إنك بالوادِ المقدس طُوى!

28/10/2015 - 10:58:18

تقرير من سيناء: شيرين صبحى

كان صباحا مشمسا من صباحات أكتوبر.. وكنا عائدين للتو من دير سانت كاترين.. الساعة تشير إلى الثانية ظهرا عندما توقف الأتوبيس وهبطنا، ليشير إلينا قائد الرحلة بيديه، هذا وادى الأربعين، الذى سار فيه سيدنا موسى، سنمكث هنا قليلا لمن يريد أن يصعده.. أخبرنا الدليل أننا سنسير لمدة ساعة حتى نقطع الوادى إلى نهايته، كنت أظنها مسافة قريبة، وبدأنا فى الصعود.


كان الجو حارًا لزجًا، اعتلى وجوهنا وأجسادنا، ونحن نقطع الوادى سيرا فى ذلك الوقت من النهار، زادنا مشهد الصخور الضخمة بين الجبال وحشة ورهبة. يقع الوادى بين جبلى سانت كاترين وموسي، بين أرجائه يعلو صدى الصوت، ظل السائرون يرددون بين الحين والآخر «يا رب»، بينما علت أصوات غيرهم بالنداء على أصدقائهم ليسمعوا صداها مع ضحكاتهم.


بعد ربع ساعة من السير فى حرارة الشمس، كان صديقى غارقا فى عرقه، قال منزعجا «كان يجب أن يخبرونا، هذا الطريق يحتاج إلى فانلة وشورت وليس قميصا وبنطلون جينز، جسدى بأكمله مبتل من العرق». قلت: اصمت واستشعر مدى تعب الأنبياء لتوصيل رسالتهم، هنا كان يمشى سيدنا موسى كليم الله «وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة».


أجاب وقد أنهكه السير: أنه سيدنا موسى القوى الأمين، وليس نحن بأجسادنا الهزيلة. ثم نظر باتجاه حذائه الجديد ذي الوجه المدبب والذى بدأ يتآكل فوق الصخور والحجارة: «أدى الجزمة كمان شكلها هتتقطع!».


ضحكت معلقة: يبدو أنه حذاء العيد! أومأ برأسه أن نعم!


سبقتنا المجموعة بمسافة كبيرة وتأخر عنا عدد كبير يرتاح خلال الطريق، فجأة شعرنا بخلو الوادي، سألنى صديقي: ألا توجد هنا ثعابين وديابة؟ ضحكت من خوفه الزائد وقلت مطمئنة: لا أظن!


نظر إلى متبرما: ولماذا لا تظنين ألسنا نسير وسط جبلين، وهذه هى الأماكن التى يعيشون فيها؟ ثم تلفت باحثا عن أشخاص غيرنا وأعاد تقطيب جبينه «حتى المياه تركناها فى الأتوبيس. أنا ظمآن جدا من هذه الشمس الملتهبة».


سرت أتأمل الصخور والأشجار التى تنمو داخله، عاد صديقى إلى أسئلته: هل تسمعين صوت المياه؟ قلت: أظنه السراب، نحن نسير بين جبال!


سحرنى الوادى بصخوره العملاقة الملونة الجميلة الممتدة بطوله، وبدأ الهواء يداعب وجوهنا وتوارت الشمس خلف الجبال، قلت فى نفسى «كيف لا تأتى النسائم ونحن فى الواد المقدس طوي!».


حول وسطه حزم جلبابه الرمادي، بينما أمسك بيمينه عصاه، التفت ناحيتنا بعينيه الحمراوين من أثر حساسية، سألنا من أين جئنا، قلنا: القاهرة. أكمل سيره معنا مستئنسا بوجود سائرين.. كان يبدو أميا لا يملك الكثير من المعلومات، لكنه مثلنا كان متجها ناحية الوادى ذاهبا إلى جدته التى يقضى معها خمسة أيام حيث يربيان حيوانات تشبه الأرانب البرية، بينما يعود إلى والدته خمسة أيام أخرى.


أشار بيديه إلى الجبال والوادي: فى الشتاء كل هذا ترونه أبيض حيث يكون مكسوا بالثلوج. تخيلت المشهد الرائع فسألته: هل تفضل الصيف أم الشتاء؟ قال: الصيف.


أوقفنا فرج عند مكان محاط بسور وأشار إلى صخرة ضخمة قائلا: هذه صخرة موسي.. تلفتنا ناحية الصخرة ولم نسمع من قبل عن صخرة منسوبة لسيدنا موسي. تعالت أصوات البعض بالأحاديث الجانبية وتساءل البعض: أى صخرة هذه وما قيمتها. لم يجبنا فرج لكنه قال: هذه الصخرة لا يستشعرها إلا المؤمن.. حاولنا استشعار الصخرة خشية ألا نكون من المؤمنين!


أدركت فيما بعد أنها صخرة التجلى التى تم ذكرها فى التوراة.. «فقال موسي: أرنى مجدك. فقال: أجيز كل جودتى قدامك، وأنادى باسم الرب قدامك، وأتراءف على من أتراءف، وأرحم من أرحم. وقال: لا تقدر أن ترى وجهى لأن الإنسان لا يرانى ويعيش.. وقال الرب: هو ذا عندى مكان، فتقف على الصخرة، ويكون متى اجتاز مجدى أنى أضعك فى نقرة من الصخرة واسترك بيدى حتى أجتاز، ثم أرفع يدى فتنظر ورائى وأما وجهى فلا يري». (سفر الخروج ٣٣: ١٨-٢٣).


