الدور على مين؟ جمهورية «فيس بوك» تعزل ريهام سعيد

08/11/2015 - 1:01:17

تقرير: رانيا سالم

نجحت الحملة التى شنها مستخدمو مواقع التواصل الإجتماعى «فيس بوك»، و«تويتر» فى الإطاحة بالإعلامية ريهام سعيد، مقدمة برنامج «صبايا الخير» على فضائية «النهار»، وذلك لعرضها صورًا شخصية تخص فتاة تم التحرش بها فى مول شهير بالقاهرة، دون استئذان صاحبة الصور. ومع مشاركة مئات الآلاف على مواقع التواصل فى المطالبة بوقف البرنامج ومقاطعة المنتجات والشركات الراعية له، سارعت هذه الشركات فى التبرؤ من البرنامج وإعلان انسحابها من رعايته، تبع ذلك صدور بيان من قناة النهار بوقف البرنامج، لتنجح بذلك الرقابة الشعبية وتدوينات نشطاء «فيس بوك» فى التخلص من أحد أشكال الممارسات الإعلامية الخاطئة، غير المهنية، وغير الأخلاقية.


أطلق مستخدمو مواقع التواصل هاشتاج باسم «موتى يا ريهام»، لقى اقبالًا هائلًا، لتكون بذلك ثانى أبرز لمواقع التواصل فى السنوات الخمس الأخيرة، إذ سبق وأن كان لذات المواقع دورًا كبيرًا فى قيام ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.


وحول تأثير الإعلام الإلكترونى ومواقع التواصل الإجتماعى فى وقف الممارسات الخاطئة للإعلاميين وغيرهم، يقول الدكتور فاروق أبو زيد، أستاذ الصحافة بجامعة القاهرة، إن شبكة الإنترنت هى إحدى وسائل الاتصال الجماهيرية، كوسائل الإعلام الآخرى سواء المطبوعة أو المسموعة أو المرئية، وتمتلك كغيرها مميزات وسلبيات، ما بين الانتشار السريع للمعلومات وسهولة الحصول عليها، وصعوبة ضبط الأداء المهنى وتسببها فى انتشار الشائعات والأكاذيب والتدخل فى الحياة الخاصة للأفراد.


ويضيف: وصل الأمر إلى تفوق الانترنت على الوسائل الآخرى فى أنه الأكثر سهولة واستخداماً من قبل الجمهور وأقل تكلفة، كما أنه ساعد على ظهور ما يعرف بـ«إعلام المواطن»، وفيه يقوم الجمهور بدور الصحفى فى نقل الخبر صوتًا وصورة وتحميله على الشبكة الإلكترونية، ليعيد للمواطن مرة ثانية دوره فى الرقابة الشعبية.


أستاذ الصحافة يفرق بين أمرين الأول يتمثل فى عودة الوعى الشعبى بالتصدى لكل ماهو سيىء وبين دور وسائل الإعلام ومن بينها موقع التواصل الاجتماعى، «فرغم أنه لا ينكر أهمية دور هذه المواقع فى المعرفة و التوعية والحشد، لكن هذا الدور ماكان له أن يكتمل لو تغافل عنه الجمهور أو رفض المشاركة فيه».


ويوضح الدكتور فاروق أن وقف برنامج «صبايا الخير»، تم لأن جميع وسائل الاتصال الجماهيري، عبرت عن رؤيتها فيما تم عرضه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، كما أن هذه الوسائل كالصحف والفضائيات عرضت الهجوم الذى لاقته الحلقة على «فيس بوك» و «تويتر»، متابعا: جميع التعليقات والكوميكس التى استخدمت والغضب فور حلقة متحرش المول، تم عرضها على صفحات الصحف وبرامج الفضائيات، وكل ذلك دفع الشركات الإعلانية الراعية للانسحاب من البرنامج، وبالتالى وقف إدارة القناة للبرنامج.


ويرى الدكتور فاروق كذلك أن الجمهور قام بدور رقابى من خلال المزج بين ما يشاهده ويعرض على وسائل الاعلام التقليدية كالتلفزيون، والحديثة كمواقع التواصل الإجتماعي. وواصل: الجمهور لعب دور الرقيب الشعبى عبر وسائل الإعلام، وهذا أحد أهم نتائج ثورة ٢٥ يناير، فبعد أكثر من ٥ سنوات تشكل لدى المواطن وعيا ليمارس دوره فى المتابعة و المراقبة والمحاسبة ليس فقط للممارسات الإعلامية، ولكن لكل ما يدور حوله مستعيناً بوسائل الإعلام وعلى رأسها مواقع التواصل الاجتماعى.


ويتوقع أستاذ الصحافة أن تساهم الرقابة الشعبية مرة أخرى فى وقف الممارسات السيئة والخاطئة، خصوصًا أن هناك برنامج تقدم موادًا تستوجب الوقف. واستطرد: بعض مقدمى البرامج تصوروا أنهم أقوى من الجميع، فلا يخجلون من إلقاء التهم، وطرح رأيهم كأمر مسلم به، واعتبار الجمهور متلق سلبى عليه أن يقول سمعاً وطاعاً، ومن هؤلاء مذيعة اتهمت بلدا عربيا شقيقا بالدعارة، ليبقى عقابها الوحيد ترك قناة لتعود وتظهر فى قناة آخرى.


آليات ضبط الممارسات الإعلامية تنحصر كما يبين الدكتور فاروق فى القوانين ومواثيق الشرف الإعلامية، والأولى لا تتضمن عقوبات مغلظة خاصة مع بطء إجراءات التقاضى، أما مواثيق الشرف فهى غير مفعلة، ليبقى ضبط الأداء الإعلامى مرتبطا بالمسئولية الخاصة لكل إعلامى، معتبرًا أن زيادة وعى الجمهور مع ارتفاع مستواه التعليمى دفعه ليلعب دورا فى التصدى ومحاسبة من سماهم «السفهاء».


