الاستعمار المجازى وحكاية كرات الثلج والكنغر والسناجب الناعمة

28/10/2015 - 11:05:06

بقلم - أسامة عفيفى

كتب المفكر الرائد الراحل أستاذنا الدكتور زكى نجيب محمود مقالا بـ»الأهرام» فى ثمانينيات القرن الماضى عن الاستعمار الثقافى الذى يمسخ لغتنا وثقافتنا العربية ولقد كان لأستاذنا زكى نجيب محمود ولع بالتحليل اللغوى والمجازى كمقدمة لتحليل الفكر وقال يرحمه الله فى سياق تحليله لبعض الظواهر اللغوية أن الكتاب العرب قاموا بترجمة الكثير من المصطلحات المجازية من اللغة الإنجليزية أو الفرنسية واستخدموها بنصها للتعبير المجازى عن حياتنا اليومية والثقافية وذكر مثلا لهذه الترجمات الحرفية ما يقوله عادة المفكرون العرب المعاصرون تعبيرا عن الدقة والحسم: «ينبغى أن نضع النقاط فوق الحروف» واستطرد الرجل قائلا إن استعارة المفكر العربى لهذا المصطلح بنصه حرفيا يعنى أننا نقلد الغرب كالقردة. ولا نعمل عقلنا فى مصطلحاته وكأنها مقدسة غير قابلة للنقاش. فالمصطلح المجازى الغربى ابن شرعى للغته فالنقاط فى الإنجليزية والفرنسية توضع فوق الحروف فقط أما فى لغتنا العربية فالنقاط توضع فوق الحروف وتحتها وقال ساخرا: فإذا كنا مُصرين أن نستعير المصطلع الغربى فعلى الأقل ينبغى أن نعربه وفق طبيعة لغتنا فنقول: «ينبغى أن نضع النقاط فوق الحروف وتحتها»


فالتعريب غير الترجمة. وأذكر أننى ناقشته فى هذا المصطلح على هامش أحد «سيمينارات» قسم الفلسفة بجامعة القاهرة وسألته: ولماذا لم تقترح مجازا عربيا أصيلا ليستعمله الكتاب والمثقفون بدلا من تعريب المصطلح الغربى فقال ضاحكا: ما هذا الكسل العقلى يا عفيفى؟ دورى أن أنبه للخلل وعلى المثقف المهموم بثقافته أن يفكر ويبتكر, لقد علمناكم فى قسم الفلسفة المنهج العلمى فى التفكير لتبتكروا وتفكروا وتستنبطوا , ففكروا. فقلت خجلا وهل يمكننا أن نستعيض عن هذا المجاز الأجنبى بالقول العربى الشهير: «قطعت جهيزة قول كل خطيب»؟ ضحك وقال: «ولم لا عليك أن تنقب عما هو أسهل ولا يحتاج للشرح فأهمية المجاز أنه قول مختزل واضح لا يحتاج الى تفسير و يفهمه القارئ مباشرة وبسهولة.. فكر واستنبط «... ومضى ضاحكا ضحكته الطيبة الوقور..


