التنصير والأسلمة والشيزوفرينيا الدينية

04/11/2015 - 10:32:07

نفيسة عبد الفتاح

فى روايته «رمضان المسيحي»، يواصل عادل سعد صدم القارئ بعد أن قدم لنا مجموعته القصصية الأولى، وتأتى الصدمة بداية من عنوان نصه الروائى، فرمضان يتعذر أن يكون مسيحيا، لكن هذه المفارقة فى العنوان تطلق رسالة تحذير للقارئ أنه بصدد الدخول إلى عالم عادل سعد، الذى بدا واضحا فى مجموعته الأولى «البابا مات».. عالم شديد الإنسانية والواقعية، لكن تركيبته تقودنا إلى فانتازيا الواقع وغرائبيته وهى تركيبة أزعم أن عادل سعد حجز لنفسه بها مقعدا خاصا فى عالم الروائيين، مفتتح الرواية يتسم بذكاء، إذ يبدو بعيدا عن محتواها خاصية وهو يصف قدرات شباب أسيوط سواء فى العدو أو فى مباريات رياضية مع بساطتهم وتلقائيتهم، لكن الكاتب عبر تلك البداية يدخلنا إلى عالمهم الممتلئ بالصحة والقوة والانتصارات، ثم يعلن ببساطة أن تجربة مغايرة خاضها هؤلاء وكانت لهم فيها هزائم وانكسارات.


ومنذ اللحظة الأولى يفصح النص عن طبيعة شخوصه.. فهم يمثلون المصرى العفى القادم من أعماق الصعيد المنغلق ليواجه صدمة حضارية فى مجتمع اليونان الأوربي، حيث لن يكون غريبا أن يصاب على الفور أبطال النص بحالة من الشره، ويبدو الأمر فى ظاهره كحالة انبهار ورغبة قوية فى الاغتراف من الملذات، التى صارت متاحة لمجموعة من الجوعي.


وسلوك رمضان المسيحى يلخص حالة «الشره»، التى وصلت إلى حد إعلام أهله بموته لأنه لايريد أن يعود إلى الحياة التى يراها بائسة ويترجم ذلك بمقولته «دين ربنا قال: فيه جنة.. وفى نار. الجنة.. نسوان وويسكى ومارلبورو وفراخ وخوخ جورمادس..والنار هناك.. فى الأوضة الحر.. وأمى الزهقانة.. وريحة البول.. ومراتى والأربع عيال وبوابير الجاز والفول والطعمية والسجاير الفرط والموت فى خنق الأتوبيس».


ويتيح لنا نص عادل سعد الرؤية من خلال فكرة التناقض والاختلاف ومن خلال سقوط القشور الضعيفة، التى يحتمى داخلها البشر ليظهر المعدن الحقيقى لهم عند أول اختبار، حيث يعتبر اختبار التمتع بكل الحريات دون رقيب من أصعب تلك الاختبارات، فيدخل بنا النص إلى المناطق الشائكة فى الدين والهوية والفساد السياسى والعلاقات الخاصة.


وعلى الرغم من أن الفقر كان سمة مشتركة بين البيئة الجديدة والبيئة، التى أتى منها شخوص النص إلا أننا نقارن بين الفقر المعتدل مع الحياة الحالمة الهادئة، فى اليونان، والفقر الخشن القاسى فى الصعيد، وشتان مابين الفقرين، وعبر قصة ٥٠ طالبا خرجوا من مصر إلى اليونان بتأشيرات طلبة فى السبعينيات نشاهد وجها آخر لمدينة أثينا، حيث فتيات الليل وشوارع الشواذ، إضافة إلى نموذج المجتمع الأوربى البسيط، الذى تمثله السيدة العجوز تولا التى ترمز إلى شعب اليونان بكل بساطته وإقباله على الحياة واستيعابه للغرباء فى أواخر السبعينيات، وهى فترة كانت اليونان فيها قبلة المهاجرين المصريين.


ولا يكتفى عادل سعد بأن يرينا بعينيه صدمته الحضارية بل نتوقف أمام حالة صارخة من التناقض فى الممارسة السياسية بين مصر واليونان فى ذلك الوقت، فبينما تخرج المظاهرات فى أثينا من المصريين تطالب بإطلاق سراح المعتقلين من الطلبة فى سجون أسيوط.. تخرج مظاهرات العمال فى أثينا تطالب برفع الأجور، هؤلاء يريدون مزيدا من الرفاهية ونحن نريد الحرية ووقف القمع السياسي.


