هل قاطع الشباب فقط الانتخابات؟

28/10/2015 - 12:20:57

السفير د. عزمى خليفة

أسفرت الانتخابات البرلمانية فى أولى جولاتها عن ثلاث مفاجآت لم تكن متوقعة، كانت المفاجأة الأولى متمثلة فى انخفاض عدد المشاركين فى الانتخابات من الناخبين المصريين بصورة غير متوقعة لدرجة أن رئيس نادى القضاة علق على اليوم الأول للانتخابات بأنه لم يشهد أى مخالفات لعدم وجود ناخبين أو مرشحين، كما أن بعض كبار المسئولين والوزراء أصدر أحكاما قاسية فى حق شباب مصر باعتبارهم مقاطعين للانتخابات وقد تحتاج إلى مراجعة، لأن هؤلاء المسئولين والوزراء لم يدركوا أنهم مدينون للشعب عامة والشباب خاصة بما وصلوا إليه من مناصب الآن وذلك بفضل ثورة ٢٥ يناير وموجتها الثانية فى ٣٠ يونيه إلا إذا رأوا أمرا آخر، وذلك خلافا لكل الانتخابات السابقة مما أوضح الحاجة إلى ضرورة دراسة هذه الظاهرة أى عدم المشاركة الشعبية .


أما ثانى المفاجآت فكانت ممثلة فى خروج حزب النور ممثل الحركة السلفية خالى الوفاض من الجولة الأولى للانتخابات ،لدرجة خسارته فى الإسكندرية التى تتمتع فيها الحركة السلفية بتأييد شعبى ،وهى حزب ينضم إليه الملايين من أبناء الحركة السلفية على مستوى كافة المحافظات، وتعد هذه مفاجأة متوقعة.


أما ثالث المفاجآت فتمثلت فى اكتساح قائمة «فى حب مصر» لانتخابات القوائم فى الصعيد وغرب الدلتا رغم كل ما يحيط بالقائمة من اتجاهات لا ترجح نجاحها بهذا النجاح الساحق لأكثر من سبب، أولها عدم وجود برنامج انتخابى للقائمة ،فقد تشكلت على أنها مجرد تحالف انتخابى فقط، ومن ثم فليس لها أى وجود داخل البرلمان بعد انتخابه وكل شخص فى هذه الحالة سيمثل نفسه أو الحزب المنتمى إليه ،وهو أسلوب تحالف غير معتاد.


وثانى أسباب توقع عدم تحقيق القائمة لهذا النجاح الساحق أن القائمة شملت عددا غير قليل من قيادات الحزب الوطنى السابق بل إن بعضهم ارتبط اسمه مباشرة بقضايا فساد خلال حكم الرئيس مبارك أو ارتبط اسم العائلة بأقارب للمرشحين من الدرجة الأولى تدور حول سلوكياتهم وعلاقاتهم بقضايا فساد.


وثالث أسباب عدم توقع نجاح قائمة فى حب مصر أن الحزب الوطنى صدرت ضده أحكام بالحل ولكن التفسير القضائى للحكم أن هذا الحل لا يمس الأشخاص وإنما الكيان أو التنظيم الحزبى فقط،وهو تفسير قد يكون محتاجا للمراجعة لأن الحزب أساسا- أى حزب فى أى دولة- هو تحالف أفراد يستهدفون الوصول إلى السلطة عبر أساليب سلمية ووفقا للدستور ومن ثم فالإقرار بأن حل الحزب لا يعنى حرمان أعضائه من المشاركة السياسية قد يحتاج إلى مراجعة ،إذ أن كل ما اختفى من الحزب مبانيه فقط .


فى ظل هذه الأوضاع فالمقال الحالى يستهدف دراسة أسباب ضعف المشاركة الشعبية وهل هى مقاطعة استجابة لدعوات إخوانية كما يفسرها البعض ؟ أم أن وراء الضباب الحالى شيئا مختلفا؟ وهل الشباب فعلا هو الذى قاطع فقط أم أن عزوف المصريين عن الانتخابات كان عاما؟.هذه هى النقاط الرئيسية التى أسعى لتوضيحها.


لمعرفة من لم يشارك فى العملية الانتخابية فى أولى جولاتها لابد من دراسة البيئة التى تمت فى إطارها العملية الانتخابية فالانتخابات لم تتم فى فراغ ولكن فى بيئة لها سمات واتجاهات تؤثر على هذا الانتخابات .


