سيادة الرئيس.. البيت فى الداخل يحتاج تدخلكم الشخصى

28/10/2015 - 12:30:23

معتصم راشد

فى نوفمبر القـــادم سيترك هشام رامز موقعه، كمحافظ للبنك المركزى المصرى، ويجلس (طــارق عامر )، وهـــذا الجلوس ليس غريبا، فقد كان نائبا – أيضا – لفـــاروق العقدة، كـ (هشام رامز)، قبـــل أن يتولى رئاسة البنك الأهلى.. لكن يبقى السؤال مطروحا: هل يدرك أصحاب القرار أن مصر تمر بلحظــات اقتصادية (استثنائيـــة) وأنه لا مجـــال واسع للحركة أمام البنك المركزى، مع استمــــرار الوضـــع الاقتصادى على ماهو عليه، بدءاً من مضاربات العملة مـــرورا بتهميش الصناعة، وانتهاء بانخفـــاض الصـــادرات و(الاستيراد الهمايونى) والتهريب على ما هو عليه لن تحل أزمة الدولار؟!


هذا لا يمثل دفاعا عن هشام رامز، ولكنى كنت دائما أقول وأكتب عن أزمة الدولار، وأقول إنها نتيجة وليست سببا، ولازلت عند هذا الرأى، وما دامت هناك أسباب قائمة، ستستمر الأزمة وتستفحل مادمنا لم نعالج الأسباب كما أوضحت.


لابد مادمنا نتحدث عن أزمة أن نكون صرحاء ونسأل: ماهى الأسباب الحقيقية لأزمة الدولار ؟


البــــداية أنه لم يكن هنـــــاك من يرعى أو يهتم بـ (الصنــــاعة)!! هنا تكمن الأزمة الحقيقية، لماذا ؟ لأننا اعتمدنا على الاستيراد فى كل شيء، وتعدينا مرحلة السفه!! فتحنا السوق على مصراعيه، دون أى ضوابط أو قواعد، بدعوى أننا نتبع نظام (اقتصاد السوق) !! وتناسينــا عن عمد أن الولايات المتحدة الأمريكية تضع ضوابط لضبط الســـــوق وحمــــاية الصناعة، وتناسينـــــا عن عمد – أيضا – قـــواعد منظمــــة التجارة العالمية، فتحــولنا إلى (الســـداح مداح) كما ذكرت فى مقال سابق، وعددت فيه نمـــاذج استيـــراد سلـــع يمكن الاستغنـــاء عنها بـ (جــــرة قلم)، لكن كيف والسوق يتحكم فيه (مافيــــات التجارة) وأصحاب المصالح الخاصة الذين غلبوا مصالحهم الخاصة على مصلحة الوطن !! ولم لا؟ إن كـــــان الســــــوق بلا ضوابط، ووزير التموين يتحدث عن اقتصاد السوق، ويعلن أن الدولة لا تتدخل، وأن السوق هو الفيصل، ويتناسى عن عمد، أن اقتصاد السوق الذى يتحدث عنه يتطلب أول ما يتطلب أن يكون هناك حالة توازن بين العرض والطلب، ومن المؤكد أن وزير التموين يعلم أن السوق المصرى يعانى من انعدام هذا التوازن، وهنا المصيبة، وإن كان لا يعلم فالمصيبة أكبر، وأظنها أكبر !!


أين كانت الدولة ومؤشرات التصدير تؤكد أن هناك انخفاضا كبيرا فى حجم الصادرات، بدليل تزايد فجوة العجز فى الميزان التجارى فقد كشفت الأرقام المتاحة رسميا ارتفاع قيمة العجز فى الميزان التجارى ليصل إلى ٢٦.٣ مليار جنيه لشهر يونيو الماضى مقابل ١٦.٢ مليار جنيه خلال نفس الفترة من العام الماضى بنسبة بلغت ٦٢.٥٪ وانخفاض قيمة الصادرات بنسبة ٢٤.٦٪ حيث بلغت ١٤.٤ مليار جنيه خلال شهر يونيو ٢٠١٥ مقابل ١٩.١ مليار جنيه لنفس الشهر من العام السابق. أين كان وزير الصناعة، بل وأين كانت الحكومة عندما وصل الحال إلى هذا الحد ؟


الأمر الآخر، هل يعلم مجلس الوزراء المصرى أن الصين رفعت دعمها للصادرات من ١١٪ إلى ١٧ ٪ ونحن فى المقابل أوقفنا برنامج دعم الصادرات بدعاوى مختلفة منذ ما يقل عن سنة ونصف لخلافات وزارية؟! وإن كنت قد علمت أنه تقرر تفعيله مع الوزارة الجديدة، لكن يبقى أنه توقف لأكثر من عام ونصف ولم نحاسب أحدا !!


