لا دين.. ولا وطن

04/11/2015 - 10:29:34

د. سمير مندى

أعادتنى رواية عادل سعد (رمضان المسيحى)-دون مبالغة- إلى عالم يوسف إدريس الذى يتخلى فيه الخيال عن مكانه ليفسح الطريق أمام واقع أكثر إمتاعًا وإثارة وطرافة. وكلنا يعرف أن الخيال بما ينطوى عليه من متعة التعرف والكشف هو ما يمثل أهمية العمل الإبداعى ويضمن تفرده بين أشكال وصنوف الإبداع الأخرى. فإذا استطاع الكاتب أن يكتشف فى نثرية الحياة سردا يفسرها ويضعها فى حكاية دالة كنا فى حضرة واقع أكثر غنى من الخيال. ورواية (رمضان المسيحى) هى من هذا النوع الذى أشرنا إليه. وذلك-ببساطة شديدة- لأنها سيرة ذاتية سجل فيها صاحبها وقائع سفره إلى مدينة غربية. ولكن -على خلاف ما يحدث دائمًا- لم يكن صاحب الرحلة فى بعثة علمية اقتضت –لأهميتها- أن يسجل الباحث أو المبعوث حكاية بعثته التى –غالبا- ما نقابل فيها العالم فلان ونستمع فيها إلى الأوبرا أو نزور فيها أشهر المتاحف فى العالم أو يتوقف بنا أمام لوحة شهيرة ليشرح لنا وقائع فرجته على العقل الغربى فى أرقى تجلياته. ليست (رمضان المسيحى) من هذا النوع من السير العقلية التى تمتلئ بها مكتباتنا ولا يعيبها ألا تكون كذلك. ذلك أن أحدًا لم يقل فى يوم من الأيام أن السير الذاتية يجب أن تكون على هذا النحو أو ذاك. بل إن جمال هذا الفن الوليد حديثًا يعود فى المقام الأول إلى أنه يتمتع بمرونة تسمح للكاتب أن يتصرف فى موضوعه كما يشاء وأن يعرض لما تمليه عليه إرادته السردية. أما الأمر الآخر فهو أن الكثير من النقاد قد أصبح ينادى بالإنصات إلى سير البسطاء والمغامرين وحتى سير العائلات الكبرى فى الريف.


ولنعد إلى (رمضان المسيحى) فالرحلة رحلة شباب من أقاصى الصعيد جاء هكذا إلى اليونان بحثًا عن فرصة عمل دون أن يمتلك مقومات هذا البحث. فلا هم على دراية بعادات البلد ولا ثقافته ولا هم حتى يعرفون لغته من قريب أو بعيد. فمنهم من يقرر العودة من حيث أتى ومنهم من يقرر البقاء مثل رمضان (المسيحى) وصاحبنا السارد. ويضعنا السارد فورًا أمام مشهد تنصير رمضان وتحوله عن الإسلام إلى المسيحية علنًا على شاشات التليفزيون اليونانى. والحكاية ليست حكاية التحول عن دين إلى دين آخر مثلما هى حكاية التحول عن واقع إلى واقع آخر مختلف. أو التحول من مدينة إلى مدينة أخرى. يقول رمضان «دين ربنا قال: فيه جنة.. وفيه نار.. الجنة نسوان وماتيلدا وويسكى ومارلبورو وفراخ وخوخ جورماس.. والنار هناك فى الأوضة الحر.. وأمى الزهقانة وريحة البول ومراتى والأربع عيال وبوابير الجاز والفول والطعمية والسجاير الفرط والموت فى خنق الأتوبيس». وهكذا ببساطة لا تعرف بلاغة التبرير أو حنكة المداراة يعلن رمضان أنه إذا كان الدين مهانة فى العيش، فإنه قد ترك دينه منذ أن كان يحيا على أرض بلده لا بعد أن جاء إلى أثينا. وهذا المنظور وإن كان شديد البساطة والعفوية إلا أن معظم سير الرحلة إلى الغرب تكرره بشكل أو بآخر، وهى تحيا انبهارها بالغرب وإنجازاته ولسان حالها يقول: وماذا يمكن أن يكون الدين الحق إن لم يكن هذا الإبداع وتلك العبقرية؟!


لكن الرواية تطور موضوع تنصير رمضان فى اتجاه أكثر تعقيدًا عندما تفتح نقاشًا حول الغرب الأوربى والشرق العربى الإسلامى. وهذه المناقشة لا تصب-هذه المرة- فى مدح الغرب أو ذم الشرق. إنهما معًا-الغرب والشرق- قد تبادلا أدوار الظلم والسيادة والإقصاء. فليس من حق المسلمين-بتعبير السارد- أن يعتبروا دينهم بوابة من يدخل فيها لا يخرج منها. وليس على الغربيين-مع ذلك- أن يهللوا كلما تنصر مسلم. إن سوء فهم عميق لايزال يصيغ العلاقة بين الشرق والغرب «فى مصر العيال بالذقون يكبرون لأن واحد مسيحى أسلم، وهنا بيهللوا عشان مسلم اتنصر والاتنين ولاد كلب».


ولكننا نخطئ إذا قلنا إن الرواية كانت مشغولة بقضية العلاقة بين الشرق والغرب إلى النهاية، صحيح أن مفتتح الرواية قد وضعنا أمام هذه القضية وجهًا لوجه. ولكنها كانت- فى العموم- إحدى مفارقات تجربة عادية لذات تبحث عن فرصة حياة خارج إطار أوضاع خانقة فى بلدها الأم. وهذه التجربة يمكن قراءتها فى الإطار العام لتجربة الإنسان فى كل مكان وزمان فى البحث عن حياة أفضل. لاسيما أن السرد قد اتخذ شكل دائرة مركزها السارد نفسه. بحيث أن تجربة السارد كانت تتجدد دائمًا مع قدوم وافد جديد من القاهرة. فيبدأ السارد فى إضافة تجربة هذا الوافد إلى تجربته شخصيًا سواء من خلال حكى حكايته والتعليق عليها أو من خلال اتخاذها مناسبة سردية لتطوير حكايته هو شخصيًا. وكأن السارد بمثابة حجر المغناطيس الذى يجتذب إليه ما يعد بتطوير حكايته فى اتجاهات شتى. وبتعبير آخر فإن لقاء السارد بالمدينة الغربية-أثينا- قد كشف عن نفسه من خلال ثلاثة محاور. الأول هو تجربة السارد نفسه والثانى هو تجربة أقرانه الذين أتوا معه أو الذين أتوا بعد ذلك والثالث هو منظور اليونانيين أنفسهم لمدينتهم ولنمط حياتهم.


إن توظيف السارد لمنظورات أقرانه من العرب الوافدين على اختلافهم فى شكل حوار يتصل وينقطع حسب مناسبة السرد قد أغنى الرواية ووضعنا أمام أثر المدينة الغربية فى انتقاد الذات، بل وفى انتقاد الماضى الذى يحيا بمثالبه بفضل التقديس الذى يتمتع به على أرضنا. وبذلك وجدنا أنفسنا أمام سجل ممتع من سجلات السلوك الإنسانى الذى عاينَّا من خلاله أنماطًا من الشخصيات والتصرفات العفوية والكاشفة فى آن واحد. وهذه البساطة وذلك العمق هما ما يجعلان من رواية عادل سعد شهادة على واقع مفعم بروح الصدمة.