً قد غير فعلاً قواعد اللعبة، وفرض على أطرافها محلية وإقليمية ودولية تجديد المحاولة لكسر حالة الجمود أو التجميد التى تكاد تدخل فيها الأزمة السورية فى ضوء استفحال خطر الإرهاب الإقليمى ذى الامتدادات الأوربية بل وربما الأمريكية وحتى الإفريقية فى ما وراء الساحل والصحراء.


وحقيقة الأمر أن زمام المبادرة الآن فى تحريك الأزمة السورية يكاد يكون فى يد الكرملين والقيادة الروسية التى استطاعت تحريك الأوضاع شبه الجامدة على الأرض ومن منظور يتصف بالذكاء السياسى والمنادرة الدولية وهى إجادة اللعب بورقة خطر الإرهاب الدولى «داعش» إقليميا وعالمياً ، وروسيا بطبيعة الحال (شمال القوقاز ـ جنوب روسيا) التى أعلنتها داعش ولايات إسلامية، بل وفى آسيا الوسطى التى تمثل مناطق الهوامش الاستراتيجية الجنوبية لروسيا.


الاستراتيجية الروسية لا تقف عند «بشار الأسد»، ولا عند تنظيم داعش فحسب، روسيا اليوم تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية فى الشرق الأوسط دون مبالغة بما تعمم روسيا قولاً فاصلاً فى مباحثات فيينا وأى مفاوضات تتصل بمستقبل المنطقة.


فهل يؤدى ذلك إلى تحجيم الدور الأمريكى بقوى الأشياء؟


ولا ينسى الخبراء أن بوتين كان قد دعا فى الأمم المتحدة إلى إنشاء تحالف دولى واسع القاعدة ضد الإرهاب، ويبدو أنه فى طريقه من خلال مفاوضات فيينا سوف يحقق هذا الهدف، وفيما يبدو أن تحركات بوتين الاستراتيجية فى سوريا، عسكرياً وأمنياً وتحركاته مع القوى الإقليمية سياسيا (السعودية ـ الإمارات ـ مصر ـ العراق وتركيا ) إنما يدفع هذه القوى وهى فى مجملها حلفاء أو لنقل شركاء للولايات المتحدة، لأن تكيف سياساتها الخارجية ومواقفها الدولية مع تلك الحقائق التى يخلقها صانع القرار الاستراتيجى فى الكرملين.


إلا أنه موضوعياً وفى التقديرات المحتملة على المدى البعيد لهذه التحركات الروسية، لابد أن نرى الجوانب الأخرى وهى أن القرار الاستراتيجى بعيد الأثر لا يخلو من مخاطر ومحاذير أولها أنه ليس ثمة ضمان لنجاح أى تدخل عسكرى مهما كان مداه أو حجمه أو امتداده زمنياً خاصة أن التدخل الروسى يقع خارج منطقة الفضاء الروسى المباشر أو القريب منذ الانسحاب من أفغانستان ١٩٨٩ كنذير للانهيار التاريخى للاتحاد السوفيتى ويمكن اختزال هذه المحاذير فى القول بأن القرار الاستراتيجى الروسى خلق ديناميكيات عسكرية وسياسية فى المنطقة قد لا يستطيع التحكم فيها تعدد الأطراف والقوى المتداخلة فى الأزمة السورية وتضارب مصالحها.


خلق ديناميكيات جيواستراتيجية على الساحة العالمية، ساحة المنافسة وربما الحرب الباردة المتجددة بين موسكو وواشنطن، من أهداف وأولويات بوتين العليا فى دعمه للأسد، وحربه المعلنة ضد الإرهاب ، والربط بين الحرب على الإرهاب وضرورة استمرار الأسد فى رئاسة سوريا.


ومحور هذه الديناميكيات الجيواستراتيجية الروسية كما يحلل الخبراء هو توسيع القوى البحرية الروسية كإحدى ركائز سياسته العالمية فى فترة ولايته الثالثةـ وسقوط الأسد إنما يعنى إذا حدث ضياع أضخم نفوذ إقليمى لروسيا خارج الفضاء ما بعد «السوفييت» .