إن أردنا الحديث عن التنمية المستدامة، لابد أن نتحدث عن الصناعة، وهنا أتساءل : الدولة أصدرت قانونا للاستثمار عشية انعقاد المؤتمر الاقتصادى فى شرم الشيخ، ورغم تحفظى على ما تضمنه القانون من مواد تحتاج مراجعة من الألف إلى الياء، إلا أنه أناط بالهيئة العامة للاستثمار مسئولية توفير الأرض للمستثمرين. وللآن الخلافات مستمرة بين وزارة الاستثمار ووزارة الصناعة ووزارة الإسكان والمجتمعات الجديدة، ولم يتم تفعيل النص الوارد فى القانون !! والكارثة أن هناك من يتحدث عن استحداث هيئة مستقلة تتولى تخصيص الأرض بعيدا عن قانون الاستثمار !!


قانون الاستثمار الذى من المفترض أنه صدر ليحل مشاكل الاستثمار والمستثمرين، لم يتضمن آلية (الشباك الواحد)، المعمـــول به فى كل دول العـــالم، والذى طالب به جميع المستثمرين، قانون الاستثمار أسقط المناطق الحرة !! بدعوى التهريب !! وتناسى الذين أعدوا القانون أن نهضة ماليزيا وسنغافورة وتركيا كان الأساس فيها الاعتماد على المناطق الحرة الخاصة !! والأهم هنا أن اللائحة التنفيذية لم تصدر حتى يومنا هذا !! وبعد كل هذا نتحدث عن الاستثمار ونقرأ تصريحات وردية عن تدفق الاستثمارات !! ألا يندرج هذا تحت مسمى التهريج الذى يوجب المساءلة، بل واستخدام الكارت الأحمر ؟!


الدولة مطالبة أمس قبل اليوم والغد، أن توجه اهتماما خاصا للصناعة، لأنها قاطرة التنمية.. الدولة مطالبة أن تضرب بيد من حديد على كل من يهرب بضاعة لداخل البلاد، والتهريب هنا نوعان، إما كليا أو جزئيا، بمعنى إما فى صورة سلعة تامة الصنع أو من خلال (ضرب الفواتير) وتلك جريمة يجب تغليظ عقوبتها، لأن التهريب معناه باختصار ضرب الصناعة فى مقتل وحرمان الدولة من موارد سيادية، خاصة إن كانت بعض السلع التامة الصنع تدخل البلاد أحيانا بأسعار تقل عن أسعار مكونات إنتاجها، والأمثلة كثيرة !!


هنا يلزم أن أقر بأن هناك جهودا تبذل من وزارة المالية ومصلحة الجمارك فى هذا المجال، إلا أن الجهود يجب ألا تتوقف، بل يجب توسيع نطاقها.


أعود لأؤكد أزمة الدولار، نتيجة وليست سببا، للآن الصناعة تعانى وبالتالى التصدير يقل وينخفض الأمر الذى ينعكس على توفير الدولار، علاوة على الاستيراد (الهمايونى)، وبالتالي،لابد أن يكون هناك حزمة من السياسات تتبع فى وقت واحد، هذه السياسات تتكامل مع بعضها البعض إن أردنا إصلاحا اقتصاديا حقيقيا. ولابد ألا نخلط بين مسئولية الحكومة ومسئولية البنك المركزى، قبل أن نوجه اتهامنا لأحد، وفى حالتنا الاتهام يجب أن يوجه للحكومة.


لابـــد من معالجـــة عجز الموازنة، لأنها المرآة الحقيقية التى تعكس حال البلاد، وعلاج عجز الموازنة اليوم يقتضى أن تتبــــع الدولـــة سياسة (اقتصاد حرب)، بمعنى أن تكون هناك إجراءات محددة وفاعلة تؤدى لمعالجة ما يعانيه الاقتصاد المصرى من اختلالات، يجب أن تختفى، أيا ما كانت دعاوى ومبررات الذين يتشدقون بمقولة اقتصاد السوق، وهنا أطالب بأهمية وضرورة تصحيــح مفهوم (اقتصاد السوق)، ويجب أن تعلو المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية، وأيا ما كانت الكيانات المؤسسية التى تطالب بغير ذلك !!


