سيد الوكيل يرى العالم فى «لمح البصر»

28/10/2015 - 1:03:19

بقلم : د. مصطفى الضبع

إذا كان لكل ثقافة سردها فإن لكل جيل ولكل مرحلة استراتيجيتها السردية ولكل عصر قدراته على التعبير (عن أو بـ ) قضاياه وعواطفه وأحلامه .


وهذه السلسلة من المقالات تعمل على البحث عن مساحات جديدة تضاف إلى خارطة السرد العربى ، أقلام قدمت نفسها خلال نهاية القرن الماضى وبداية الألفية الجديدة ونجحت خلال سنوات قليلة فى تقديم الملامح الأقوى لتجربتها السردية ، تتشارك جميعها فى تقديم صورة السرد فى الألفية الثالثة .


لا تقف حدود المساحة عند حدود التجربة المصرية وإنما تتسع لتشمل الكتابة السردية الجديدة فى وطننا العربى الكبير ، مما يجعل من الكتابة عن هذه المساحة مشروعا يليق بالنقد مقاربته ويليق بالنقاد محاولة الإسهام فى تقديم الصورة كاملة قدر الإمكان وهو ما يساعد على تحقيق عدد من الأهداف التى تتجاوز مجرد الكشف عن المساحات الجديدة ، إذ يكون لذلك دوره فى الكشف عن مساحات مضاءة للباحثين فى الشأن السردى والمهتمين به ، والكشف عن التأثيرات المتبادلة بين النص الأدبى من جهة والميديا وتطبيقات التكنولوجيا الحديثة من جهة أخرى .


سيد الوكيل قاص وروائى وناقد مصرى تضعه تجربته فى الطبقة الأولى من كتاب الرواية خاصة والمبدعين عامة (الطبقة التى يقرأ مبدعوها أكثر مما يبدعون فتأتى أعمالهم متميزة، خلافا لطبقة تقرأ قدر ما تكتب فتأتى أعمالها مذبذبة المستوى، وطبقة أخرى تكتب أكثر مما تقرأ فتأتى أعمالها ضعيفة لا يعول عليها ولا تحقق حياة) .


يجمع سيد الوكيل بين وعيين أساسيين تقوم عليهما تجربته: وعى المبدع صاحب التجربة، ووعى الناقد صاحب الرؤية وهو ما تؤكده قائمة أعماله التى جاءت استجابة لتجربة عميقة تقوم على أساس من الفن الجميل وليس مجرد البحث عن كتابة سهلة إعلامية الطابع، سطحية المستوى، ضعيفة التأثير.


له أربع مجموعات قصصية تضعه فى مكانة تليق به بين كتاب القصة القصيرة ممن حرصوا على كتابتها:


- أيام هند – نصوص ٩٠ – القاهرة ١٩٩٠.


- للروح غناها – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة ١٩٩٧.


- مثل واحد آخر – طبعة خاصة – القاهرة ٢٠٠٤.


- لمح البصر – روافد للنشر والتوزيع – القاهرة ٢٠١٤.


وله روايتان ضمنتا له موقعا متميزا بين كتاب الرواية من أبناء جيله:


فوق الحياة قليلا - الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة ١٩٩٧.


شارع بسادة – الدار للنشر – القاهرة ٢٠٠٨.


وله كتابان نقديان يحددان رؤيته النقدية ويكشفان عن مجال عمله فى مقاربة النصوص :


مدارات فى الأدب والنقد – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة ٢٠٠٢.


أفضية الذات، قراءة فى اتجاهات السرد القصصى – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة ٢٠٠٦.


وله عمل يجمع بين السرد القصصى والسيرة الذاتية:


الحالة دايت ـ متتالية فى سيرة الموت والكتابة – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة ٢٠١١.


ينتمى الوكيل للكتاب الذين وقفت أعمالهم الأولى على أعتاب الألفية الثالثة، بدأ الكتابة فى الثمانينيات وتحقق له الانتشار فى التسعينيات وتأكد نضج مشروعه بداية الألفية الثالثة، والذين ينتمون لهذه المرحلة ومرت أعمالهم بالمراحل نفسها يمثلون جيلا يحقق تفرده من تجاوزه أيديولوجية الجيل السابق ومشكلاتها فلا هو جيل اليسار الذى عانى من تعقيداته ولا هو جيل الانفتاح الذى عانى مشكلاته، ولأن الوكيل يعد نموذجا لهذا الجيل الذى قرأ السابقين بعمق واستوعب تجربة المشهد الروائى مخلصا لتلمذته لنجيب محفوظ محتفظا بمسافة تخص الكتابة وتتحقق عبر قراءة محفوظ لا ادعاء تلمذته بالاقتراب منه أو منح النفس صك الحديث عنه أو باسمه.


يقول تعبيرا عن رؤيته للكتابة «فالكتابة هكذا، ليست تعبيرا عن الحياة.. بل هى طريقة من طرائق عيشها. ليست ردا لفعل ما، بل هى الفعل نفسه»(سيد الوكيل: الحالة دايت)، وهو ما يجعل من نصوصه مجالا للحياة.


