«ثلاثية دياب»! طارق.. المهنى الدءوب

28/10/2015 - 10:39:33

  أحمدالنجمى أحمدالنجمى

بقلم : أحمد النجمى

فازت مؤسسة دار الهلال بجائزتين فى مسابقة التفوق الصحفى من نقابة الصحفيين هذا العام، حيث نال الزميل محمد دياب الناقد الفنى بمجلة «الكواكب» بالجائزة الأولى فى الصحافة الفنية للعام الثالث على التوالى، كما فاز الزميل طارق سعد الدين نائب رئيس تحرير المصور بالمركز الأول فى المقال الاقتصادى «جائزة سعيد سنبل».. ألف مبروك للزميلين


يحق لى الفخر بأحد أصدقاء العمر “محمد دياب”، الذى حاز جائزة نقابة الصحفيين- المركز الأول فى الصحافة الفنية تحديداً- للعام الثالث على التوالى.. دياب يستحق الفوز ليس بجائزة النقابة وحدها، مع تقديرنا بالطبع لقيمتها المعنوية الكبيرة، كونها تخرج من “بيت المهنة” ورأس الحربة فى الدفاع عن قيمها، لكنه يستحق الفوز بجوائز، ليست موجودة أصلاً، لا فى الصحافة المصرية ولا فى المجال الفنى.. لو كان الأمر بيدى لمنحت “دياب”- هكذا أناديه- جائزة “النقد الموسيقى”، وجائزة “تاريخ الفنون”، فدياب (٤٨ عاماً)، هو تاريخ الفن المصرى والعربى يمشى على قدمين، وهو صاحب أرفع ذائقة موسيقية فى مصر الآن من بين كافة متذوقى الموسيقى العربية على وجه التحديد..!


يملك دياب الذى حقق (ثلاثية الجوائز) فى نقابة الصحفيين عملتين نادرتين، لا عملة واحدة.. فأما العملة النادرة الأولى، فهى تلك الذائقة الموسيقية رفيعة الطراز التى تكلمنا عنها، يعشق السيدة (فيروز) عشقاً بلا حدود.. وهو دارس علمى وفنى لكل ما قدمته هذه الحنجرة العربية العظيمة على مدار ٦٥ عاماً حتى الآن، تستطيع فى أية لحظة أن تتصل به لتسأله عن أى شىء يخص فيروز، وسيجيبك بسرعة ودقة لا يملكها أقرب الناس إلى هذه السيدة العظيمة.. وبحر المعلومات- ذاته- لدى “دياب”، يشمل أيضاً السيدة أم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، ومن سبقهما من الأصوات، منذ فجر الموسيقى العربية الحديثة، ويشمل كذلك “الأصوات الغنائية الحقيقية”- لا المصطنعة ولا المفتعلة ولا الدخيلة- التى جاءت بعدهما.. “دياب” ليس مفتاحاً وحسب لتاريخ هؤلاء العظماء، لكنه مفتاح لتحليل أصواتهم وفنونهم فى الغناء.. وكأنه موسيقى محترف ضل طريقه إلى الصحافة.. ويملك دياب “ذاكرة موازية” للسينما تدهش نقادها المحترفين، لا تقل أهمية ولا خطورة ولا حساسية عن ذاكرته الغنائية الخطيرة، لكن يبقى “ذوقه الغنائى” رفيع المستوى مصدراً لم يستغل بعد.. “دياب” ليس جديراً فقط بأرفع الجوائز، إنه جدير بأن تسند إليه وزارة الثقافة عملاً موسوعياً حقيقياً للموسيقى والغناء المصرى والعربى فى القرنين التاسع عشر والعشرين، موسوعة لا تضم فقط معلومات بالغة الدقة عن هذا أو ذاك من الأصوات، وقوائم بكل الأغانى التى قدموها، بل تضم أيضاً تقييماً لأصواتهم، ومكانهم- بدقة- من خريطة تطور الغناء العربى.. هذه هى العملة النادرة الأولى، ويمكننى هنا أن أطالب الكاتب والمؤرخ الكبير والأخ العزيز “حلمى النمنم” وزير الثقافة، باستغلال إمكانيات “محمد دياب” ليخرج هذا العمل الموسوعى العلمى للنور، لاسيما أن دياب الذى حصل على (ثلاثية الجوائز) من “الكواكب” كان قبل أن ينتقل إلى هذه المجلة الزميلة، واحداً من صحفيى “المصور” اللامعين، أسعدنى الحظ بزمالته وصداقته فيها.. وكان الأستاذ “النمنم” واحداً من أكبر كتابها فى نفس هذه الفترة، و“النمنم” يعرف إمكانات دياب فى “المسألة الموسيقية” جيداً..!


أما العملة النادرة الثانية فى “دياب”- كما اعتدت أن أناديه على مدى ١٦ عاماً من الصداقة- فهى شخصية (دياب) ذاته.. دياب ابن محافظة الشرقية (مركز منيا القمح)، فيه المعدن الطيب للشخصية (الشرقاوية) فى أحسن صورة، إنه الصديق المخلص طيب القلب، الذى يتعجب من يعرفه لأول مرة من نفس الأمر: كيف لرجل اقترب من الخمسين أن يكون (طفلاً) فى هذه الحياة، إلى تلك الدرجة؟ وهو ضحوك، تعلو الابتسامة وجهه معظم الوقت، حتى وإن كانت الظروف حالكة، وهو إلى جانب هاتين الصفتين- الطيبة الشديدة، والابتسامة الدائمة- رجل شديد التهذيب منخفض الصوت عفيف اللسان، يبدو لك محمد دياب وكأنه جاء من زمن بعيد، أرسل- بالخطأ- إلى زماننا، أن تجتمع فى هذه الصفات النادرة إلى جانب صفة رابعة- الصدق الشديد- فى إنسان فى هذه الأيام ، عملة نادرة ليس لها جوائز، ولا يمكن تقديرها رسمياً ولا معنوياً، يكفيه حب الناس له، وأنا منهم يا “دياب”..!