والسؤال الدقيق عن الاحتمالات والمخاطر التى قد تواجه السياسة الروسية هو هل بإمكان «بوتين» إدارة الصراع والأزمة فى أوكرانيا وسوريا فى نفس الوقت، أى أخطر أزمتين فى أوربا ومنطقة خطيرة مثل الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة الأولى.


مؤتمر «فيينا» الذى انعقد مؤخرا لم يزد عن كونه افتتاحية لطرح مواقف الأطراف دون الدخول فى بحث القواسم المشتركة والطريق الوسط أو نقطة التوازن فى المواقف المتصارعة لكن إعادة تحديد أولويات كل طرف من الأطراف أو قوى من القوى الإقليمية العالمية يظل هو نقطة البداية الصحيحة للعملية التفاوضية.


«صيغة فيينا» امتداداً لصيغة جنيف الأولى منذ ثلاثة أعوام مضت.


قبل أن نحلل ما تحقق وما لم يتحقق، بالأحرى فى اجتماع «فيينا» نشير إلى أن السياسة الروسية فى مجملها تعكس عدة أمور هامة بالنسبة لصانع القرار الأمريكى أولها مضاعفة ميزانية الدفاع الروسية فى العقد الأخير (ولاية بوتين)


ـ ثانيها تنامى النزعة القومية لدى الرأى العام الروسى «تحديث القوات المسلحة، وتعريف العقيدة العسكرية الروسية فى العام الماضى بأنها تقوم على اعتبار «حلف الناتو» والولايات المتحدة كمصدرين لتهديد الأمن الروسى».


وثالثها أن السياسة الروسية جاءت استجابة فورية للضعف والتردى السياسى والعسكرى لنظام بشار الأسد، حليف روسيا القديم فى المنطقة واهتزازه بشدة وتنامى احتمالات سقوطه أو زعزعة أركانه.


رابعاً حتى لو كان آمال السياسة العسكرية الروسية فى سوريا هو الإخفاق، كما يقول وزير الدفاع الأمريكى «أشتون كارتر» لكن التحدى أمام الغرب والولايات المتحدة يظل مطروحاً وهو الحد من آثار التدخل الروسى ودعوة روسيا للتركيز بقوة على مقاومة تنظيم الدولة الإسلامية دون غيره.


فى مواجهة هذه الاستراتيجية الروسية التى تمثل قوة اندفاع سياسة هائلة للنفوذ الروسى الإقليمى، نجد أنه أمام واشنطن عدد من الخيارات والبدائل لابد أن تختار من بينها أو أن تجمع بين بعضها فى التعامل مع موسكو فى إطار الأزمة السورية لحد ما.


وخلف مرحلة التفاوض» وتكسير العظام» كما يقول البعض


ـ أول هذه الخيارات وأكثرها تكلفة هو الانخراط فى سياسة «المواجهة» بين واشنطن وموسكو للحد من تدخلها واعترافها الإقليمى، ومن المستبعد أن يشمل هذا الانخراط لاستجابة الضغوط الداعمة لإرسال قوات برية (قرار أوباما منذ أيام بإرسال «قوات عمليات خاصة» لمشاركة المعارضة المسلحة ودعم الأكراد وهو مجرد بداية أو خطوة فى اتجاه ظل كثيرون يدعون إليه.


لكن مهما كانت تحفظات البيت الأبيض أو وزير الدفاع الأمريكى أو رئيس هيئة الأركان فى تجنب تأكيد التعهدات بإرسال «قوات برية» فإن الإدارة الأمريكية فيما يبدو للمحللين قد اختارت بعد تردد بديل الاشتراك بقوات مقاتلة استجابة لقرار أوباما بتفعيل الدور الأمريكى بشكل أقوى وهو القرار الذى أتى وبكل وضوح بعد التدخل الروسى المباشر عسكرياً ومادياً لدعم سوريا فى مواجهة المعارضة السورية للأسد أولاً وقوى «الإرهاب» الإقليمى ثانيا خاصة بعد أن كانت سياسة التسليح والتجهيز والتدريب وتقديم المشورة» قد أخفضت دون نتائج بعد إنفاق ملايين الدولارات على قوى المعارضة السورية.


