الخبراء يؤكدون: المشروعات القومية «بريئة» من أزمــــة الـــدولار

28/10/2015 - 12:28:33

تحقيق: أحمد جمعة

برأ عدد من خبراء الاقتصاد، الحكومة، من الاتهامات التى وجهها بعض المستثمرين ورجال الأعمال لها بالتسبب فى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكى مقابل الجنيه المصري، كما أكد الخبراء أن المشروعات القومية التى تبنتها الدولة مؤخرًا، بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسى ليست السبب فى الأزمة.


وقال خبراء وأساتذة فى الاقتصاد أن معظم المشروعات لا يحتاج إلى توافر النقد الأجنبي، لأن المعاملات فيه تكون بالعملة المحلية مثل المشروع القومى للطرق والذى تعمل عليه وزارة النقل، وتنتهى منه بداية العام المقبل، وكذلك مشروع العاصمة الإدارية الجديدة الذى وجهت الحكومة ٥ مليارات جنيه لأعمال البنية التحتية فيه.


الخبراء أكدوا كذلك أن مشروع قناة السويس الجديدة كان «ضروريا» لمصر خلال الفترة الحالية، محملين محافظ البنك المركزى المستقيل، هشام رامز، مسؤولية عدم وضع بدائل تبعد أى ضرر عن الاحتياطى النقدى للدولة.


وقالت الدكتورة بسنت فهمي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الفرنسية، إن المشروعات القومية التى تبنتها الحكومة لم تسحب كثيرًا من الاحتياطى النقدى الأجنبي، لأن أغلبها يتعامل بالعملة المحلية، فيما عدا مشروع قناة السويس الجديدة، ومشروعات الطاقة.


وأوضحت أن مشروع قناة السويس تطلب تحويل جزء من العملة الأجنبية للتعاقد على كراكات لحفر القناة، لكن السحب لم يؤثر على الاحتياطى بالبنك المركزي، مشددة على ضرورة استكمال المشروع، خاصة أنه يمثل مصدر وحيد وثابت لجذب العملة الأجنبية إلى مصر، وهو ما يضمن قدوم رؤس أموال تغطى تكاليف المشروع.


ولفتت أستاذ الاقتصاد بالجامعة الفرنسية، إلى أن مشاريع الطاقة التى تتضمن الغاز الطبيعى والكهرباء، تـُدر دولارات وبالتالى لا توجد مشكلة فى الإنفاق عليها، أما مشروع الطاقة النووية فى الضبعة لم يبدأ بعد، وهو مشروع لن تجد مصر صعوبة كبيرة فى تمويله، خاصة أن البنك الدولى يمكن أن يشارك فى التمويل وتحصل مصر على فترة سماح للسداد طويلة الأجل.


وأضافت: معظم المشروعات تنفذ بالعملة المحلية ولا علاقة لها بالنقد الأجنبى مثل المشروع القومى للطرق والعاصمة الإدارية الجديدة، وهذه ليست فى حاجة لاستيراد تكنولوجيا من الخارج، وبالتالى فهى لا تؤثر الاحتياطى النقدي.


رغم الأزمة.. المشروعات مستمرة


وحول تأثير أزمة الدولار الحالية على استمرار المشروعات القومية، قالت د.بسنت: «بالعكس ارتفاع سعر الدولار لصالح الاستثمارات القادمة من الخارج، لأنه يعطى مميزات إضافية للمستثمر الأجنبي، فمثلما لانخفاض الجنيه مساوئ يمكن حلها، له كذلك مزايا أنه يشجع الاستثمار لدخول مصر وكذلك السياحة ويمنع الاستيراد ويشجع التصدير، صحيح أننا نعانى من مشاكل ضخمة فى التصدير وستحل فى خلال من ٣ إلى ٥ سنوات، لكن علينا ألا يدفع البسطاء الثمن خلال هذه الفترة”.


