المــــرأة والوعى السياسى (٢)

28/10/2015 - 12:24:37

د. أمانى فؤاد

لماذا شاركت المرأة المصرية بالانتخابات البرلمانية فى مرحلتها الأولى بنسبة وصلت إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف الرجال والشباب وفقا للتصريحات الإعلامية؟ لعلنا نتساءل ما الذى يجعلها دون غيرها من الفئات لم تزل تمتلك الإصرار على استكمال المراحل والاستحقاقات رغم أن المشهد السياسى العام يدعو إلى الإحباط واليأس.


ربما بدا لى الأمر فى عمقه ضاربا فى الحضارة المصرية الفرعونية القديمة بكل أساطيرها الرمزية، كأن ( إيزيس ) التى تلم الشتات وتعيد البعث من الموات لم تزل حاضرة، تطل فى العقل الجمعى للمرأة المصرية رغم كل مثبطات الهمم التى نعيش فى ظلها ورغم ضبابية القوى، توقفت أمام المشهد لأحلل أبعاده الاجتماعية والنفسية ووجدتنى أسجل عدداً من الافتراضات لهذه الظاهرة التى لا أسلم بأنها قاعدة أو قانون بل هى مجموعة من التوقعات التى أقرأ من خلالها المشهد، كما أن الكتلة التصويتية التى شاركت من النساء تتعدد منطلقاتها:


ــ فى ظنى أن المرأة أكثر بحثا عن الأمان، لا الصراع والرغبة فى التغيير وما يتطلبه من فترات زمنية قلقة تدفع فيها أفدح الأثمان سواء فى أمنها الذاتى أو أمن عائلتها والمحيطين بها، هذا رغم خطورة ما قد يتطلبه شعورها هذا بالأمان من الرضوخ والاستسلام أحيانا فتركن للصبر على أوضاع قلقة فى المجتمع ، أتصور أن وعى المرأة الاجتماعى أكثر نضجا من وعيها السياسي، فوجودها وجود علائقى حاضن يستوعب الآخرين، لا تنحو إلى نزعة انفصالية متطرفة، كما أنها أكثر نسيانا للخلافات التى تنقضى وأكثر قدرة على النظر إلى المستقبل، تنشد الاستقرار والبعد عن أى توجه متطرف قد يغامر به الرجل، توجه ينشد المواجهة والتغيير الذى يتطلب أحيانا نوعا من الهدم والصراع.


ــ ربما لأن المرأة لم تزل تثق وتأمل فى السلطة الحالية وعلى رأسها شخص الرئيس السيسي، تحسب له أنه قد أنقذ الوطن من استحواذ الجماعة التى وضعت مصر والمرأة خاصة فى مكانة لا تليق بنساء مصر، الجماعة التى تعمدت تهميشها من المشهد العام، بل التعرض العنيف لها أحيانا، لم تزل المرأة صابرة تدرك أن الميراث ثقيل من المشاكل، وأن الرئيس شخصية وطنية محبة وقوية يحمل الكثير من التقدير لدور المرأة بالمجتمع، ربما لم تزل تشعر أن الأيام القادمة تحمل انفراجات فيما يخص الشباب المعتقل وتعديل قوانين التظاهر فلقد طالها هى كشخص، أو أم لشاب أو أخت طائل من هذه الأحكام، انفراجات تأمل أن تحمل معها أيضاً بعض التنمية الاقتصادية وتحسين أوضاع الخدمات المجتمعية.


ــ ربما لأنها أكثر بعدا عن الصراعات ومتطلبات الحياة لا تتعامل مع الواقع كما ينغمس فيه الرجل ويعانى مشكلاته ويرى ثغراته وتتراكم عليه المتطلبات دون أن يشعر بنهضة اقتصادية أو تحسن فى أوضاع لم تزل تشير إلى استشراء الفساد وطغيانه، لكن يمكن أن يرد على هذا الاحتمال بأن أكثر من ٣٠ ٪ من نساء مصر معيلات لأسرهن وأولادهن، كما أن المرأة شريك ضالع فى كل أسرة مصرية وتتحمل الكثير من التبعات لتدنى المستوى الاقتصادي.