أولا: الانتخابات والبيئة الانتخابية


هذه الانتخابات البرلمانية جاءت بعد عدة تأجيلات، كما أنها جاءت فى ظل أجواء تتسم بالتوتر بدعوى أن الدستور يغل يد الرئيس فى المشروعات التى ينفذها ومن ثم وجب تعديله وهى مسألة فى غاية الأهمية لأن من صرحوا بذلك هم من المرشحين لعضوية المجلس النيابى ,وهو أمر غاية فى الغرابة ولا ينم عن حد أدنى من الذكاء السياسى ،لأنه يعنى أن هذا المرشح يطالب بزيادة صلاحيات الرئيس مقابل تخفيض صلاحيات البرلمان فى الرقابة والتشريع مما أدى إلى شيوع حالة من عدم الاطمئنان لدى الشعب على مستقبل مصر خاصة وأن تاريخ مصر يؤكد أن تغول البيروقراطية (أى الحكومة) على البرلمان سبب رئيسى من أسباب ضعف الديمقراطية فى هذه الدولة، وهو ما دفع الشعب لطرح تساؤلات من قبيل إذا كانت النخبة التى تسعى لدخول البرلمان غير مقتنعة بصلاحياته الحالية فلماذا تسعى لدخوله أساسا ولماذا تصر على الحد من صلاحيات البرلمان أى الشعب مقابل زيادة صلاحيات الرئيس والحكومة ؟ وكيف تظهر مثل هذه الاتجاهات بعد ثورتين فى أقل من عامين استهدفتا تداول السلطة وإحكام الرقابة على الحكومة كوسيلة للحد من الفساد الذى أصبح مقننا فى عهد مبارك .


كذلك جاءت اللجنة العليا للانتخابات لتزيد الأمر غموضا فقد أصدرت سبعة قرارات بعضها جديد يصدر لأول مرة كالقانون الخاص بالدعاية ولجنة ضوابط تنظيم الإعلانات الدعائية ولم تحاول شرح هذه القرارات للناخبين وكأنهم غير معنيين بالأمر، وهو أمر انعكس بالفعل لحظة إعلان النتائج فقد أعلن فوز البعض ثم ثبت أنه سيدخل الإعادة فى الجولة الثانية للمرحلة الأولى .


كذلك تم تغيير حدود الدوائر الانتخابية فبعد أن كان لدينا ٢٢٢ دائرة انتخابية تضاعف العدد إلى ٤٤٤ إضافة للعشرة مقاعد المعينة، كما تغير عدد النواب لبعض الدوائر فبعض الدوائر كان مطلوبا لها نائبان والبعض الآخر ثلاثة والبعض الآخر أربعة مما أصاب العملية الانتخابية بالغموض .


كذلك اتبعت مصر فى هذه الانتخابات نظامين انتخابيين معا الفردى والقائمة ولم يعرف البعض أنه مناط به وضع كل ورقة على حدة فى صندوق مستقل داخل اللجنة وهى إجراءات معقدة بالنسبة لبعض المصريين وخاصة فى الريف والمناطق التى تشهد ارتفاعا فى نسبة الأميين.


والخلاصة أن العملية الانتخابية شابها الكثير من النواقص التى أدت إلى غموض الاجراءات الانتخابية وهى مسألة تستحق العلاج فى المرحلة الثانية للانتخابات على الاقل.


ثانيا: دور الإعلام فى الانتخابات


خلال العملية الانتخابية فى أى دولة لا يخلو دور الإعلام من ثلاثة أدوار رئيسية ينبغى أن يقوم بها وهى توعية الناخبين، وأن يكون منتدى ومحفلا للحملات الدعائية ، وأخيرا ضبط الخروقات التى تتم لتحقيق أكبر قدر ممكن من الشفافية، إلا أن الإعلام المصرى فى هذه الانتخابات تخلى عن كل ذلك للأسف الشديد واتجه إلى الإثارة، والتركيز على قضايا هامشية مثل قضية سما المصرى التى أفرد لها عدة ساعات على عدة قنوات ليناقش هل من حق راقصة أن تترشح للانتخابات أم لا .


كذلك اتسم الأداء الإعلامى بغلبة الطابع الإعلانى على الطابع الحوارى بهدف تحقيق مكاسب مادية فلم نشهد مناظرة واحدة بين المرشحين على غرار ما حدث عام ٢٠١٢، والتركيز على الدور الخدمى للنائب كحل مشاكل أبناء الدائرة بدلا من التركيز على دور المرشح التشريعى والرقابى ، إضافة إلى أن الاعلام كان مقصرا فى دوره التوعوى بعدم شرح القوانين التى أصدرتها اللجنة العليا للانتخابات والسابق الإشارة إليها .


ولكن أخطر ما قام به الإعلام وأدى إلى نتائج سلبية كان التركيز الدائم للدعوة إلى نزول الشعب للمشاركة فى الانتخابات وإثارة المخاوف من السلفيين والإخوان مما أدى إلى رد فعل عكسى لدى الناخبين خاصة فى ظل غموض الإجراءات الانتخابية، والغياب الواضح للنقاشات السياسية والخلط الدائم بين دور المحليات ودور البرلمان والتركيز ايضا على ضرورة تعديل الدستور دون الإشارة إلى مبررات ذلك اللهم تكرار الحجة السابقة المتمثلة فى أن صلاحيات البرلمان أكثر من اللازم وهى حجة تضر أكثر مما تنفع.


