الطاقة الروحية فى الإسـلام

28/10/2015 - 11:00:35

بقلم - رجائى عطية

فى حياتى، غير المرحوم أبى: القدوة والمثل ـ أستاذ الأساتذة محمد عبد الله محمد، القاضى والمحامى الأشهر والمفكر الفذ النادر. من درره كتابه الضافى «معالم التقريب»، تحدثت مرارًا عنه وعن صاحبه، وجمعت ما كتبته عن المفكر الأديب الشاعر، وإنتاجه المتميز بكتاب «فى صحبة محمد عبد الله محمد»، عارضًا بعضًا من الكنوز التى تصادف القارئ لفيوض هذا المفكر الجليل.


تحدث فى «معالم التقريب» عن «الطاقة الروحية» فى الإسلام، وعن هذا الحضور الربانى الذى يغمر وجود كل مخلوق، والذى يولد الإحساس الرائع بالكل، وبالمعنى الجامع وهو الله عز وجل.


هذا الإحساس العلوى الذى لا نظير له فى عالم الطبيعة، هو الأساس الذى بنى عليه فى الإسلام عالم الإنسان بكل ما فيه من حق وخير وجمال. يتجلى هذا المعنى فى قوله تعالت حكمته: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ»
(من سورة ص ٧٢).


بهذه الطاقة الروحية التأسيسية، ميز المولى ـ عز وجل ـ آدم وبنيه من بعده بنعمة عظيمة، وهى قوة لا تستطيع عقولنا أن تتعرف ماهيتها وإن كانت تستطيع أن تلمس وتتتبع آثارها.


نشعر بهذه الطاقة الروحية المودعة فينا، وهى تكمن خلف الطاقة العقلية والعاطفية ومجدولة معهما ـ نشعر بها حين تنشط، ونفتقدها حين تخبو.. تتأثر بها عقولنا وعواطفنا، وتحتفظ ذاكرتنا بتأثيرها، وتتمثل لنا حين يستغرقنا التأمل ويكفنا عن الجرى واللغط والهرولة وراء أغراضنا.. ونحسها فى الدعاء الصادق الذى نفزع به إلى الله عز وجل ونطرق بابه متخلين عن كل ما لدينا من أسباب القوة أو المنعة أو العلم أو الخبرة أو المهارة أو الجاه والمكانة.. حين ننسلخ من كل هذه المظاهر ونحصر تفكيرنا وإرادتنا فى مخاطبة المولى عز وجل متضرعين إليه مخلصين له الدين والرغبة فى أن يسمع دعاءنا ويلبى رجاءنا الذى به وعدنا « وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ » (غافر ٦٠).


قوة الطاقة الروحية


حين تكتمل قوة الطاقة الروحية وتتوهج، تصير لصاحبها بمثابة موهبة خاصة، ترفعه فوق الالتفات للألم والمشقة والخطر، وتبعده عن طائلة الخوف والقلق، فلا يستمع إلاَّ لنداء هذه الطاقة الروحية السامية.. فيها يتجلى «الحب الحقيقى» لله وفى الله ولمخلوقات الله، وفى إدراك عميق لتبعات هذا الحب الحقيقى، وفيها تتجلى «العبادة الحقيقية» التى تحتويها هذه الطاقة الروحية وتهب المتعبد شعورًا عميقًا بعبادته التى تجمع بين التأمل وبين الدعاء الصادق وبين الرضا الحقيقى والتسليم لمشيئته عز وجل.


فى هذه الطاقة الروحية التى انفرد بها الإنسان عن باقى الخلائق، تتجلى قيمة الإنسان الذى كرمه سبحانه وفضله على جميع خلقه، وزوده بهذه الطاقة الروحية التى تكفل نمو عقله وعاطفته، وتملأ حناياه بالثقة فى المحن والأخطار.


