مصطفى عبد القادر.. رحيل رجل وطنى

28/10/2015 - 10:52:52

  أحمد أيوب أحمد أيوب

بقلم - أحمد أيوب

عرفت اللواء مصطفى عبد القادر يوم عين محافظاً للمنيا عام ٩٧ وامتدت العلاقة لسنوات طويلة تولى خلالها وزارة التنمية المحلية، وبعد مغادرته المنصب، ظل التواصل مستمرا إلى أن انقطع منذ عامين أو أكثر قليلاً لتقصير منى حتى فوجئت الأسبوع الماضى بخبر وفاته، لأستعيد فى لحظات تاريخ هذا الرجل الوطنى الذى عشق العمل فى صمت فاختار الله له الوفاة أيضا فى صمت، وهذه سمة المجدين المخلصين الذين كان عبد القادر واحدا منهم، ولا أقول هذا طمعا فى شىء فالرجل غادرنا ولم يعد يملك لى نفعا ولا ضرا لكنه يملك لدى رصيدا من المحبة والاحترام لن ينفذ مادمت حياً.


لما لمسته منه طوال معرفتنا من جدية وعلم وكرم أخلاق ومحبة وتواضع قلما توافر لكثير من المسئولين، وربما تكون شهادتى فى حقه جاءت متأخرة لكنها طبيعتنا نحن البشر، لا نتحدث لنوفى الناس أقدارهم إلا بعد رحيلهم، فقد كان مفترضا أن نمتلك الشجاعة مبكرا لنقول إن مصطفى عبد القادر كان أحق الناس فى فترته بتولى وزارة الداخلية فكل مؤهلات المنصب توافرت له لكن الرئيس الأسبق مبارك ظلمه لصالح حبيب العادلى بسبب تدخلات من بعض المقربين من شلة القصر الذين انحازوا لمن يخدم مصالحهم، وكان منصب وزير التنمية المحلية أقرب إلى تعويض اللواء عبدالقادر عن هذا الظلم، ورغم أنه لم يكن منصبا يرضى طموحه، لكنه أجاد فيه واستطاع إدارة ملف التنمية بالمحافظات بكفاءة شهد لها الجميع، وخلال فترة توليه نفذ فكرة كانت الأولى من نوعها وهى مشروع الربع مليون الذى يخصص لكل قرية لتطويرها من خلال المشاركة المجتمعية، فكانت الحكومة تخصص المبلغ وأهل القرية يختارون فيما ينفقونه.


كان عبدالقادر دائم التأكيد على أن تكون المعادلة التى نبحث عنها دائما هى كيف نسخر الأمن لخدمة التنمية، فقد كانت هذه هى تجربته عندما كان محافظا للمنيا ونفذها بحرفية أخرجت تلك المحافظة التى كانت تصنف بأنها المعقل الثانى للإرهاب بعد أسيوط لتكون منطقة تنمية حقيقية، ولولا أن بعض المستثمرين الذين راهن عليهم فى تجربته بالمنيا خذلوه كعادتهم وقتها لحققت التجربة نجاحا غير مسبوق.