من هذا المنطلق، أطالب الحكومة بإعداد قائمة تتضمن الواردات التى يمكن الاستغناء عنها لفترة زمنية.


أطالب الحكومة باستخدام الآليات التى أقرتها منظمة التجارة العالمية لتحجيم الواردات.. أطالب الحكومة برفع سقف المواصفات القياسية للواردات بعد أن تحول السوق المصرى لـ (سوق نفايات الصناعة) !!


أطالب الحكومة بدعم تفعيل نظام (دعم الصادرات)، لأنه فى حقيقته ليس بدعم بقدر ما هو تعويض عن بعض ما تتحمله الصناعة من أعبــــاء إضافية لا وجــــود لها فى دول العـــالم وتقلل من تنافسية الإنتاج المصرى فى السوق العالمى.. أطالــــب الحكومة بإلغاء (بدعة) ضريبة المبيعات على الآلات المستخدمة للصناعة وفى توسعاتها... أطالب الحكومة بإجراءات غير تلك التى يتبعها حاليا وزير التموين لضبط السوق والسيطرة على الانفلات غير المسبوق فى الأسعار.


مشكلة مصر فى سوء الإدارة والمحسوبية والروتين وسيطرة غير الأكفاء على أكثر مواقع صنع القرار، وإهمال الأولويات وعدم الأخذ بأساليب العلم والعصر فى المحاسبة والمتابعة.


إن كان هناك كلمات باقية، فإنى أتوجه بها لرئيس الدولة، لقد حققتم نجاحا باهرا (خارجيا) تجلى أخيرا فى حصول مصر على عضوية مجلس الأمن إلا أن (البيت من الداخل) لازال يحتاج تدخلكم الشخصى.


لأن معاناة المواطن تزداد يوما بعد يوم، والإعلام بتنوعه يحتاج وقفة، لأننا فى حـــاجة لـ (إعـــــلام تنمـــوى) بديلا للإعلام الذى يزيد من حدة احتقان الشارع، فى هذه المرحلة تحديداً والتى نمـــر فيها بمنعطف صعب، لأننـــا أمام (اختيار وحيد) يتمثل فى عبور ما نحن فيه.. نحن نسدد فواتير سابقة نتيجة سياسات خاطئة ومتناقضة فى أحيان كثيرة.. أطالبك سيادة الرئيس بأن تصدر تعليماتك الفورية للحكومة لتعيد آلية (الصفقات المتكافئة)، لأنها تناسب ظـــروفنا فى الوقـــت الراهـــن، والأهـــم يا سيادة الرئيس أن نصحـــح مفهـــوم (الاقتصاد الحر) بعد أن أصبح مرادفاً لـ (الفوضى ) !! وإن كان هناك من يؤمن بـ (اقتصاد السوق)، فليرضى بتطبيق (الضرائب التصاعدية)، أليس هذا يطبق فى دول اقتصاد السوق.


أطالبك سيادة الرئيس أن توسع من دائرة من تستمع إليهم، وأن يكون المعيار الوحيد لأى اختيارات (معيار الكفاءة والخبرة)، لأننا فى مرحلة تفرض هذا شئنا أم أبينا، أطالبك سيادة الرئيس بأن يكون هناك إعداد جيد للشباب، والإعداد الجيد يتطلب الاستفادة من تجربة (منظمة الشباب)، لأنها التجربة (الوحيدة) الناجحة بدليل أن هناك منهم من يعطى حتى اليوم بكفاءة وإخلاص، وما نراه اليوم لا يحقق اى إعداد للشباب الذى نعول عليه.


سيادة الرئيس..


أكرر حققتم نجاحا خارجيا شهد به العالم، والبيت من الداخل يحتاج (إعادة ترتيب)، وأعلم إن (أزمة الدولار) نتيجة وليست سببا، وقد حاولت قدر ما استطعت أن أوضح أسباب الأزمة واقترحت آليات للعلاج، وأثق أن مصر قادرة على تجاوز أى صعاب مادام الله قد حباها بقيادة تتمثل فى شخصكم.


سيادة الرئيس.. هناك إجماع على وطنيتكم وإخلاصكم وأن لديكم رؤية تسعون إلى تحقيقها، لكن استأذن فى أن أقرر هنا أنكم محاط بمجموعة احترنا معها !! وها نحن جميعاً ندفع الثمن!