وأبدت أستاذ الاقتصاد تعجبها من تصريحات محافظ البنك المركزى المستقيل هشام رامز بشأن دفع ثمن كراكات قناة السويس من احتياطى البنك المركزي، مضيفة: “كان لا بد أن ندفع، ولا يمكن أن يتحجج رامز بهذا السبب.. الرجل مسؤول عن ضياع الاحتياطى النقدي، ففى بداية ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ كان الاحتياطى النقدى ٤٥ مليار دولار، ٩ منها حصلنا عليها من دول الخليج، و٢٠ مليار دولار نتيجة تحويلات العاملين بالخارج وإيراد السياحة والتصدير، ورغم ذلك كله فشلت السياسة النقدية لهشام رامز، حتى وصل الاحتياطى إلى ١٦.٣ مليار دولار، فى حين وصلت الديون الخارجية إلى ٤٨ مليار دولار”.


السحب المتواصل من الدولار


د. ممدوح حمزة، يؤكد أن تتابع المشروعات خلال العام ونصف الماضى كانت جزء من حدوث أزمة الدولار الحالية بسبب السحب المتواصل من العملة الأجنبية، لأن الحكومة اتفقت مع شركات أجنبية لإجراء عمليات تكريك بالقناة الجديدة لكى يتم إنجازها فى عام واحد؛ فخطة الفريق مهاب مميش كانت تقتضى أن يتم الانتهاء من المشروع خلال ٣ سنوات بكراكات الهيئة، ومن ثم فهذه الشركات سحبت ٢.٢ مليار دولار، ثم اشترت الهيئة المعدات الملاحية والستائر الحديدية بنحو نصف مليار، وبالتالى فإجمالى ما سحبه المشروع ٢.٧ مليار دولار.


وأشار حمزة إلى أن مخطط المشروع تضمن تنفيذ ٦ أنفاق، وبالتالى تم سحب ٥٠ مليون دولار إضافية لاستيراد ماكينات الأنفاق للشركات الألمانية، بخلاف أن الاستشاريين العاملين فى الأنفاق أجانب من جنسيات ألمانية وفرنسية ونمساوية وفرنسيين، رغم أننى أعطيتهم التصميم هدية بالمجان لكن الحكومة رفضته.


وقال إن مشروعات الطرق التى اشترت معدات وأسفلت ومازوت لاستكمال عمليات رصف الطرق الجديدة وهذا سحب أيضًا من «دولارات البنك المركزي» ، كما تم استيراد كل مواسير الأبار لمشروع المليون فدان، بجانب أن مصر تعاقدت مع شركة «سيمنس» على بناء محطات كهرباء لتوليد ١٦.٤ جيجا وات بـ ٨ مليار دولار، رغم أن مصر تحتاج ٤ جيجا وات حاليًا وكان من الممكن تأجيل باقى التعاقد للفترة المقبلة على أن يتم البدء فى مشروع الضبعة النووي، أما الطاقة المتجددة فلن تكلف الدولة شيئًا. وأيدّت د.يمن الحماقي، رئيس قسم الاقتصاد بجامعة عين شمس، ما طرحته الدكتورة بسنت فهمي، حيث قالت إن السبب فى أزمة «الدولار» حاليًا، عدم القدرة على إدارة موارد مصر من العملة الأجنبية، وعدم تحقيق الإدارة الرشيدة، وغياب التنسيق بين وزارات المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزى .


وواصلت: “لو نظرنا للمشاريع القومية، فمن المفترض أن من تدير النقد الأجنبى إدارة رشيدة تقوم ببحث مصادره من العملة الأجنبية، ثم النظر فى التدفقات الأجنية ، وهذه مسئولية البنك المركزى بشكل أساسي، لكن هناك لاعبين آخرين منهم المصدرون والمستوردون والمضاربون فى البورصة».


ولفتت الحماقى إلى أن الأزمة الحالية تسبب فيها، التزام مصر بدفع أقساط الديون الخارجية ووفوائدها، إلى جانب تحملها مسؤولية البحث عن تمويل لمشروعات الطاقة، والتزامها بالدفع لشركات البترول، ومسؤولية استكمال مشروعات كبرى كمشروع قناة السويس، مستدركة: «لكن البنك المركزى كانا يعلم أن مصر ملزمة بسداد ثمن الكراكات التى ساهمت فى حفر القناة الجديدة، وكان على محافظه المستقيل وضع ذلك فى الحسبان عند التخطيط لمشروع.