ــ ربما لأنها الأكثر بعدا عن الشعور باليأس والإحباط الذى أصاب الكثير من شباب مصر ورجالاته من استمرار وجود الكثير من المظاهر الفاسدة والوجوه المتغولة فى المجتمع التى كانت سببا رئيسا لقيام ثورتين من أجل القضاء عليها، قد تشعر بفطرتها أن هذه مرحلة ستكتب نهايتها قريبا بعد أن أصبحت الحروب الحالية تدور على أصعدة متعددة ولاسيما على أرض سيناء التى تبذل فيها جهودا حثيثة ومتسارعة من أجل تطهيرها من هذه الجماعات الإرهابية.


ــ من المؤكد أنها أدركت بحسها الفطرى أن التيارات السلفية لا تختلف كثيرا عن جماعة الإخوان الإرهابية، وأنها لو أصبحت الأغلبية فى البرلمان وكان باستطاعتها أن تشكل حكومة، سيصبح هؤلاء بما نسمعه من دعاتهم ورجالهم من فتاوى وأقاويل هم من يحكمون الحياة بمصر بما تحمله معتقداتهم من تطرف ومغالاة ورجعية وعدم احترام لكيان المرأة الذى يجب ألا تنقص حقوقه بأى شكل من الأشكال عن الرجل. نزلت لتقول لا لكل فصيل أو تيار يعود بها للوراء رغم أنها تدرك أننا بمرحلة تخبط ومخاض وأن من تختاره من المرشحين لا تعرف عنهم ولا عن توجهاتهم الأيديولوجية الكثير، فقط لن يكونوا أصواتا لهذه التيارات، أتصور أن الأغلبية منهن نزلت لموقف الرفض للتيار السلفى وما يتخفى تحت عباءته من إخوان فقط لا ضمن معرفة من تختار ولماذا تختاره، فهى تدرك بوعيها أن للضرر درجات، وأننا أضعنا وقتا طويلا فى صراعات الإسلام السياسى ومن يمثلونه دون جدوى.


ــ ربما أيضا لأن بعض النساء أكثر تصديقا وخضوعا لتوجيه وسائل الإعلام أو السلطة المتمثلة فى العائلة التى رشحت من يمثلها، أو سلطة الأحزاب السلفية والتيارات الدينية أى أنها الأكثر تأثرا بما تسمعه أو ما يمارس عليها من ضغط.


هنا يتطلب النقاش أن يظل قائما أثناء الإعادة والمرحلة القادمة من الانتخابات فى نفس كل سيدة حول من تنتخب؟ خاصة أن الكثير من الوجوه المرشحة لا أحد يعرف عنها الكثير، الانتخاب حرية فردية ويتحدد التصويت فيها وفقا لاختيار قائم على تفضيل برنامج ورؤى وسياسات تعد بتنفيذها المرشحة أو المرشح، لكن الأهم لمن يجب أن تقولى لا فى الانتخابات؟ ومن يجب أن تقاطعى وترفضى أن يكون ممثلا لكل إنسان مصرى لا المرأة فقط ؟


تجب مقاطعة كل من يتاجر بالدين ويجعله مرجعيته ليتدنى به لمتغيرات السياسة وأهدافها، من يوظفه من أجل أن يبرر أطماعه، أى أحزاب أو أفراد يقولون إسلامية وهم لا يشكلون برنامجا اقتصاديا أو ثقافيا أو سياسيا يفسرون به مقولتهم ليطبقوها على أرض الواقع، من يتاجر بالدين يمكنه أن يتاجر بالوطن وذمته وضميره.


ــ لا لكل من أفسد الحياة السياسية السابقة فى العقود الماضية واتخذ من البرلمان الذى يأتى نوابه لخدمة الشعب، وسيلة للحصانة والقوة والتكسب والنهب عن طريق الامتيازات وعن طريق النفوذ والعلاقات مع المسئولين، فإذا بهم يتحولون إلى سارقين تنتفخ بطونهم من نهب مقدرات الشعب واستحقاقات الجميع بدلا من أن يكونوا مشرعين وممثلين للشعب وحارسين لمصالحه، هم وطبقة من رجال الأعمال التى التفت حول السلطة الحاكمة السابقة وتشكلت منهم حكوماتها فى أغلب الفترات، فى تزاوج بين السلطة ورأس المال لا تستقيم معه أبسط قواعد العدالة الاجتماعية.