الخيار الثانى أمام السياسة الأمريكية هو الانخراط فى عملية سياسة تفاوضية دولية (مؤتمر دولى متعدد الأطراف ـ وهو ما تحقق فى «فيينا» يومى ٢٣ ثم ٣٠ أكتوبر الماضي، مع الإعداد لجولات قادمة ، وإن كان هذا الخيار فى بداياته كان خياراً لم يزل يواجه طريقا شبه مسدود لتناقض مواقف القوتين واشنطن وموسكو حول بناء أو خروج «الأسد» من السلطة، وتناقض المواقف الإقليمية بين السعودية وإيران وبين إيران وتركيا وهكذا وربما كان التوافق الوحيد لا يتجاوز دول الاتحاد الأوربى وهو التصدى لآثار الأرهاب الدولى بعيداً عن شعوبها والحد من تدفق اللاجئين، ثم التوافق الثانوى الآخر وهو ضرورة تعظيم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين والدول المضيفة لهم فى المنطقة (تركيا والأردن وبعض دول الخليج، وربما مصر) ويبدو أن هذا الخيار الثانى هو الخيار الأقرب إلى الواقعية رغم الصعوبات الجمَّة فى شق طريق وسط بين متناقضات تستعصى على الحل فى الوقت الحاضر.


الخيار الثالث إذا ما تعذر التوصل لاتفاق تسوية نهائى ومع نهاية لمسلسل الحرب والصراع المسلح مباشرة بين القوى السورية أو بطريق غير مباشر بين القوى الإقليمية، الاتجاه لمجادلة تحقيق وقف إطلاق للنار بحيث يترسخ (هدنة ما)، ويتعزز ذلك من خلال آليات دولية عديدة (قوات فض اشتباك ـ حفظ سلام، ممرات آمنة).


لكن خطورة هذا البديل هى القبول الضمنى بواقع التقسيم السورى على أساس طائفى ومذهبى بين القوى المسيطرة على مساحات من سوريا بما فيها تنظيم داعش وهو أمر بالغ الخطورة والنتائج، خاصة أن انتهاكات وقف إطلاق النار وتجدد الاشتباكات ظاهرة محتملة فى مثل هذه الحالات.


أما الاحتمال الرابع، فهو مواجهة سيناريو أفغانستان أى تفاعل صراعات الأطراف المحلية والإقليمية إلى الحد الذى قد تتحول فيه سوريا الى دولة فاشلة مقسمة يسيطر فيها الحكم على قطاع محدد من الأرض، وقطاعات أخرى تظل مستباحة لميليشيات متصارعة تظل سوريا مأوى للإرهاب الدولى تهدد أمن الإقليم والعالم، ومن ثم يظل التحالف الدولى والولايات المتحدة فى حالة حرب شبه دائمة لا تنتهى على الساحة السورية.


البديل الخامس هو تطبيق سياسة الاحتواء بتجديد أولويات أقل طموحاً فى سوريا والعراق والاعتراف بعدم القدرة على التأثير المطلق فى مسار الأحداث لاستحالة تحقيق نصر عسكرى. « وخيار الاحتواء» قد يفرض نفسه حين يستحيل تحقيق اتفاق دولى أو نصر عسكرى على الأرض.


إلا إنه فى ظل هذا الخيار تضطر الإدارة الأمريكية للاستمرار فى عمليات القصف الجوى»، وفى إرسال قوات العمليات الخاصة» لمواجهة الإرهاب (جبهة النصرة) التى تمثل تهديداً مباشر للمصالح الأمريكية، كما سوف تستمر فى دعم المقاتلين الأكراد دفاعاً عن أراضيهم من تنظيم الدولة الإسلامية لكنها ـ أى الولايات المتحدة سوف تحجم عن اتخاذ قرار بإرسال قوات برية على نطاق واسع أو إنشاء ملاجئ آمنة، وفرض مناطق حظر جوى أو ربما المزيد من الدعم العسكرى ـ بالعناد للقوى المعارضة لمحاولة إسقاط الأسد، لكن هذا الخيار غير آمن وغير مؤكد النتائج، كما لا يمكن التحكم فى تطوراته فى المستقبل.


ولعل الأولوية المتقدمة فى الخيارات الأمريكية الصعبة هى دعم حلفاء المنطقة لاحتواء نتائج الصراع والدفاع عن نظمها وأراضيها خاصة الأردن والسعودية ودول الخليج، وكما يقال فإن رفع العلم الأسود تنظيم داعش فى هذه الدول يعنى فتح أبواب الجحيم، وعنصر من نبوءة «صراع الحضارات التى أنذر بها «صموائيل هافنجتون» فى بداية التسعينيات من القرن الماضى، وحاول «صمويل لويس» تنظيرها فى حديثه عن خطر الإسلام» فيما بعد.