كالواحة داخل الصحراء، يبدو بيت عم خالد، تستقبلك رائحة النعناع الزاعقة النامية تحت تكعيبة عنب صغيرة تنام فى دلال بين أحضان أشجار الرمان والمشمش والخوخ، تتلفت حولك فلا تجد غير خضرة الأشجار تطوقها الجبال من الناحيتين. جرينا نحو الأشجار نتعلق بأغصانها، سألنى عم خالد: هل تعرفين عين الجمل؟ قلت: نعم. أشار بيديه ناحية شجرة مورقة قائلا: هذه شجرة عين الجمل.


عندما كنا صغارا لم نكن نظن أن عين الجمل يتم زراعته، كنا نظنها عيون جمال حقيقية! ثم كبرنا ولم نهتم بمعرفة من أين يأتى عين الجمل ولا أين مصدره.


تلفت ناحية شجرة رمان تبدو ثمارها صغيرة ناشفة، سألته: لماذا قل انتاج الرمان هذا الموسم؟ كان منتشرا فى العام الماضي، أما هذا العام فثماره ضئيلة وقليلة. أجابني: معك حق، هذا العام أصابته ذبابة فقضت على كثير من المحصول.


نحن هنا نزرع الطماطم والباذنجان والفلفل والخضروات.. قال عم خالد، فسألته: إذن أنت تعيش اكتفاء ذاتيا لا تحتاج شيء من خارج الوادي؟ أشار برأسه نافيا: بل أنزل من الوادى لشراء الأرز والبقول، وفى الشتاء ننزل من أجل مدارس الأولاد.


يقف عم خالد جوار ناقتة «الباركة» أرضا، استدار خلفه مشيرا ناحية كنيسة مغلقة، قائلا: هذه كنيسة الأربعين، سميت على اسم الوادي، لكنها مغلقة معظم الوقت، لا يصلى فيها سوى الرهبان حينما يأتون مرة أو اثنتين كل شهر. هذا المكان ليس ملكى بل ارعاه للرهبان.


ودعنا عم خالد، وأكملنا صعود الوادي. فى الطريق يقابلك أطفالا صغارا حفاة، يسيرون بمفردهم فوق الصخور الساخنة ولا يشتكون ألما، مثلما ظللنا نفعل طوال الطريق.. تمرح معزتان وليدتان ويقفز خلفهما ياسين وفاطمة، يهشونهما عن أشجار الطماطم والفلفل، ويحمل كل منهما واحدة بيديه ويختفى داخل منزل صنع من أحجار الصخور.


زيران وشالية وصوف خروف معلق وزيتون مخلل يبدون خلف امرأة عجوز تقف أمام مشغولات يدوية، وخيمة بدوية تحيطها أشجار الخوخ والمشمش والزيتون والقرع. رجل خمسينى أسمر فى رداء أزرق يسمى عم رمضان يجلس أمام براد شاى ضخم يعطره بأوراق الحبق، وطفل يغسل أكواب الشاى بخرطوم مياه موصول ببئر، بينما تحوم حوله قطة رمادية جميلة.


اتجهنا ناحية الزير نرتوى بعدما مشينا قرب ساعة ونصف، جلسنا نستريح داخل الخيمة ونحتسى الشاى بالحبق ونصفق بأيدينا على الطريقة البدوية. داخل الخيمة تتدلى علبة صفيح تواجهها قوس محنى شدت إليه بخمسة أوتار لتشكل آلة موسيقية، فوق الأوتار يستريح نصف موس حلاقة يتم استخدامه كريشة، أمسكنا الآلة وعرفنا أنها السمسمية، جرب كل منا العزف مرة فأخرجنا أصواتا نشازا كنا بها فرحين.


هنا يرتاح مصريون وأجانب يستمعون إلى السمسمية وصوت عم رمضان، تساعدهم الاضاءة التى تنير الخيمة بفضل مولد كهرباء، بينما يرقد كاسيت تسجيل صغير يستعين به أهل الدار لمعرفة ما يحدث فى بلادهم الكبيرة الممتلئة بالضجيج بعيدا عن سكون الوادى.


ودعنا عم رمضان والمرأة العجوز التى رفضت أن تخبرنا عن اسمها، وبيتهما الجميل الهادئ. كانت حرارة الشمس قد انخفضت كثيرا واقتربنا من موعد الغروب، وطريق العودة أسهل كثيرا من الصعود. أوقفتنا امرأة ترتدى عباءة سمراء، جميلة كاسمها تماما، سمراء كحيلة العين، تبدو معتدة بنفسها وتمشى بصحبة ابنتها، سألتنا: طلعتم الوادى؟


نعم! كيف تسيرون كل هذه المسافة يوميا؟


لا نطلع الوادى كل يوم.. أنا فى الطريق ذاهبة إلى أختى، سأقضى الليل معها ثم ننزل غدا لأنها تترك الوادى أثناء المدارس من أجل الأبناء.


ماذا تفعلون طوال الليل؟ تتسامرون وتغنون؟


ضحكت من سذاجة سؤالنا ونظرتنا التى بدت لها رومانسية: ليس كما تظنون، نقضى يوما عاديا مثل كل البشر، لا توجد إضاءة فى الوادي، وغالبا ننام مبكرا. قليلون من يملكون إضاءة عن طريق مولد كهربائي.


لوحت بيدها متمنية لنا سلامة الوصول.. رحلنا فى صمت، اتخذنا مقاعدنا فى الأتوبيسات وأرحنا رؤسنا، لكن وخزا خفيفا كان مستقرا بين أضلعنا، بعد تركنا قلوبنا تتقافز هناك فى الوادى الهادئ ببيوته البسيطة، تحرسها خطوات الأنبياء.