يواجه النص دون مواربة قضيتا التنصير والأسلمة واختلافهما من مجتمع لآخر، ووجهة النظر الأوربية فى المسلمين الذين يراهم الأوربيون «همج»، وعلى صعيد آخر يعالج حالة الفصام الدينى، التى يعانى منها المأخوذون بالحرية والمعيشة الرغدة فى تلك المجتمعات، فرمضان هو لب القضية واستهلالها.. الرجل الذى باع هويته ويعتقد أن الدين فى القلب وأنه لا مانع من أن يتنصر ليعيش الحياة التى يريدها، وهو نموذج صارخ للجهل و»الشيزوفرينيا «الدينية والسقوط الذى تتسبب به تلك الحياة المغايرة المبهرة، وهى شيزوفرينيا عانى منها معظم شخوص النص، فالكارهون لتغيير رمضان الصورى لديانته يمارسون كل المحرمات لكنهم مسلمون يكرهون من يخرج من الملة، والشيخ عيسى الطالب الأزهرى صاحب الكرامات بمجرد أن يذهب للسباحة يصاب بما يشبه اللوثة «وتسقط قشرة التدين» بعد أن أصبح وسط اليونانيات الفاتنات فى الماء، ولا يعانى فقط المصريون من حالة الفصام تلك، بل يعانيها السياح العرب الذين يمارسون انفصاما آخر بالسؤال عن مواقيت الصلاة واتجاه القبلة ثم يطلبون زجاجة الويسكي، ويعانيها اليونانيون أنفسهم فى بعض الأحيان، حيث ستكتشف أن القس شاذ، وحتى كوستا الشريك البخيل فى مطعم الفلاحين يشعل الشموع للقديسين ويطلب الرزق.. وعندما يزدحم المطعم ينفخ فى الشمعة ولا ينظر فى وجه القديسين.


ويتقاطع النص مع أدب الرحلات, السيرة الذاتية، لكنه نص روائى بامتياز، مزج الكاتب فى لغته بين العامية والفصحى والمصطلحات اليونانية، وقد يبدو النص فقيرا فى مفرداته الجمالية، وهى سمة الحكاء المعنى بالحكي، لكن النص غنى بصوره الجمالية الكلية، كما تميزت أجزاء كثيرة بخفة دم شديدة، رغم قسوة الظروف فى بعض الأحيان.


وربما يكون المفتاح الأول لقراءة النص فى تلك الجملة..»نحن من أبناء تلك البلد البعيدة أسيوط، ولدتنا أمهاتنا فقراء، لكننا عشنا.. نقلى قشر البطيخ، ونبيعه للغرباء على أنه سمك فيليه، ويتهموننا بالبخل، وبأن قرد وأسيوطى خرّبا مدينة».


ولا يخلو النص من روح دعابة ومواقف ساخرة، مستعرضا نماذجا مختلفة من المهاجرين بدءا من الإيرانى الشيوعي، والجزائرى الذى يحاول رمضان ان يدخله الإسلام وغيرهما من النماذج، كما يستعرض نماذج ليونانيين عاشوا فى مصر وعشقوها وتمنوا ألا يخرجوا منها ومن ذلك الفنان، الذى كان يعزف فى أفلام محمد فوزى وهى حالة من تبادل العشق عاشها البطل ذاته الذى تمنى ان يعود الى اليونان وعندما عاد كانت اليونان القديمة قد تغيرت وتنسحق تحت وطأة العولمة والفقر والتضخم واليورو فى مشهد ختامى مؤثر اختفت فيه تلك المدينة واختفت العمة تولا وإن بقيت فى وجدان البطل.


أخذنا الروائى إلى ميادين سى ديغما وامونيا، وركبنا المترو ذى العربات الخشبية، حيث لكل وقت فى المترو خصائصه، وأخذنا إلى مطعم الفلاحين «فلاخوس»، حيث يمكن للسائح رؤية بانوراما اثينا من ارتفاع الف قدم، من جبل بلاكا، الصاعد إلى الأكروبول، وغيرها من مشاهد وعادات واحتفاليات القري، وكما بدت المشاهد نابضة أراد الكاتب أن يجعل من نصه وثيقة تاريخية بأن ذكر الأسماء الحقيقية لشخوص كتوفيق عبد الحى وغيره من الشخوص، الذين التقاهم بطل النص فى رواية تحتاج إلى الكثير من الوقفات النقدية.