وحذرت الحماقى من استمرار ما وُصف بـ»فترات الريبة» الخاصة بعدم الاستقرار فى سعر الصرف، موضحة: طالما هناك توقع بتغيير سعر الجنيه المصرى وعدم ثقة فى استقراره فى الفترة القصيرة والمتوسطة، فلن تتحقق سياسة مصرفية ناجحة، لأن هذا من شأنه أن يؤدى إلى ضغط أكبر على السوق الذى هو فى وضع استثنائى أصلا.


السحب ٣ مليار دولار فقط


الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، ذهب إلى أن «المشروعات القومية لم تؤثر على الاحتياطى الأجنبى ولا علاقة لها بأزمة الدولار». واسترسل: لم تستورد مصر سوى بعض المعدات اللازمة لاستكمال مشروع قناة السويس، وبعض مستلزمات المشروع القومى للطرق، لكنها لم تسحب من الاحتياطى سوى ٣ مليارات دولار، تقريبا، وهو رقم لا يؤثر كثيرا على الاقتصاد.


ويرجع «عبده» أزمة الدولار، إلى أن زيادة الطلب عليه، بخلاف التغيرات فى الاقتصاد العالمى وتخفيض الصين لليوان لزيادة صادراتها، وانطلق التجار لشراء المنتجات وبيعها فى السوق المصرى لزيادة أرباحهم، بالإضافة لتسديد مستحقات الشركاء فى قطاع البترول والغاز، بجانب أن الإيرادات التى تغذى صندوق الاحتياطى النقدى بالبنك المركزى انخفض فى الـ ٩ شهور الأخيرة بنسبة ٢٢٪، وكذلك السياحة التى كانت تزودنا بـ ١٢.٦ مليار دولار أصبحت لا تمدنا سوى بـ ٦ مليارات دولار، وانخفضت تحويلات العاملين بالخارج.


وأوضح أن الأزمة الحالية لن تؤثر على استمرار المشروعات، “فطبقًا لنتائج مؤتمر مطروح الاقتصادي، سيزور وفد روسى القاهرة الأسبوع المقبل للتوقيع على اتفاقية الضبعة النووية، كما أن المشروع القومى للطرق يسير بمعدل جيد وسيتم الانتهاء منه العام المقبل، ونتوسع فيها لزيادة الاستثمارات”، وفق قوله.


حلول مقترحة للحكومة


كما أكد د.عمرو حسنين، خبير التصنيف الائتماني، أن المشروعات القومية لا تؤثر على سعر صرف الدولار، أو توافر العملة الصعبة لأن أغلبها يتم التعامل فيها بالعملة المحلية، مثل مشروع العاصمة الإدارية.


وشدد على أن مصر استفادت من استثمارات أجنبية وفرها مشروع قناة السويس، مطالبا الحكومة بالاعلان عن حجم الاستثمارات التى نجحت فى جذبها بعد افتتاح المشروع فى أغسطس الماضي.


وأردف: يجب أن توجد زيادة فى الدخل من العملة الأجنبية ثم إدارة هذا الاحتياطى بشكل رشيد، وزيادة الصادرات وعودة تحويلات العاملين بالخارج، والتدخل الحتمى لتقليل الواردات للحفاظ على ما تبقى من عملة لمدة محددة حتى يتعافى القطاع المصرفى مرة آخرى، والنظر فى التدفقات النقدية للمشروعات الكبرى بمايتناسب مع قدرة الاقتصاد على التمويل».