وربما كانت هنالك خيارات أو بدائل أخرى ، لكن كلا منها لا يستبعد « الخيار الآخر كما يمكن الخلط بين الخيارات، لكن الخيار الأصوب يجب أن يستند إلى السياسة الواقعية التى تنظر إلى الأزمة السورية على المدى البعيد لا المدى المنظور فحسب.


وبما يخدم أمن ووحدة سوريا وسلامة أراضيها ويحترم شعبها.


وفى إطار التقييم المبدئى للجولة الثانية والتمهيدية لمفاوضات فيينا الأخيرة حول الأزمة السورية، تقول بداية إن غياب الحكومة السورية ـ نظام «الأسد»، وغياب قوى المعارضة المعتدلة والمسلحة عن قاعدة الاجتماع أو حتى ما وراء الستار، ربما استجابة لشروط أطراف متعارضة إنما يقلل كثيرا من الجدوى الحقيقية لعملية التفاوض ومصداقيتها ويحول «فيينا» فى حقيقة الأمر إلى مائدة لصراعات إقليمية ودولية يتحول مجرد «التهدئة» أو إدارة الأزمة حتى لا يفلت زمامها من الجميع، حتى إن كانت إيران هى المدافع والممثل لنظام الأسد، حتى إن كانت السعودية هى المؤيد لقوى المعارضة الداعمة لها حتى إن كانت الولايات المتحدة جادة بالفعل فى الدفع بكل السبل نحو فتح الطريق أمام التسوية السياسية، بل إن الأمر كما هو واضح فى التحليل الأخير، لم يعد شخص «الأسد» أو استمراره أو خروجه، بل هو فى جوهر الأمر، حقيقة الصراع، بل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية العليا والنفوذ الأقوى لكل طرف من الأطراف مع غياب أى أرضية مشتركة أو توافق أو إقليمى ودولى الأمر الذى يصادر على فرض أى تقدم حقيقى فى «فيينا» قبل توافر شروط التوافق المزدوج الإقليمى والدولى.


الموازين الإقليمية، فيما يبدو تتغير بشكل جذرى فى الشرق الأوسط والولايات المتحدة فتحت الباب واسعاً أمام دور إيرانى إقليمى تفرض عليه السعودية وقطر ودول الخليج العربى كما أن روسيا كما يقولون المحللون سخرت أكثر من ٨٥٪ من طلعاتها الجوية ضد المعارضة المسلحة للأسد لا ضد تنظيم «داعش» شرقاً، وكما وصف أحد المراقبين، فقد وجهت الدعوة إلى «الطيور الجارحة إلى المأدبة لتنهش منها» ولتقاسم الغنائم» فى الوقت الذى تندفع فيه سوريا نحو التفتيت والتقسيم والسقوط.


وعلى الرغم من تأكيدات وزير الخارجية الأمريكى قبل قمة «فيينا» أنه قد اتفق مع وزير الخارجية الروسى» سيرجى لافروف» على عدة خطوات لتخفيف حدة الأزمة.


فإنه طبقاً لآراء وتقديرات كثير من الدبلوماسيين العرب أنه بعد عقود طويلة من دور أمريكى فاعل وقيادى فى شئون الشرق الأوسط، فإن الإدارة الحالية، «إدارة أوباما» قد انتهجت سبيلاً مختلفاً ، وذلك هو « العامل المتغير» الذى أثر سلباً من حيث زعزعة دور الحلفاء، وتعزيز قدرات الأعداء والخصوم.


مؤتمر «فيينا» ـ حتى إذا تواصل فى اجتماعات لاحقة إنما يمثل مجرد بداية فى طريق محفوف بالمحاذير والتناقضات وصراع الإرادات، ربما صراع الوجود والبقاء لبعض النظم والحكام كما تجرى جهود تسوء الأزمة ومتى ظل مناخ دولى غير مرات تجددت فيه رياح الحرب الباردة أو عواصف الحرب الباردة حتى فى قلب أوربا (أوكرانيا) وانتقلت منذ عام ٢٠١١ فى شكل عواصف ما سمى «بالربيع العربى» إلى الشرق الأوسط والعالم العربى.