ثالثا:القضايا السياسية المثارة


من ناحية ثالثة تمت المرحلة الأولى فى ظل مناخ سياسى واقتصادى يتسم بالتوتر والاستقطاب الحاد، فقضية تعديل الدستور قبل الانتخابات أثارت القلق لدى الشعب وخاصة الشباب الذى وجد أن مصر تعود للخلف فالفلول تم ترشيحهم ، كما تم السماح لحزب النور بالمشاركة فى الانتخابات رغم طبيعته الدينية وهو ما يخالف الدستور صراحة وزاد الحزب من الطين بلة بتصريحاته المتتالية عن فرض الشريعة ورفض قبول رئيس وزراء علمانى وما إلى ذلك من قضايا تعيد إلى النفس البشرية أجواء المرحلة الإخوانية التى ثار ضدها الشعب المصرى فى ٣٠ يونيه.


كذلك تمت المرحلة الأولى للانتخابات فى إطار أزمة اقتصادية مستحكمة كان أبرز مظاهرها تدهور قيمة الجنيه أمام الدولار وباقى العملات الاجنبية وإطلاق الإعلام المصرى عدة شائعات ثبت فيما بعد عدم صحتها مثل إغلاق بعض الشركات الأجنبية لفروعها فى مصر ، ومشاركة رئيس البنك المركزى فى ذلك عبر تصريحات غير مسئولة من ناحية وتأكيده بشكل غير مباشر عدم وجود خطة استراتيجية لمعالجة الأزمة نتيجة عمل كل وزير فى إطار منعزل عن باقى وزراء المجموعة الاقتصادية مما أصاب الشعب بقدر ليس يسيرا من الإحباط والقلق، خاصة وأن هذا الشعب تحمل بالفعل الكثير من أجل دفع عجلة الإنتاج فى البلاد فى ظل تصريحات متضاربة لرئيس الوزراء ووزيرة التضامن الاجتماعى ووزير المالية ووزير التخطيط مما أدى لزيادة القلق .


الأخطر من ذلك أن التصريحات الحكومية أخذت تحمل الإخوان مسئولية تدهور سعر صرف الجنيه فى حين أن هذا التدهور ناتج عن اختلالات جوهرية فى الاقتصاد المصرى مثل اختلال الميزان التجارى وميزان المدفوعات ، وزيادة الواردات على الصادرات ، وضعف الانتاج نتيجة توقف ١٥٠٠ مصنع ومصانع النسيج الرئيسية التى أقامها طلعت حرب العظيم، وفى هذه الأجواء تظهر تصريحات تنم عن السذاجة مثل تصريحات رئيس تحرير إحدى الصحف المستقلة حول أسباب ارتداء الرئيس نظارة سوداء ، أو تصريحات رئيس حركة تمرد بأن الشعب قاطع الانتخابات لأنه يكتفى بالرئيس مشرعا ومنفذا وهى حجة انتشرت على لسان عدد من الإعلاميين .


هذه التصريحات فى مجملها أصابت الشعب بالإحباط فازداد اغترابه وتعرض لمزيد من اختلال المعايير وتضادها مما دفعه لعدم الاهتمام بإبداء رأيه خاصة وأن التبريرات التى طرحها البعض لقبول الفلول على قائمة «فى حب مصر» لم تكن مقنعة، ومن هنا يكتسب تصريح الرئيس للإعلاميين حول رفع الدعم أهمية خاصة فقبل رفع الدعم ينبغى أن يعلم الشعب ما يمكن ان تقدمه الحكومة للفئات غير القادرة لمواجهة الموقف، خاصة وأن أسلوب تعامل الإعلاميين مع التصريحات كان مستفزا فبالرغم من أن الرئيس صرح بذلك للإعلاميين إلا أن بعضهم خرج علينا ليدعى أن الرئيس يفكر حاليا فى رفع الدعم لأن البلد لازم «تقب».