وبشأن حل الأزمة الراهة، تقول د.بسنت فهمي: “لابد للحكومة أن تعد قائمة بمجموعة من السلع وترفع عنها الجمارك مثل قطع غيار السيارات، وإعداد قائمة آخرى بالسلع يُمنع استيرادها لمدة ٦ شهور وهذا من حق الدولة طبقا لقانون التجارة الدولية الذى ينص أنه فى الظروف الاستثنائية نتخذ إجراءات استثنائية ومن ضمنها تحديد القائمتين، وبيع أراض للمصريين بالدولار، ويبقى أن الجهاز المصرفى عليه دور أكبر فى دعم المنتجات ورفع الاحتياطى وإلغاء القرارات التى اتخذها هشام رامز بالتعامل بالنقد مع البنوك”.


أما د.يمن الحماقى فترى أن الحكومة عليها أن تضرب بيد من حديد على المستوردين والمصدرين الذين يتلاعبون فى الفواتير ووكالات السياحة المصرية التى تتلاعب فى موارد السياحة، بجانب توجيه الدعم لصغار ومتوسطى المصدرين وليس كبار المصدرين الذين ليسوا فى حاجة إلى الدعم، فأسوأ أنواع الدعم للمصدرين هو الدعم النقدي.


من جهته، انتقد الدكتور فخرى الفقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، ومساعد المدير التنفيذى لصندوق النقد الدولى سابقاً، الحديث عن تأثير المشروعات القومية على الاحتياطى الأجنبي، مؤكدًا أن أغلب هذه المشروعات لم يكن لها تأثير فى أزمة الدولار، فيما عدا التعاقد مع ٢٨ كراكة أجنبية للعمل بقناة السويس، حيث كلفت خزانة الدولة ١.٧٥ مليار دولار خلال ٦ أشهر من عمليات التكريك.


الفقى أكد أنه رغم هذا السحب لكنها فى الوقت نفسه تساهم فى ثبات مقدار الاحتياطى بنحو٥.٣ مليار دولار توضع لدى البنك المركزى بواقع نصف مليار شهريا، ومن المفترض أن تزيد هذه الإيرادات إلى ١٥ مليار دولار عندما تنمو حركة التجارة فى ٢٠١٦ طبقا لتقرير البنك الدولي، وبالتالى لن نستطيع أن نقول إن القناة كانت السبب فى الأزمة؛ لأن من حقها تطوير نفسها لزيادة الدخل.


وأوضح الفقى أن محافظ البنك المركزى كان عليه أن يمارس سلطاته وفقا للقانون بأن يتخذ التدابير اللازمة لمنع السحب من العملة الأجنبية إن كان ذلك سيؤثر على الاحتياطى وفقا لما صرح له، وبما أنه هو من من قام بوضع تصور تمويل القناة فكان من الممكن أن يطلب من ضمن شهادات الاستثمار أن يتم الإيداع بالدولار بالنسبة للمصريين بالخارج، وبالتالى نحصل على ربع التمويل بالدولار، وبالتالى الاستغناء عن السحب من الاحتياطى بالبنك المركزي.


«الأزمة تضاعفت عندما انخفض الاحتياطى فى شهر سبتمبر بمقدار ١.٧ مليار دولار وهذا ما أثار المخاوف».. هكذا علل الفقى تداعيات الأزمة على السوق والذى يُعد أكبر انخفاض منذ ٣ سنوات ونصف، مشيرًا إلى أن الأزمة أن السوق السوداء استحوذت على النصيب الأكبر للدولار بما يتجاور ٧٥٪، وكان هناك تحد بين رجال الأعمال والصرافة والمصدرين والمستوردين عندما أصدر محافظ البنك المركزى قرارات وضعت قيودا على الإيداع والسحب، واشتكوا كثيرا فى فتح الاعتمادات، وبالتالى ذهبوا للاستحواذ على العملات الأجنبية من الدول الخليجية بأسعار مرتفعة وحرموا البنك المركزى من هذه التحويلات، وأتوقع بنهاية هذا العام أن يستقر سعر الصرف عند ٨ جنيهات، ومن الممكن أن ينخفض عن هذا الحد عند وصول باقى الحزم المالية الخليجية لمصر المقدرة بـ٦.٥ مليار دولار لتمويل مشروعات استثمارية، وغالب الأمر أن الرئيس سيتحدث مع الإمارات للتبكير بتحويل الحزمة المالية.