الجهل ضد الديمقراطية

28/10/2015 - 10:49:23

  طه فرغلى طه فرغلى

بقلم - طه فرغلى

عن قرب تابعت الانتخابات البرلمانية فى دائرة أبوقرقاص فى المنيا، وعلى مدار ٤ أيام متواصلة زرت ما يقرب من ٤٥ قرية، سمعت من أهلها، وشعرت بالبعد الكبير ليس بحساب المسافات فقط، ولكن بحسابات الزمان أيضا، بين القابعين هنا فى القاهرة وسط ضجيج العاصمة، وبين من يسكنون قلب الصعيد فى القرى والنجوع


هنا اكتشفت مدى الجرم الكبير الذى يرتكبه من يطلقون على أنفسهم النخبة والمثقفين والكتاب، بل والحكومة نفسها فى حق أهلنا البسطاء، كنا على بعد أيام قليلة من الانتخابات والناس لا يعرفون شيئا عن النظام الانتخابى، ولا عن الانتخاب الفردى والقائمة، ولا عن عدد المقاعد المخصصة للدائرة، وتساءلت لماذا لم تكن هناك قوافل توعوية تجوب المراكز والقرى لشرح المفاهيم الانتخابية، وكيفية الاختيار، ونظام القوائم والفردى، لماذا لم يقم تليفزيون الدولة وهناك قناة محلية هى قناة الصعيد بواجبه فى توعية الناخبين.


والنتيجة أن الناخبين خاصة كبار السن وهم أغلب من نزلوا للمشاركة فى التصويت كانوا فريسة سهلة لأنصار المرشحين أمام اللجان، يوجهونهم حسب أهوائهم وحساباتهم الانتخابية.


كان سؤال "ننتخب مين يا بيه" هو المسيطر أمام اللجان، الفلول حاضرون بأموالهم وسطوتهم، والعصبيات هى المتحكمة فى الصناديق.


هنا لا تسأل عن برنامج انتخابى، أو ما الذى سيقدمه المرشح فى حال فوزه بمقعد فى البرلمان، كل هذه الأسئلة لا مكان لها، وسط جموع ناخبين لا علاقة لهم ببرامج أو خلافه، هنا لا صوت يعلو فوق صوت المال السياسى والعصبيات.. قل لى كم ستدفع ومن يقف وراءك أقول لك كم ستحصد من الأصوات؟، سماسرة الأصوات، وتجار الانتخابات جاهزون وفى خدمتك، هنا الجهل والفقر هو السيد والحكم.


فى العاصمة يتحدثون عن قوائم وتكتلات وتحالفات، وهناك فى قلب الصعيد لا مكان سوى للعصبيات والقبليات، لم يسمعوا عن القائمة العلانية أو القائمة الفلانية، يدخل الناخب لجنته الانتخابية، وهو لا يعلم لمن سيذهب صوته، يفاجئ بقائمة طويلة عريضة من المرشحين يقف حائرا، ورئيس اللجنة يقول له صوتك لمن، ينظر فى الرموز طويلا إلى أن يعجبه رمز فيشير إليه، ويعتقد أن المهمة قد انتهت، ولكن يكتشف أن الأمر لم ينته بعد وأن عليه أن يختار رمزين آخرين، يقلب فى ذاكرته اسماء المرشحين عله يتذكر أسما قد أسدى إليه خدمة فى يوم من الأيام، ولكنه لا يتذكر سوى مرشحين جاءوا إلى بابه يطلبون صوته ويتوسولون إليه، وبعد أن نجحوا لم ير وجوههم مرة أخرى، يقول بينه وبين نفسه كله زى بعضه  وأحمد زى الحاج أحمد..  يتوكل على الله ويعطى صوته لصاحب الحظ والنصيب.


كثير من الذين خرجوا فى اليوم الثانى للانتخابات ما كانوا ليخرجوا لولا أنهم سمعوا مكبرات المساجد تعلن عن غرامة ٥٠٠ جنيه لمن يتخلف عن الإدلاء بصوته، هنا زحف عدد من الفقراء على اللجان، لا يشغل تفكيرهم سوى النجاة من الغرامة، لم يفكروا لمن ستذهب أصواتهم، أو من سينجح بأصواتهم، فلول أو تجار دين أو غيرهم، لا يهم، المهم الهروب من شبح الغرامة رغم أن كثيرا منهم يعلم أن الأمر لا يغدو كونه مجرد تهديد لم ينفذ من قبل، ولكن من يدرى، ربما تنفذ الحكومة التهديد هذه المرة.


 المؤكد أن الأرقام لا تعبر بالضرورة عن اختيار الناس، والصندوق فى يد الجاهل مثل القنبلة تماما، سينفجر فى وجوهنا.


إذا كنا نريد بالفعل حياة ديمقراطية سليمة، علينا فى البداية أن نقضى على الجهل.. لأنه ببساطة.. الجهل ضد الديمقراطية.