إذا كانت مجموعته القصصية الأولى «أيام هند» تكشف عن موهبة الكاتب، فإن المجموعة الثانية «للروح غناها» تكشف عن نضج الموهبة، وظهور طاقات دلالية تتناسب ونضج الكاتب، فيما تؤكد المجموعة الثالثة «مثل واحد آخر» عمق التجربة وقدرتها على تقديم كاتب حريص على خدمة مشروعه عبر العناية بتفاصيل التجربة ومن قبلها العناية بالخلفية المعرفية للتجربة عبر مشروع قراءة واسع المجال يقوم على عمادين أساسيين: قراءة السرد ومكاشفة نماذجه العليا، وقراءة السينما عبر مقاربة نماذجها ومتابعة مراحل تطورها، وتأتى المجموعة الرابعة لتقف بمشروع الكاتب عند منعطف تجربة جديدة لا تشى بالقدرة على التشكيل فحسب وإنما تقدم نموذجها الخاص بالقدرة على التخييل عبر التقاط تفاصيل يدرك المتلقى واقعيتها غير أنه لا يخطئ التعامل معها فنيا ممررة بوعى كاتب يعرف كيف يشكل نصه معتمدا طرائق خاصة فى رسم النص.


تتآلف إلى حد كبير نصوص المجموعة القصصية عند سيد الوكيل مما يجعلها مجموعة من التوائم المتقاربة، تبدو للوهلة الأولى متبعة طريقة / طرائق محدودة فى إنتاج دلالتها ، ولكن سيد الوكيل يعمد للتنويع فى مجالات القص عبر المجموعة الواحدة، وهى أولى علامات الحرص على إبقاء المتلقى على درجة اهتمامه إلى ما بعد نهاية القراءة التى ليس معناها نهاية التلقى بالطبع، وهو ما يتكشف عبر نصوص المجموعة الرابعة ذات الطابع الخاص من بين مجموعات الكاتب.


تضم مجموعته الجامعة بين تقنيات السرد القصصى وطريقة سرد الأحلام «لمح البصر» تسعة وثلاثين نصا قصصيا تميل جميعها للقصر(كثير منها لا يتجاوز نصف الصفحة)، معبرة عن عنوانها الأخير الذى تصدر المجموعة «لمح البصر»، ذلك التعبير الذى يجعلها تقارب مساحات مكانية فى لحظات زمنية سريعة تناسب سياق الحلم وطرائقه وتجعل من النصوص لحظات تتجاوز الوعى بالزمن إلى الوعى بالحدث من حيث هو مخزن استراتيجى للرمز أولا ولإنتاج الدلالة النصية ثانيا ودليل على منجز السارد وقدرته على تقديم حدث شيق، جذاب، دال ثالثا.


عناوين النصوص بوصفها عتبات لا تحيل إلى النص بقدر ما تحيل إلى العالم خارجه وخاصة تلك العناوين ثنائية التركيب (أربع وعشرين نصا من مجموع تسع وثلاثين)، ومنها: لمح البصر – اللعبة – شغف الطريق – قلق الأربعين – ساعة العمر – حق العودة – حافة الموت – خازن النار – شاشة العرض – طقوس الدوام – ليلة الملائكة، وغيرها.


وثنائية التركيب فى العنوان المكون من سبيكة (المضاف والمضاف إليه) تأخذنا إلى ثنائية العالم عبر نظامين: نظام القوة والقوة المضادة أولا، ونظام السرد الثنائى القائم على السارد وصديقه أو الشخص المقرب منه الذى يعتمد عليه فى إنجاز عملية السرد ثانيا، وفى كثير من النصوص يتشكل العالم من شخصيتين (السارد وصديقه) بوصفهما شاهدين على العالم غير مشاركين فى صنعه أحيانا كثيرة، وبوصفهما نموذجا للعلاقة القائمة بين اثنين فى مواجهة العالم المضاد، الشخصيتان هنا تعدان تمثيلا نشطا لوجهى العالم: الأنشط والأقل نشاطا، الفاعل والمتلقى للفعل، السارد الكاشف والتابع للكشف، حيث تبدو العلاقة ليست نوعا من النظام الحميم للكون بقدر ماهى نوع من الطاقة الاستبصارية لرؤية العالم من خلال نظرة أكثر عمقا يكون الصديق فيها أداة لكشف ماوراء رؤية السارد أو ترجمة لها فى حركة من ديمقراطية السرد يمنح السارد فيها الآخرين مساحة للحركة الفاعلة، فى قصة “ساعة العمر” يستهل السارد عمله بفعل الخروج من حيز ضيق إلى حيز أوسع مكاشفا الخارج الذى يمنحه مساحة من الملاحظة: “خرجنا من مبنى الإذاعة فلاحظت أن النيل لم يعد موجودا، عرفت أننا خرجنا من باب سرى غير الذى أعرفه، عندئذ تذكرت مخاوفى من الطرق المجهولة. ارتبكتُ، إلا أن صديقى المذيع أبلغنى أنه أفضل الأبواب للهروب من هنا. بدأت أشعر بالقلق ونحن نمضى فى شوارع ضيقة مزدحمة، حتى وصلنا إلى ميدان باب الحديد.