ــ لا لكل من يستقوى بعائلته ونفوذه وأمواله، ومن يتخذ التحالفات والصفقات مظلته التى ترعى سيادته على الفقراء، يستميلهم بالأموال واللحوم والمواد التموينية التى توزع عليهم وعلى المحتاجين فيشترى أصواتهم بثمن بخس، لو يعلمون ماذا يدفعون مقابله لحزنوا حزنا شديدا، يدفعون فى مقابله المزيد من التجاهل لمشاكلهم والمزيد من الفقر والعوز والتدنى مع ممثلى شعب لا تتحكم فيهم سوى مصالحهم الذاتية.


ــ لا لطبقة جديدة برزت على سطح المشهد السياسى تمثلت فى بعض رجال الإعلام أو الوجوه التى تملأ الفضائيات بتواجد مضلل وموجه من بعض الجهات المختلفة التى لكل منها أطماعه ومصالحه، وجود يقترب من نموذج الفتوة فى روايات «نجيب محفوظ» ، ينسون أننا دولة عريقة دولة قانون ودستور منذ قرون مضت، يتجاهلون قدر الصدق والاحترام الذى يجب أن يتمتعوا به ، يشككون فى ضمائر الكل فيما عداهم وهم الأولى بالمساءلة والتحقق من أهدافهم بزرع كل هذه البلبلة فى أذهان الجماهير.


هناك بعض المقولات التى ينبغى أن نناقشها فى هذا الصدد والتى لا سبيل لتجاهلها فى هذه اللحظات المفصلية من تاريخ الأوطان .


يدعى البعض أن الإسلام السلفى يختلف عن جماعة الإخوان المسلمين حيث إنهم جماعة دعوية لا تطمع فى الحكم ولا يعنيها سوى رفع كلمة الله، تلك مقولة خطأ ولا يطلقها سوى الجهلاء والمغيبين فطالما دخل السلفيون سباق الانتخابات هم إذن يبتغون السلطة ويطمعون فى الاستحواذ على النسبة الأكبر فى البرلمان القادم ومن ثم تشكيل الحكومة، هم إذن راغبو سلطة.


السلفيون لا يختلفون عن أى فكر دينى ينطلق من رؤيته هو للدين، وتفسيره الخاص له والذى تجمد عند مرحلة ماضية لم تلحقها التطورات اللانهائية التى حدثت بالحياة منذ نزول الرسالة وتصدى من تصدى لها بالتفسير والاجتهاد، هذا لأن أسسهم الفكرية واحدة وينطلقون منها جميعهم حتى من يدعى وسطيته واعتداله.


كل من يستند على الفكر الدينى يعتد بتفسيره هو وحده للنصوص الدينية وفهمه لها رغم اعتراف الجميع بأنها حمالة أوجه، ويرى فيه فقط ما يمثل صحيح الدين وأن أى رؤية أخرى لنفس هذه القضايا تختلف معهم فى التوجه خطأ بالضرورة، بل تصل المغالاة بالكثير منهم إلى حد تكفير هذه الفرق التى تختلف معهم أى أنهم يوحدون بين الدين ورؤيتهم هم للدين ونصوصه. وهو ما يخالف روح الدين الإسلامى السمح المعتدل.


معظم رجال الدين يغفلون تماما فعل التغيير والتطور الذى يحدثه الزمان أى ما يطلق عليه تاريخية الظواهر لذا لا يقيمون وزنا للعصر وضرورة تحديث كثير من المفاهيم التى لم يسهم فى الاجتهاد فيها السلف نظرا لحدود سياقات عصورهم وما وجد فيها.


بدأت النهضة الأوربية الحديثة عندما أعلت من قيمة العقل البشرى وجعلت له الأولوية على حساب الإفراط بالتمسك بالنص بل طوعت النص للعقل البشرى وهذا هو تماما ما دعا له «ابن رشد» منذ زمن طويل حين طالب أن يؤول النص الدينى بما يتفق مع العقل البشري، وحين فصلت سلطة الكنيسة عن الدولة والسلطات الحاكمة، كفانا اتجارا بالدين ومزجا له فى السياسة وخلطه معها، آن لنا أن ندرك أسباب جمودنا وتخلفنا التى نهرب من مواجهتها وهو ما يجب أن تسهم فيه كل امرأة مصرية متعلمة ومثقفة، نحن بحاجة لإعادة النظر فى كثير مما يبدو مسلمات اجتماعية ودينية وإعادة النظر فى مواجهة جدواها وفلسفتها العميقة.