حكاية قوم ترأسهم امرأة

22/10/2015 - 9:32:19

إقبال بركة إقبال بركة

كتبت - إقبال بركة

مازلت أتجول معك فى بحار الذاكرة حول زيارتى الأخيرة لجمهورية كوريا الجنوبية، وهى بحق دولة تستحق التأمل واتخاذ الدروس من مسيرتها  المتسارعة من الفقر والتخلف بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى صدارة العالم المتحضر فى الوقت الحالى، وتعتبر كوريا الجنوبية من النمور الآسيوية فهى رابع أعلى اقتصاد آسيوى، والثانى عشر على مستوى العالم، لم يأت هذا التطور المذهل من فراغ بل من عوامل كثيرة تضافرت جميعها لتلمس بريشة ساحرة وجه الحياة وتصبغه بالألوان الرائعة.. عشق العمل والتفانى فى أداء الواجب.. تقديس النظام والنظافة، ومن فرط نظافتهم لا يسمحون بدخول أى شخص إلى البيوت والمطاعم والمحلات التجارية بالأحذية، وفى جانب من مدخل أى محل تجد مكانا مخصصا للخفاف التى يمكنك ترك حذائك بها وارتداؤها للتجول فى المكان، أضف إلى هذا اهتمامهم الشديد بالثقافة فهم يقيمون العديد من المؤتمرات المحلية والدولية على مدار العام، وسبق أن استضافوا المؤتمر السنوى لمنظمة القلم الدولية عام 2012 وقاموا بتنظيم المؤتمر على أعلى مستوى. كنا ضيوف الشرف فى مؤتمر الكتاب الكوريين لهذا العام أربعة هم الكاتبة الألمانية ريجولا فينسكا والكاتب الفرنسى الحائز على جائزة نوبل جان مارى جوستاف لوكليسيو وكاتبة كورية هى هومى أونج يون وأنا. وكان افتتاح المؤتمر الذى حضره مئات من الكتاب الكوريين من كل أنحاء كوريا رائعا عرضت فيه ألوان من الفنون الكورية بحضور نائب رئيس الوزراء وعمدة المدينة ورئيس المقاطعة، هذه الدولة الجديرة بالاحترام اختارت أن تحكمها منذ بداية عام 2013  وللسنوات الخمس التالية رئيسة جمهورية هى باك جن هى (من مواليد عام 1952)، ورغم انخراط المرأة الكورية فى السياسة فهى «ست بيت»  تضع بيتها وأسرتها فى المقام الأول ولأن ساعات الدوام الرسمى تستمر من التاسعة صباحا إلى السادسة مساء (والتزويغ مستحيل) وإجازة الأمومة مدتها ثلاثة أشهر فقط فالكثيرات يتركن العمل بعد الإنجاب ويتفرغن للعناية بالطفل والزوج، واستجابة لحملة مكثفة لتحديد النسل بدأت منذ سنوات أصبحت أغلب العاملات لا يفكرن بإنجاب طفل آخر، وأصبحت نسبة المواليد فى كوريا الجنوبية هى الأقل فى العالم، فمعدل المواليد فى 2013 كان 1.19 طفل للمرأة الواحدة، وهو أقل من المطلوب للمحافظة على عدد السكان الحاليين، لذلك يتوقع بعض الخبراء أن يتناقص عدد سكان كوريا الجنوبية من 50 مليوناً اليوم إلى 20 مليوناً بحلول عام  2100.  وأعترف أنى حسدت النساء الكوريات على رشاقتهن وملامحهن الدقيقة «المسمسمة»، فأغلبية النساء فى كوريا مقاس (small) ولعل هذا ما أغرى الجيش الإمبراطورى اليابانى أثناء الحرب بين البلدين باتخاذ النساء الكوريات كرقيق جنسي، ونساء متعة، وتلك من الأوجاع الكورية التى مازالوا يعانون منها ويطالبون باعتبارها جريمة حرب ويطالبون بالقصاص لهم من اليابان فرغم التطور الهائل فى حياة الشعب الكورى الجنوبى وتمتعه بكل وسائل التحضر والرفاهية ومستوى المعيشة العالى مازال الجميع مسيحيين وبوذيين يتمسكون بالقيم والتقاليد، ويلتزمون بتعاليم كونفوشيوس الفلسفية والدينية التى تحثهم على تبجيل الأجداد واحترام الوالدين والتفانى فى خدمة الأبناء.