وأقصى ما يمكن لمؤتمر «فيينا» مقارنة بمؤتمرات القمة التى تعرضت لحروب وأزمات كبرى التى تعقب «الحروب الإقليمية»(حرب ٧٣ مثلاً مع الفوارق المعروفة) قد لا تتجاوز وضع إنفاق إطارى فحسب، كما يدعو السفير الأمريكى السابق «روبرت فورد» فى دمشق). ـ وربما أكثر موضوعات التناقض صعوبة واستقصاءً غير التسوية هو مقدار ومدى التحول السياسى أو التغيير المطلوب فى النظام السورى، وطبيعة مضمون العملية الانتقالية وسياسة ومقاومة ظاهرة الإرهاب وعلاقتها باستمرار الحكم السورى الراهن مع التطرق بالضرورة لطابع أو طبيعة الدولة السورية الموحدة من حيث ابتعادها عن الطائفية أو المذهبية كمعيار فى حكم البلاد، وترك مستقبل سوريا السياسى للسوريين أنفسهم لتقريره فسوريا ليست محمية من محميات الأمم المتحدة، وليست تحت نظام الانتداب، سوريا التى نعرفها دولة مستقلة حرة ذات سيادة موحدة الإقليم سليمة الأراضى داخل حدودها المعترف بها دولياً.


على أن أى تقدم للمفاوضات فى مؤتمر «فيينا» ينطلق من الإدراك بأن «التسوية السياسية» هى تسوية تمثل انتصاراً لكل الأطراف، وليست انتصارات لطرف على آخر، وأن عملية التفاوض هى عملية مساومة « وحلول وسط» ربما تساعد على التقريب بين أطرافها والوساطة بين فرقائها لإنشاء «مجموعة اتصال» دولية يسفر عنها مؤتمر «فيينا» فى اجتماعها المرتقب القادم، وهى نتيجة حتى إن كانت متواضعة فى جوهرها لكنها ضرورية شأنها شأن البدايات المبكرة لكل التسويات الكبرى بعد «الحروب الإقليمية» الطاحنة فى مناطق مختلفة من العالم، بل وعلى صعيد الشرق الأوسط نفسه.


الهدف الأول لمؤتمر «فيينا» هو خلق ترضية مشتركة يقر عليها جميع الفرقاء فى ضوء الإدراك الواقعى بأن النصر العسكرى للجميع، قوى دولية أو قوى إقليمية أضحى وهماً وسراباً بعيد المنال كذلك فإن البيان الختامى الصادر فى اجتماع فيينا الثانى لم يخرج فى مضمونه عن عدة محاور، المحور الأول هو إعادة تأكيد الأسس الثابتة من الأزمة السورية من حيث تأكيد استقلال ووحدة وسيادة سوريا والمحور الثانى هو التذكير بأهم مبادئ وثيقة جنيف الأولى عام ٢٠١٢ كخطوط عامة للعملية السياسية والمحور الثالث هو معالجة المتغير الجديد وهو خطر الإرهاب على سوريا والمنطقة ككل وضرورة التصدى دوليا لهذا الخطر كما جاء فى قرار مجلس الأمن.


لكن البيان يعود فى أهميته إلى ما لم يذكر فيه وهو مساحة الاختلاف الشاسعة التى لم تزل تفصل بين القوى الإقليمية والدولية، وهذه أرجأها الاجتماع إلى مفاوضات قادمة خلال أسابيع، وكأن الجميع قد عاد إلى نقطة البداية منذ ثلاثة أعوام بعد حرب أهلية دامية وخسائر باهظة وإضرابات هائلة فى أمن واستقرار المنطقة والعالم. وأن النصر السياسى وحده يحقق المصالح الاستراتيجية للجميع وقبل هؤلاء سوف يضمن المصالح الاستراتيجية للدولة السورية ذاتها وللشعب السورى بعد معاناة حان الوقت لكى تنتهى، كى يمارس دوره الوطنى والإقليمى فى سياق عالم عربى أكثر حيوية تعود فيه دمشق قلب العروبة النابض كما وصفت ذات يوم فى ستينيات القرن الماضى.