وطوال فترة توليه وزارة التنمية المحلية تعرض عبدالقادر لمؤامرات ومكائد وزارية وصلت إلى حد التحدى المباشر، فقد كان اسمه يحظى بإحترام بين ضباط وزارة الداخلية بل وفئات مختلفة من المجتمع وهو ما كان يقلق الوزير العادلى ويجعله هو ومن يدعمه فى حالة تصيد دائمة لعبد القادر الذى لم يكن عضوا فى شلة وزارية ولا خاضعا لسيطرة أحد من كبار الحكومة المتحكمين فى القرار، حتى عندما بدأت أخطاء العادلى تظهر وفكر مبارك فى تغييره كان الاسم الأقرب للترشيح هو مصطفى عبد القادر ودعم هذا الترشيح كثيرون من الحريصين على مصلحة مصر لكن كالعادة نجح المقربون فى إلغاء الفكرة عند مبارك، بحجة أن عبد القادر من نفس مدرسة العادلى ومن الأفضل الإبقاء على العادلى لأن الوضع لا يتحمل وزيرا جديدا يحتاج وقتا لفهم الملفات الأمنية المختلفة، واستمرت المؤامرات وتواصلت ولكن بحنكة وهدوء وخبرة استطاع عبدالقادر تخطى مطبات كثيرة وضعوها فى طريقه لعرقلته، أذكر أن الرئيس الأسبق كلفه ذات مرة باعداد تقرير تقييم للمحافظين وبتجهيز حركة محافظين وطلب منه أن تكون سرية حتى لا يتدخل أحد من أصحاب المصالح فيها، وبموضوعية قدم عبد القادر تقريره لمكتب الرئيس لكنه فوجئ بوزيرين من الكبار على علم بما جاء فى تقريره وفى قمة الغضب لأنه لم يجامل رجالهم من المحافظين ولم يلجأ إليهم ليكتب ما يملونه عليه مثل آخرين، لكنه عبدالقادر الذى لم يكن من هذه النوعية وبسبب استقلاليته تعرض لمحن كثيرة.


كانت إحدى مشاكل اللواء عبد القادر.. التى سببت له أزمات عديدة أنه يحظى بثقة واحترام غالبية المثقفين والمفكرين، وهذه لم يكن من السهل أن تتوافر لرجل أمن تقلد منصب رئيس جهاز أمن الدولة العدو الأول وقتها لهذه الفئة، فهذا الموقع لم يكن متوقعاً أن يقبل كثير من أصحاب الفكر وملاك القلم أن يقيموا علاقات معه لكن عبد القادر نجح فى توثيق علاقاته مع هذه النخبة واكتسب احترام الغالبية منهم، حتى إنه كان يقيم فى مكتبه ما يشبه الصالون الثقافى بشكل شهرى، وكان أول من انتبه لأهمية المثقفين فى مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف الذى كان مسيطرا فى هذا التوقيت.


عبد القادر كان من جيل الأساتذة فى أمن الدولة، قدم تلاميذ كثرا قادوا هذا الجهاز لفترات طويلة، وكان تأثيره عليهم واضحا وارتباطهم به متواصلا، وبعضهم غادر الجهاز بعد أن ترك عبد القادر الوزارة لأن سياق العمل لم يكن يناسبهم، وبعضهم انتقلوا معه إلى وزارة التنمية المحلية، وكانوا دائما يصفونه بالوفى الذى لا يخون العيش والملح، ويعرف أقدار الناس ويحترم الجهد.


وكثيرا ما طالبت اللواء مصطفى أن يسجل مذكراته ليقدم خبرته وشهادته على واحدة من أهم الفترات التى مرت بها مصر، خاصة أن مدة عمله فى جهاز أمن الدولة شهدت تطويرا كان حاسما فى مواجهة التنظيمات الإرهابية التى كانت موجودة وقتها وسقط منهم قيادات وأسماء من الوزن الثقيل، بل ولديه تفاصيل جرائم الإخوان فى حق الوطن،ويعرف خبايا كثير من الملفات الكبرى للتنظيمات الإرهابية سواء ملف سلسبيل أو جمهورية إمبابة، كما أنه اطلع على ما يجرى فى المطبخ السياسى للدولة سواء كرئيس لجهاز أمن الدولة أو وزير، لكنه كان يرفض حتى مجرد الكلام عن هذه الفترات ويعتبرها جزءا من أمانة لا يجوز إفشاؤها إلا بما يخدم البلد.


بالتأكيد الموت كأس وكل الناس شاربه، لكنى شخصيا أشعر بخسارتنا لواحد من المخلصين لهذا الوطن، وأشعر أيضا بالذنب لتقصيرى فى حقه وهو واحد من أصحاب الفضل.. وليته يسامحنى فى قبره.