محمد فوزى.. لا يغنى لثورة يوليو

28/10/2015 - 10:51:09

عادل سعد عادل سعد

بقلم- عادل سعد

دخل محمد فوزي بسيارته إلى شركته «مصر فون» أول شركة للأسطوانات فى الشرق الأوسط، والتي حرص أن يكون بداخلها أول استديو لتسجيل الألحان والأغاني، فلاحظ وجود عساكر، ولما نزل من سيارته وراح لمكتبه وجد شخصا يقعد على كرسيه ويضع قدميه في وجهه على المكتب، ويعبث بأشيائه الخاصة، ولما رأى المطرب الكبير أخبره أنه البكباشي فلان وأن ثورة يوليو قررت تأميم المصنع والاستديو، ونادى على الساعي ليقود الأستاذ بعد أن جرى تعيينه على عجل كموظف براتب بالشركة لمكتبه الجديد بجوار دورة المياه.


لم يصادر عبد الناصر - العادل - ورفاقه شركة «صوت الفن» للأسطوانات، لأن صاحبيها محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، كلاهما لا يتوقف عن التسبيح بحمد عبد الناصر وإنجازات الثورة المجيدة.


بعدها بأشهر معدودة كانت هناك حفلة وطنية، ونصحه البعض بتقديم أغنية عن عبد الناصر وثورة يوليو، وكانت أم كلثوم التي غنت للملك فاروق «الليلة عيد” قد سبقته بأغنية: “يا جمال يا حبيب الملايين»، كما نافسها عبد الحليم بـ”وزعيمك خلاكي زعيمة في طريق الخير والعمران”، لكن فوزي صعد على المسرح ووقف ليلقي على مسامعهم جميعا أغنيته: “بلدي أحببتك يابلدي..حبا في الله وللأبد.. فثراك الحر تراب أبي .. وسماك يزف صبا ولدي».. ثم نزل من على المسرح.


بعدها تدهورت صحته سريعا، وحار الأطباء في مرضه، وكانت الثورة قد صادرت كل أمواله وممتلكاته في البنوك، والتي يقدرها البعض بمبلغ لا يقل الآن عن ٣٠٠ مليون جنيه، فنفدت مدخراته القليلة على العلاج خلال عام واحد، وفي تلك الأيام شوهدت شقيقته المطربة هدى سلطان شبه غائبة عن الوعي تتجول في شوارع القاهرة ووجدوها بعد أيام في مصحة نفسية. وانفصلت عن زوجها فريد شوقي، ولما علا صوت الصحفيين والفنانين بالاحتجاج، أصدر عبد الناصر قرارا بمعالجته على نفقة الدولة، لكنه كان قد مات.


لم يكن محمد فوزى عميلا أو خائنا، بل كان مصريا وكان وطنيا على طريقة طلعت باشا حرب حينما غامر بكل أمواله واستدان وقرر افتتاح «مصر فون” كأول مصنع للأسطوانات في الشرق الأوسط، وفاجأ المحتل البريطاني صاحب احتكار بيع الأسطوانات في مصر والذي يشترط سفر المنتج إلى لندن ويبيع الأسطوانة بثلاثة جنيهات، بأن طرح الأسطوانات بسعر جنيه واحد مع جودة تفوق المنتج الإنجليزي وإنتاجها في أسرع وقت.


لكن كل هذا لم يشفع لفوزي عند السادة الثوار، وبعد رحيل فوزي بعام، داهمت طائرات إسرائيل البلاد، ووقعت هزيمة يونيه، وصحت البلاد على كارثة، ولم تنفع أغاني أم كلثوم ولا عبد الوهاب ولا عبد الحليم، لأنها ستثير استفزاز الناس، ولم يجد القائمون على الإذاعة سوى أغنية فوزي الجميلة : «بلدي أحببتك يا بلدي» لتمسح الجراح وتعيد تماسك الأمة، فصاروا يذيعونها بأمر الضباط كل نصف ساعة، بكل المحطات حتى خرجت أغنية الأبنودي الشهيرة: «عدى النهار» للتخفيف من وقع صدمة الهزيمة على الناس، وصدحت شادية بأغنية : «يا حبيبتي يا مصر» ولم يكن بداخلها كلمة عن الزعيم.


الأغنية الأخيرة تجاوزت قرارات عبد الناصر الشهيرة، بمنع اسم مصر في الأغاني، كان قد قرر أن اسمها الجمهورية العربية المتحدة ( الإقليم الجنوبي ) وحتى بعد فشل الوحدة مع سوريا وعودة المشير ذليلا بالبيجاما ظل قرار الزعيم ساريا، ولعل ذلك يفسر حرص بليغ حمدي وغيره من الملحنين الموهوبين على تكرار اسم مصر، لإلغاء تأشيرة الرئيس الحمقاء خصوصا في رائعة «ماتقولش إيه ادتنا مصر» حيث يتكرر الاسم مئات المرات بطريقة متعمدة: ( مصر الحياة مصر الأمل مصر الشهامة والعمل .. مصر مصر مصر ياحبايب مصر حبايبنا”


تمر هذه الأيام الذكرى رقم ٤٩ على رحيل فوزي، وأقول ذلك لنستعد من الآن لنحتفي في العام القادم بذكرى مرور ٥٠ عاما على رحيل الموسيقار العبقري، تلميذ سيد درويش، صاحب مدرسة البساطة، تلك المدرسة التي خرج منها أغلب الملحنين فيما بعد، الموجي والطويل ومنير مراد، والغريب جدا أن مدرسة السنباطي وعبد الوهاب، لم تحقق امتدادا كما حدث مع الجميل فوزي، الذي رحل عن عالمنا في ٢٠ أكتوبر ١٩٦٦ عن عمر يناهز ٤٦ عاما.


محمد فوزي صديق فريد الأطرش ومحمود الشريف ومحمد عبد المطلب، وصاحب أجمل الأفلام الغنائية وأغاني الأطفال، يستحق الاحتفال لأن أزمة الأغنية المصرية الآن، ليست أزمة أصوات، فالأصوات (على قفا من يشيل) ولا توجد أزمة كلمات،لأن الكلمات والأشعار موجودة منذ عهد المتنبي وأبو تمام، لكنها أزمة غياب الملحنين العظام، هؤلاء الذين صنعوا مجد الأغنية المصرية، وكان المطربون العرب يتهافتون على الحضور لمصر، من أجل الحصول على ألحانهم، طابور طويل من الملحنين المخلصين الذين عانوا من الإجحاف بدءا من الشيخ المسلوب ومحمد عثمان وداود حسني مرورا بالشيخ أبو العلا، وزكريا أحمد، والقصبجي، والسنباطي، وعبد العظيم عبد الحق وغيرهم، تمر ذكراهم ولا يحتفل بهم أحد، العالم كله يحتفل بالملحن ولا يحتفل بالمطرب، والعالم يحتفل بميلاد موتسارت، وشوبان، وفاجنر، وكورساكوف وثيودراكس، لكننا في مصر وبفضل أنانية المطربين الكبار كأم كلثوم، وعبد الحليم، وعبد الوهاب، نحتفل بالمطرب ولا نحتفل بالملحن، وهكذا ضاعت الأغنية المصرية.


أعيدوا الاعتبار للملحن العبقري محمد فوزي، لنضع أقدامنا على أول طريق استعادة ريادة الأغنية المصرية، والمواهب موجودة، فقط أفسحوا لها الطريق .