سألنى المذيع عن آخر أعمالى الأدبية، فقلت أننى تركت على جهاز الكمبيوتر ثلاثة أعمال لتكتبها الأجيال القادمة. وأخفيت عنه نيتى على التطوع للجيش (ص ٣٥)، النص يعد تمثيلا للكشف عن دور السارد فى الكشف ودور الصديق فى التذكير أو طرح الأسئلة المثيرة لمعرفة السارد والتى من شأنها تزويد المتلقى بما يحتاجه لاكتشاف النص، والشخصية هنا تمهيد لاكتشاف نماذج أخرى من الشخصيات ذات الطبيعة المحايدة التى تعمل على تنفيذ إرادة قوة عليا تمارس فعلها على السارد (خادم السرادق فى قصة)، “خالص العزاء” والسائق فى قصة “شغف الطريق”.


فى جملة النصوص يبدو العالم مرئيا من زاوية الحلم الذى يأتى بوصفه غلافا شفافا لما هو وراء السطح اللامع غير أن المتلقى (هكذا يجب أن يكون فعله) يكون عليه أن يعبر الغلاف الشفاف لرؤية مجموعة العلامات التى يقدمها الحلم دون الثقة فى فعلها تماما حيث الحلم لايراهن على الأحداث التى تبدو غير موثوق فيها حتى من قبل السارد نفسه، وإنما يكون الرهان على العلامات التى تكون أقرب للتأويل أو يعتمد عليها التأويل بالأساس.


فى قصته “خالص العزاء” رغم أن النص يقوم على مشهد عزاء “زوجة وزير الداخلية” فإن صيغة العنوان لا تقف عند حصار النص فيها أو لا تكون مجرد نقطة عبور إلى المتن بقدر ما هى عبور للعالم الذى جاء العزاء تمثيلا (رامزا) له، فخالص العزاء ليس للفقيدة أو فيها وإنما لعالم تكاد تفاصيله تكون مبثوثة فى النصوص جميعها، لذا تأتى القصة عابرة للمشهد المرسوم وقافزة عليه.


فى النصوص جميعها تبدو المشاهد معتمدة على التصوير الخارجى، حيث الأمكنة مفتوحة لاحتمالات الفعل ورد الفعل ففى الأمكنة المغلقة ترتفع مساحات التوقع لما يفعله الأشخاص المحددون والمتوقع عددهم ونوعيتهم (ماذا تتوقع فى حركة أشخاص داخل أسرة مثلا ينقل السارد عالمها؟) خلافا لمكان مفتوح يحتمل زيادة أعداد شخوصه فى أى لحظة كاسرا أفق توقع المتلقى، حيث يغلب على القصص حركتها فى الشارع، مفردة تتكرر تسع عشرة مرة على مدار القصص كاشفة عن مساحة فعلها وراصدة لعالم مزدحم من الأشخاص الذين يتأسس عليهم فعل المواجهة ويسمح المكان بحركة الحشود، هكذا تكشف قصة «شغف الطريق».


قبيل بداية نفق الأزهر، رأيتُ الحشودَ مرة أخرى، وسمعتهم يهدرون بأصوات يتردد صداها فى كل مكان.


فى نهاية النفق رأيتهم من جديد، فتعجبت، كيف تركناهم هناك، وكيف نجدهم هنا؟


ثمة رائحة حارة تملأ الجو، مزيج من عطارة وطعام، وغضب. فيما كانت السيارة تتحرك ببطء شديد، كان الدراويش يحيطون بها ويلصقون وجوههم بالزجاج حتى شممت أنفاسهم. فوجفت قلوبنا بالخوف والرهبة.


سألنى السائق إذا ما كان لدينا فرصة للخروج من النفق. فقلت إن علينا أن نلحق بصلاة الجمعة فى مسجد السيدة سكينة، ولابد أنها ستكون فى عوننا رغم كل شىء. لكنى رأيت جماعة ينزلون من فوق جبل الدراسة ويلوحون بعصى غليظة، فأدركت أنه كان علينا أن نتخذ طريقا آخر لبيت الله (ص ٢٣).


حيث تطرح القصة عبورا عرفانيا إلى الحياة ولا تكشف عنه إلا فى التعبير الأخير «بيت الله» الذى يسعى السارد للوصول إليه دون أن يكشف هدفه منذ البداية جاعلا من الدراويش عائقا للوصول للحياة عبر النفق الذى لا يخلو منهم تعبيرا عن انتشارهم فى كل مكان تكون فيه فرصة للنجاة، والنص تعبير دقيق عن حالة يعيشها المجتمع المصرى منذ زمن غير بعيد.


النصوص فى مجملها تمثل مجموعة من الروافد التى تغذى نهرا متدفقا ليس من صنع السارد فقط، وإنما هو من صنع العالم الذى يكلف السارد نفسه بمهمة إثرائه .