ونمو الطاقة الروحية يتعانق مع العقل، ويتساند وإياه. فالهمجى مهما امتد به حبل الحياة يعيش حياة معظمها بلا طعم، لقلة حظه من هذه الطاقة ومن المعرفة والتأمل. بيد أن هذا «الجفاف» أو «النضوب» محال بالنسبة لمن نما وعيه وذكاؤه مع طاقته الروحية، وأصبح يراقب باستمرار خط حياته ويزنها ويقيسها ويقومها، محفوظًا بهذه الطاقة الروحية التى يواجه بها الشكوك والتساؤلات وهو يطلع على ما يتاح له الاطلاع عليه من أسرار هذا الكون الفسيح المعجز للأفهام.


بهذه الطاقة الروحية تنفتح للإنسان نافذة ينطلق فيها من رق نفسه وشواغلها وأغراضها برغابها وهمومها، وهى دائمًا نافذة على السماء وخطوة فى الاتجاه إلى الله، يدير فيها ظهره للدنيا التى كفلتها غرائز الحيوان، ويرى الحياة رؤية صافية تمسك بحقيقتها وتوثق صلته بالله عز وجل.


الطاقة الروحية فى القرآن


من آيات القرآن المجيد، أن شحنته الروحية يشعرها القارئ أو السامع لها مع إحساسه بإمتلائها بالحرارة والوزن والصدق، وتصل إليه دفعة واحدة من عبارة الآية نفسها، دون أن يحتاج إلى تحليل دقيق.. فشحنتها تنساب إليه مباشرة بلا صعوبة أو عائق.. والله عز وجل لا يهدى عباده بالعويص أو الصعب، وهو سبحانه القائل: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج ٧٨).. فالدين يسر لا عسر فيه.


ويبدو أن هذه الطاقة الروحية الأصلية ـ وهى المعين للإطلال على الغيوب ـ كانت عالية جدًّا عند المسلمين الأول، وأن تنشيط القرآن لها كان قويًّا جارفًا اكتسح ما كان عندهم من العادات والمعتقدات الوثنية.. ويبدو أننا فى زماننا بعد مضى هذا الزمن الأول ـ نحتاج أكثر أن ننشط الطاقة الروحية لدى سماع أو تلاوة القرآن على قدر مستطاع كل منا، لنحرك أعماقنا كلها تحريكًا قويًّا فى الاتجاه إلى الله، ونتزود بالزاد الذى يحمله القرآن.


* * *


لقد قاوم الإسلام هبوط الطاقة الروحية، فكان الجوهرى فيه هو الإرادة والعزم، والموقف الذى يبنى عليهما ـ إزاء الله ـ بصدق وإخلاص.. والتدبير القرآنى أساسى لتكوين الإرادة والعزم، وجزء من إنشاء الموقف. فموالاة الله والإتجاه إليه عز وجـل ـ لا ينطلقان من خلفية فكرية نظرية، بل هما الخلفية الحتمية الواجبة لفكر المسلم، أيًا كان هذا الفكر.. علميًّا أو فلسفيًّا.


ويبدو أن ما ثار سلفًا من خلاف فى تاريخ الإسلام وجدل بشأن ظاهر آيات الكتاب المجيد وروحها وباطنها، وتفسير وتأويل الآيات ـ يرجـع بعضـه إلى عـدم التمييز بيـن « الشحنة الروحية » التى تحملها الآيات وتنقلها إلى المسلم المخلص، وبين ما يترتب على نقلها إليه من نشاط فى طاقته الروحية الكامنة. فإن هذا النشاط الروحى يجعل للآيات أصداء وإيحاءات فى قلب المؤمن، الذى كثيرًا ما يحس بأن الآية آتية إليه بإرادة علوية فى موقف ما ليفهم منها هذا الفهم الذى وقع فى قلبه.


نور الله فى الآدميين


يختفى فى فترات الركود ـ الفارق بين الإسلام كقوة روحية دافقة جاذبة، وبين الإسلام كمجموعة من الفروض والأحكام والأوامر والنواهى. وهذا الفارق فارق أساسى يشبه الفرق بين الوقود أو القوى المحركة للآلة، وبين أجهزة الحركة والضبط والتوجيه.