لم أندهش حين علمت بأن الزميل “طارق سعدالدين” نائب رئيس تحرير “المصور” قد حصل على جائزة نقابة الصحفيين عن “المقال الصحفي” هذا العام.. فهو رجل مهنى، وصبور، يعكف - بدقة - على صناعة موضوعاته الصحفية، ينسجها بالمعلومات، واللغة الخاصة، والصدق المهنى، ويسعى بدأب لتحقيق فكرة “الانفراد الصحفي”.. وهذه هى ثانى جائزة يحصل عليها “طارق” من النقابة، فقد سبق له أن حصل على جائزة التفوق الصحفى الثانية - فى الصحافة الفنية - عام ٢٠٠٥، عن تحقيق استقصائى حول الفساد فى ماسبيرو، ومقالاته فى “المصور” التى تحمل عنوان “نقطة ضوء” تلاقى الاستحسان والالتفات - باهتمام - من مجمل قراء المجلة.. وهو يعلق فيها على الشئون العامة والسياسية والاجتماعية.


أعرف طارق منذ سنوات بعيدة، زميلاً نشطاً فى “المصور”، له قلمه المميز، وهو ابن مخلص من أبناء هذه المجلة العريقة.. ولكنه لم ينشر فى المصور وحدها، بل نشر مقالاته وتحقيقاته وحواراته وتقاريره الصحفية فى الزميلة “الكواكب”، ومجلة “الهلال” وجريدة “العربي” إلى جانب عدد من الصحف والمجلات العربية.


والمتابع لتاريخ “طارق سعد الدين” الذى تفخر “المصور” به كواحد من أبنائها المتميزين المخلصين.. يعرف أن طارق لم يكتف بممارسة الصحافة المكتوبة وحدها، بل قام كذلك بإعداد مجموعة من البرامج التليفزيونية: برنامج “سنيماتيك” عام ١٩٩٦، وبرنامج “صورة” عام ١٩٩٧، وبرنامج “تحت الضوء” لخمس سنوات متصلة “١٩٩٧ - ٢٠٠٢” وبرنامج “غربة سعيدة” واستمر لثلاث سنوات “حتى ٢٠٠١”، وبرنامج “قيمة وسيما” عام ٢٠٠٤، وبرنامج “عيون الأولي” عام ٢٠٠٦، وقد لاقت هذه البرامج - على ما فى موضوعاتها وموادها من تنوع - نجاحاً لافتاً.


ويلفت النظر أيضاً فى متابعة تاريخ طارق سعد الدين المهنى، والذى بدأه من “الكواكب” نوعية الموضوعات التى يختارها للكتابة عنها، أول موضوع كتبه عن “طلبة معهد السينما الذين دخلوه بالواسطة” وانقلبت الدنيا على هذا المحرر الذى كان شاباً صغيراً، وبعد سنوات كتب تحقيقاً آخر عن قرار الأزهر بمنع ظهور الصحابة فى الأعمال الدرامية من مسلسلات وأفلام، وكان من نتائج هذا التحقيق تعيين طارق صحفياً فى دار الهلال، وتابع طارق فى أكثر من تحقيق.. مظاهر الفساد فى ماسبيرو، منها تحقيق عن تراث التليفزيون وكيف جرى نهبه على مدار سنوات، ثم كتب التحقيق الاستقصائى المهم عن دولة الفساد فى ماسبيرو، وحصل به على جائزة التفوق الصحفى من نقابة الصحفيين عام ٢٠٠٥.


إذن نحن لسنا أمام مجرد كاتب وصحفى جيد، بل أمام قلم أثر دائماً أن يصنع ضجة بأعماله الصحفية، وهى ضجة تختلف عما نجده فى سوق الصحافة هذه الأيام.. والتى تقع - عادة - على خلفية أعمال تتسم بالفبركة والإثارة فى غير محلها، طارق يصده قراءة بمعلوماته الدقيقة، وحقائقه الدامغة، التى يجمعها بصبر شديد، ومهنية عالية، فتصنع أصداء حقيقية حول الموضوعات التى تحتويها.


يمثل طارق سعد الدين حالة خاصة من الدقة المهنية، نتمنى أن تتوافر لدى الأجيال الجديدة فى الصحافة، وهى الدقة التى تصل بصاحبها إلى حالة أخرى.. قوامها التقدير من النقابة - بيت المهنة - ومن الزملاء فى دار الهلال، الذين يكنون لطارق كل محبة واحترام وتقدير.. لاسيما حين يرون تواضعه وهدوءه برغم موهبته الكبيرة.. دار الهلال والمصور تحديداً لا تهنئ طارق فقط بالجائزة، بل تهنئ ذاتها بأن طارق سعد الدين هو أحد أبنائها..!