ولم تطرح الحكومة أية أفكار من خارج الصندوق للخروج من الأزمة الاقتصادية مثل ضرورة تشغيل المصانع المغلقة سواء كانت مصانع قطاع عام أو مصانع للقطاع الخاص والتجربة الروسية مازالت ماثلة فى الأذهان فالأمن القومى لمصر يتقدم، ومثل مشاركة الحكومة للشعب فى مشروعات اقتصادية فبدلا من بيع أراضى الدولة بمساحات شاسعة للأثرياء ليزدادوا ثراء فيمكن للدولة مشاركة الشعب فى مشروعات اقتصادية وإسكانية وهو اقتراح تقدمه للدولة شابة مصرية فى مقتبل العمر مرشحه لعضوية مجلس النواب فى حلوان (دينا عبد العزيز) ، والفكره تعد تطبيقا لبنك الفقراء الفكرة التى نال عليها عالم الاقتصاد البنجلاديشى محمد يونس جائزة نوبل فى الاقتصاد عام ٢٠٠٧ على ما أذكر وهو ما يتطلب تطوير أنشطة الصندوق الاجتماعى أيضا لدعم دور الصناعات الصغيرة فى الاقتصاد المصرى .


كذلك لابد من وضع استراتيجية اقتصادية متكاملة بين وزراء المجموعة الاقتصادية كلهم وبمشاركة محافظ البنك المركزى تستند إلى ترشيد الاستيراد من الخارج، وحماية المصنوعات الوطنية وترشيد استخدام العملة الصعبة وفرض الرقابة على شركات تغيير العملة والاتجار فيها.


رابعا: هل الشباب قاطع الانتخابات؟


الشباب المصرى وعيه السياسى مرتفع ، ولم أر تصريحا واحدا للشباب يعلن فيه مقاطعة الانتخابات استجابة لدعوات إخوانية ، بل إنه كان يناقش مثل هذه الدعوات ويفندها ويرفضها ولكن غاية ما فى الأمر أنه يرفض استخدام الإخوان كفزاعة، ويرفض الدور الحالى للإعلام ورجاله، ويرفض إعادة رجال الحزب الوطنى إلى البرلمان، ويرفض استمرار الفساد ، فقد ثار ضد كل هذه الاعتبارات، فالشباب المصرى الذى تجاهل الانتخابات هو نفسه الذى ثار على الإخوان فى ٣٠ يونيه وهو نفسه الذى منح وزير الدفاع تفويضا مرتين لمحاربة الإرهاب مع أن وزير الدفاع لم يكن فى حاجة إلى مثل هذا التفويض، وهو الذى طالب وزير الدفاع للترشح للرئاسة ، وهو الذى وقف طوابير ممتدة لعدة كيلومترات لانتخاب الرئيس السيسى وهو الذى كرر الوقوف فى نفس الطوابير للموافقة على الدستور فلماذا اختفى من المسرح فى الانتخابات البرلمانية ؟ وهل هو الغائب الوحيد؟


إن نسبة المشاركة فى الانتخابات متدنية للغاية باعتراف الجميع كما أشرت ، والشباب يمثل ثلثى عدد سكان مصر وهذا يعنى أن الذى غاب عن المسرح السياسى فى الانتخابات البرلمانية لم يكن الشباب فقط، ولكن من المؤكد أن هذا الغياب للشباب قد رفع نسبة الغياب، وكان الغياب نتيجة اليأس والإحباط لأنه شعر أن الثورة انهارت بالكامل وأن البلد لم تعد بلده فعاد إلى سلوكيات ٢٠١٠ بعد الانتخابات .


فماذا نفعل؟ ما يمكن فعله أن نعطيهم أملا لغد ليس بوضعهم نواب وزراء أو مساعدين للنواب ولكن بإعطائهم الفرصة ليقفوا إلى جوار بلدهم وأن يعربوا عن آرائهم وأن نشجعهم على انتخابات المحليات وتعيينهم فى مجالس المدن والأحياء وأن نفهم آلية الاحتجاج لديهم وما يشغل فكره وأن نتوقف عن محاولة التشكيك فى ولائهم فالثورة المصرية شارك فيهم ٢٠ مليون شخص فلو قبل البعض منهم تمويلا أجنبيا فليقدم لمحاكمة عاجلة ولينال جزاءه وسنرى أن عدد من يحكم عليه لا يدفعنا لوصم مجمل الشعب المصرى بالخيانة، والإشارة لذلك من وقت لآخر ومحاولة حصار أفكارهم.


إذا قدر لمصر التقدم فلن تتقدم إلا بشبابها هذا هو درس التاريخ والأيام بيننا.


والخلاصة أن ضعف المشاركة السياسية كانت نتيجة تفاعلات عديدة مثل البيئة الانتخابية التى تتسم بالارتباك والدور الإعلامى الفاشل ، و القضايا المثارة سياسيا واقتصاديا وهى تعكس قدرا من التضارب وتشيع روح الإحباط وتضارب المعايير، ولذا فالجو العام كان مع لا ضد المشاركة فى الانتخابات ولم يكن الشباب هو الغائب الوحيد ويحتاج الأمر إشراكهم فى الحياة السياسية ومكافحة الفساد كبداية جادة لمرحلة جديدة من مراحل نضال مصر نحو الاستقلال والحرية.