الدكتورة ثريا البدوي، أستاذ الإعلام الدولي، وكيل كلية الإعلام بجامعة ٦ أكتوبر، ترى أن مواقع التواصل الاجتماعى وشبكة الإنترنت فرضت نفسها على باقى وسائل الاتصال التقليدية، «فمواقع التواصل الاجتماعى استطاعت أن تفرض أجندتها الخاصة على أجندة الوسائل الآخرى، وظهرت أبواب فى الجرائد ومساحات فى البرامج لمناقشة مايدور فى هذه المواقع»، وفق قولها.


وترى البدوى أن من أهم مميزات مواقع التواصل «ممارسة دور الرقيب»، كونها قادرة على الحشد والتعبئة. وتتابع: ما حدث مع برنامج ريهام سعيد يمثل حالة استياء من مضمون البرنامج على مدار عدد من الحلقات، والجميع أظهر تعاطفا مع الفتاة التى تعرضت لانتهاك خصوصيتها عبر القائمين على البرنامج وعلى رأسهم المذيعة، واجتمع مستخدمى مواقع التواصل الاجتماعى على رفض انتهاك خصوصية الأفراد، وظهر حشد شعبى واستياء من بين جميع أطياف الرأى العام على مواقع التواصل، تناقلته وسائل الإعلام الأخرى كالصحافة والفضائيات.


كما ترى أستاذ الإعلام الدولى أن الرأى العام قادر على ايقاف وردع الممارسات الخاطئة فى الإعلام، كونه قادر فى دول كثيرة على التأثير على أداء الحكومة، مشيرة إلى دور مواقع التواصل فى ثورتى ٢٥ يناير و٣٠ يونيو، مستدركة « لكن هذه المواقع نجحت فى التعبئة والحشد على جميع المستويات وليس شرطاً أن تكون آليات التعبئة والحشد إيجابية، فقد ظهر آليات سلبية فى قضايا أخرى».


وتؤكد أن قضية اختراق الخصوصية التى دافعت عنها مواقع التواصل الاجتماعى فى القضية الأخيرة ماهى إلا أحد إفرازات الممارسات الإعلامية الفجة التى لاتزال تطل علينا عبر شاشات الفضائيات، معتبرة أن هناك فجوة بين الالتزام النظرى بآليات الحوكمة الإعلامية التى تتضمن الشفافية والموضوعية والمهنية وعدم اختراق الخصوصية وعدم التجريح، وبين المطبق الفعلى فى وسائل الإعلام، ولهذا ظهرت فئة من المضامين التى تستبيح أى شىء لتحقيق نسبة مشاهدة عالية وبالتالى جذب مزيد من الرعاة الإعلانيين.


وترى د. سماح الشهاوي، مدرس بقسم الصحافة بكلية الإعلام فى جامعة القاهرة، أن مواقع التواصل الإجتماعى تؤثر بشكل كبير فى المجتمع، كونها أكثر وسائل الاتصال استخداماً فى مصر، وهو ما دفع وسائل الإعلام الآخرى المطبوعة أو المسموعة والمرئية إلى إنشاء صفحات خاصة بها على هذه المواقع لتحظى المواد المنشورة على الوسيلة الإعلامية بمشاركة ومشاهدة أعلى، وليزيد حجم التفاعلات والمناقشات عليها.


وتشير الشهاوى أن من أهم الجوانب الايجابية لمواقع التواصل الاجتماعى أنها تتيح فرصة للانتشار السريع والضخم فى مساحة زمنية قليلة، بما يتيح مزيدا من التفاعل، لكنها فى الوقت ذاته قد تكون هذه ميزة الانتشار السريع السهل عيبا إذا أساء استخدامه عبر نشر الشائعات والأخبار المفبركة والمغلوطة، وهو ما حدث عشرات المرات، حسب قولها.


وتؤكد مدرس الصحافة أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور دور قوى لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعى كآلية للضغط فى كافة القضايا، منها قضية اختراق الخصوصية فى برنامج صبايا، وقضية طالب هندسة الإسكندرية الذى واجه صعوبة فى إجراءات السفر للمشاركة فى مؤتمر علمى وطرح القضية عبر مواقع التواصل الاجتماعى وبالفعل تلقى استجابة من وزارة الداخلية ورئاسة الجمهورية التى أبدت اهتماماً بقضيته وهو ما يبرهن على الدور الايجابى لمواقع التواصل. وتواصل الشهاوي: قضية ريهام سعيد لعبت مواقع التواصل دورا محوريا كآلية ضغط على الرعاة المعلنين للبرنامج، فما قُدم من ممارسات إعلامية تبيح اختراق الخصوصية، وما تقدم من قضايا جدالية عقيمة من حلقات جن تبحث عن الإثارة عبر حلقات البرنامج، تُرجم فى غضب مستخدمى المواقع وتوحدهم على مقاطعة البرنامج ومعلنيه، عبر الهاشتاج أو الايفنت التى دعت للمقاطعة، وهوما أجبر القناة على وقف البرنامج.


احتمالية تكرار هذه الحملة على ممارسات إعلامية أخرى أمر لا يمكن توقعه، على حد قول الشهاوى، كون كل قضية لها ظروفها الخاصة، كما أنها ترتبط بالحالة الجمعية للجمهور ومدى غضبه ومدى استفزاز المضمون المقدم، لكنها تؤكد «الشىء الوحيد المؤكد أن آلية الرقابة الشعبية على مواقع التواصل الاجتماعى تتصاعد بشكل مستمر».