ولم يعدم الإسلام نماذج مليئة بنور الله فيها، تخاطب الكثرة بما لديها وتحرك أعماقهم فى اتجاه الله ونحو الحق والخير، ونداءات هؤلاء نداءات روحية تؤدى وظيفة أعمق أثرًا مما تؤديه الأوامر والنواهى والمواعظ.. وهذه النماذج المليئة بنور الله من الأولياء والقديسين والصالحين، هى بشائر الخلافة فى أولاد آدم، وطلائع لمجئ سلالات آدمية أكثر حيوية وشجاعة ونبلاً.


إن الناس فى غمرة أهوائها ومخاوفها وأطماعها، لا تعبد الله إلاَّ على المجاز الذى يسعه فضل الله تبارك وتعالى.. والدين الحى وسيلة إلهية تحشد أشواقنا وطاقاتنا وتقويها عسى أن تبلغ الحرارة والعمق والاتساع درجة تتفح لها مغاليق الأقدار وتنهل من فيوض رحمة الله ووعده المقطوع به كما شاء الله.


ما تبثه الطاقة الروحية


إن كل الظواهر التى يحفل بها الكون، تمضى فى فلكها المرسوم، وذكاء الإنسان يدفعه بروحه العظيمة إلى محاولة إدراك ما يدور حوله، والاتصال بالحق جل شأنه اتصال العبد بالمعبود، والعويلم بالأعلم، والعويقل بالخبير الحكيم الأعلى، والشرارة الصغيرة بالروح الأكبر.. واتصال المخلوق بالخالق مليك ومالك كل شىء، هو اتصال حوار توقيفى، يسعى فيه المخلوق المحدود الضعيف إلى التماس المعرفة ممن لا حد لعلمه وقوته ومقدرته وحكمته.


ومن أسباب هبوط الطاقة الروحية، ومن نتائج هبوطها فى ذات الوقت ـ انشغال الناس بالعرض الوقتى عن الدائم الباقى، وللأسف صار هذا العرضى الوقتى هو العملة العالمية المتداولة الآن!


ونحن نتوهم فى انسياقنا للعرضى أننا نزيد حريتنا وسعادتنا ونعطى حياتنا اتساعًا، وهذا وهم كأبنية الرمال، لا ندرك معه أن إنحصارنا فى هذا العرضى الزائل يصير عرضًا وقتيًّا نسبيًّا هو الآخر، لا طحن له، ومآله أن يفقد مع الوقت حتى قيمته لدينا.


ومن يتأمل فى آيات الكون ومشاهده، يرى آيات الخالق الذى تتجلى رحمته فى إبداعه وصنعه وتقديره وترتيبه ونعمه.. فلا تصافح قدرة الله مخلوقًا دون أن تصحبها رحمته، وهذه الرحمة هى جسر يسع الناس جميعًا، ممدود يلتقى عليه المؤمنون بلا واسطة من الأزل إلى الأبد.


فى الإسلام: رحمة الرحمن، رحمة حية موجهة قصدًا إلى إنسان حى، قوام إيمانه طاقته الروحية التى تنير له سبيله وتهديه إلى الحق والجمال والكمال.. لم يتوقف الإسلام عند قوة أو بأس أو سلطان، وإنما احتفل بالإنسان اللين الخلق، الآلف المألوف، المعطر طريقه بطاقة روحية تهديه إلى النور وسواء السبيل.. إن ذكر الله عز وجل مجال واسع وقوى ورحيب، لتنشيط هذه الطاقة الروحية، وليس حسبها أنها تصل الإنسان بربه، وإنما هى عطية إلهية وباب للتقريب بين المؤمنين الذين يتلاقون بغير ترتيب على مصادر إشعاع هذه الطاقة الروحية التى تأتلف وتتجمع عليها قلوب المؤمنين.