تذكرت هذا كله وأنا أتابع الكتابات الصحفية والأدبية المتداولة فى واقعنا الثقافى واكتشفت أنها مفخخة ومليئة بالمصطلحات المجازية المنقولة حرفيا دون تمحيص أو تفكير حتى باتت كتاباتنا كلها ملغمة بالاستعارات والمجازات التى لا علاقة لها بثقافتنا أو بيئتنا حتى أصبحت الكتابة العربية مستعمرة كبيرة تمسخ وجداننا ووعينا ومن أشهر هذه المجازات الاستعمارية مايكتبه البعض فى كثير من المقالات فى الصحف الكبرى تعبيرا عن إعجاب كاتب المقال وتقديره لشخص ما فيقول: «هذا الرجل أرفع له قبعتى احتراما لدوره وجهوده المميزة»وكأن المصريين جميعا يلبسون القبعات!!! أما المصطلح الأكثر شيوعا عندما يكتب أحدهم عن شيوع فكرة بطريقة سريعة فيقول: «وكبر الأمر بسرعة هائلة ككرة الثلج المنحدرة من أعلى الجبل !!!! فتتلفت حواليك فلا تجد غير هجير الحر يحاصرك والرياح المحملة برمل الصحراوات المحيطة يلفع قفاك فلا ثلج هناك أو جبال!!! ويتفلسف ثالث فى تحليله السياسى الألمعى ليصف مصير خصمه السياسى الذى ينتقده قائلا إنه يقود سفينته دون خبرة وبطريقة رعناء وحتما ستصطدم السفينة بجبال الثلج الغاطسة وستنشطر إلى شظايا» وبالطبع لا جبال ثلجية عندنا طافية أو غاطسة على الإطلاق.. المضحك أننى قرأت لكاتب من صعيد مصر يصف طفلا يتقافز حول أمه المتجهة إلى السوق قائلا: «كان الولد يتقافز حول أمه ككنغر صغير مرة يتقافز أمامها ومرات خلفها وهى غير ملتفتة له على الإطلاق»وتعجبت أين رأى صديقنا الكاتب الجنوبى هذا الكنغر رغم عدم وجود أى حديقة حيوان فى جنوب مصر , وكيف للقارئ أن يعرف طريقة الكنغر فى التقافز وهو لا يعرف شكل الكنغر أساسا؟!!! ومن أظرف المجازات وأكثرها إثارة للضحك ماكتبه أحدهم فى وصف حبيبة بطل قصته فى قصة منشورة بإحدى الصحف المشهورة إذ يقول: «سنجابية الملمس تحرك كتفيها كطائر البطريق برشاقة آسرة» وللوهلة الأولى ظننت أن كاتب القصة من القطب الشمالى حيث تكثر البطاريق والسناجب لكننى اكتشفت أنه مصرى أصيل ويعيش فى القاهرة فلم أستطع كتم الضحك لدرجة أن صديقا فى المقهى استغرب ضحكى الهيستيرى وسألنى ما الذى يضحك فى الجريدة؟ نكتة؟ ’فسألته جادا : هل تعرف الملمس السنجابي؟ فاتسعت عيناه من الدهشة وأعتقد أن مسا من الجنون قد أصابنى وتساءل: الملمس ال إيه؟ فأجبته: السنجابى , تعرف السنجاب؟ فصمت قليلا وقال لأ, إيه السنجاب ده؟ فقال صاحبه الجالس بجواره: ياأخى السنجاب اللى زى الفار ده وديله طويل ونافش وبيجى فى عالم الحيوان وتساءل هو الآخر: ماله السنجاب؟ ضحكت وقلت تعرف ملمسه إيه؟ فضحك الصديق قائلا: إنت مالك بجد إنت عيان؟؟ فقلت منسحبا من الحوار حتى لا أتهم بالجنون فى مقهى منطقتنا :لا أبدا ماتخدش ف بالك ,ونظرا إلى نظرة مشفقة متشككة وصمتا وضحكت بينى وبين نفسى وقلت من أين لهذا الكاتب الفذ معرفته بنعومة شعر ذيل السنجاب أو برشاقة حركة كتفى البطريق حتى يصف امرأة بهما ؟ وكيف سيتذوق القارىء الذى لا يعرف الاثنين تشبيهه البليغ العبقرى..؟ إنها الرغبة فى البحث عن الغريب والمختلف والإنسحاق أمام كتابات الغرب والنقل الحرفى منها للظهور بمظهر المجدد الحداثى بغض النظر عن التواصل الحقيقى مع القارئ. أما الأكثر إضحاكا فهو وصف أحد كتاب القصة لبطل قصته قائلا: «كان شهما وجدعا يقف وسط أهله ك»القندس»الطيب يحميهم ويرعاهم بحنو «قندسي»رائع»الأكثر طرافة أن الكاتب وضع هامشا فى آخر قصته ليعرف الناس بهذه الصفة اللوذعية التى لم يأت بها أحد من قبل فقال: «القندس حيوان كبير من القوارض يعيش فى أنهار أوربا وأمريكا الشمالية يبنى السدود فى الأنهار من أفرع الشجر ليحمى أسرته من التجمد ,ويخزن طعاما ضخما له ولأسرته «, فهل كان الكاتب بحاجة ملحة لاستخدام هذا المجاز المنقول من روايات وقصص غربية يعرف قراؤها «القندس»ومهاراته ؟ وهل خلت الثقافة العربية من أمثال للحنان أوالرجولة حتى يستعير صاحبنا من الغرب تشبيها يضطر لتعريفه فى آخر القصة؟ وأذكر أن الشاعر الدكتور يسرى خميس قد نبهنى أن صاحبنا هذا قد عرف حكاية «القندس «من قصة لكافكا بنفس العنوان رغم أنها عند كافكا ذات دلالات جمالية وفلسفية أخرى فنقل الاسم ليستعرض عضلاته المعرفية على زملائه من الكتاب وعلى قرائه أيضا.


كما نبهنى أحد الأصدقاء الى أن هناك رواية لكاتب سعودى نافست فى القائمة القصيرة لجائزة البوكر وترجمت لى الفرنسية باسم «القندس»أيضا تدور أحداثها عن التفكك الأسرى فى إطار درامى اجتماعى نقدي


والشيء بالشيء يذكر فلقد ذكر لى أستاذنا الدكتور عبد الغفار مكاوى فى حوار هاتفى قبل رحيله المباغت وكنت أطالبه فى الحوار بإعادة طبع كتابه المهم «ثورة الشعر الحديث»فقال لى ضاحكا أنت تريد أن يقتلنى بعض الشعراء العرب فاستغربت من تعليقه وسألته لماذا؟ فقال ضاحكا: أغلبهم نقلوا من نماذج الشعر الغربى والألمانى التى قمت بترجمتها فى هذا الكتاب فلقد نقلوا صورا شعرية كاملة تعد من أجمل مانشروه وعندما تطبع طبعة أخرى من الكتاب سينكشف أمرهم للناس فينفضحون وقد يستأجرون من يقتلنى وأغلبهم ممن يدعون الحداثة «لن أذكر هنا الأسماء التى ذكرها ولا المقاطع التى نقلوها» وضحك عمنا عبد الغفار مكاوى كثيرا وقال: الغريب أن أغلبهم نقل مجازات وصور لا علاقة لها بثقافتنا ومن يقرؤها يعرف أنها صور ومجازات تنتمى لميثولوجيا وثقافة الغرب والثقافة الألمانية بالتحديد , وأضاف ضاحكا: المشكلة أنك إن كشفت مانقلوه سيقولون لك إنه «تناص»والحقيقة أنه «تلاص»كما يقول عز الدين المناصرة فى كتابه الشهير!!. قلت له الحقيقة أنه مجرد تعريب ركيك للثقافة الغربية وإحساس بالدونية والانسحاق أمام منجزها الإبداعى ورويت له قصة مقال الدكتور زكى نجيب محمود وحوارى معه فقال ضاحكا: سواء كان تناصا أو تلاصا أو تعريبا ركيكا فهو خيبة قوية ولابد من فضح الذهنية التى تقف خلفها.


نعم ينبغى فضح هذا الاستعمار المجازى المخزى ووضع النقاط فوق الحروف وتحتها كما قال عمنا زكى نجيب محمود .