بعد خفض قيمة الجنيه أمام الدولار: البنك المركزى يضرب الفقراء !

21/10/2015 - 12:24:59

تقرير: أميرة إبراهيم

لم يكن قرار البنك المركزى الأخير بخفض قيمة الجنيه ٢٠ قروش أمام الدولار أمرا مفاجئا فى ظل تراجع الاحتياطى من النقد الاجنبى لدى البنك المركزى والذى سجل ١٦.٣ مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضى فاقدا نحو ٣ مليارات دولار خلال شهرين فقط سبتمبر وأغسطس.


وحتى لا نفاجأ يجب أن نعرف أن تراجع الاحتياطى جاء مدفوعا بتراجع أغلب الموارد الدولارية لمصر وعلى رأسها الصادرات التى هبطت بنهاية سبتمبر الماضى (خلال التسعة أشهر الماضية) نحو ٢٨ ٪ وكذلك انخفاض إيرادات قناة السويس بنحو٩ ٪ وكلها أمور أدت إلى شح الدولار فى السوق الرسمية وارتفاع أسعاره فى السوق الموازية، وهو ما دفع البنك المركزى نحو تخفيض قيمة العملة المحلية فى مواجهة الدولار دعما للصادرات المتراجعة وجذبا لمزيد من الاستثمارات الأجنبية، ولكن تبقى تبعات القرار الأخطر على فاتورة الواردات المصرية من الخارج؛ إذ إن خفض قيمة العملة المحلية أمام الدولار يؤدى بالتبعية إلى ارتفاع أسعار أغلب السلع المستوردة وكذلك ارتفاع خدمة الدين الخارجي..«المصور» تفتح ملف الدولار والجنيه فى محاولة منها للوقوف على أهم تبعات قرار خفض الجنيه أمام الدولار ومعرفة ما إذا كان خفض الجنيه سيؤتى بنتائجه المرجوة بالنسبة للصادرات والاستثمار الأجنبى المباشر والقضاء على السوق السوداء من عدمه؟ ولماذا لم تفلح التخفيضات السابقة لقيمة الجنيه أمام الدولار والتى بلغت ٤ مرات خلال العام الجارى فقط فى حل مشكلة شح العملة الأجنبية التى تعانى منها مصر منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير؟.


الدكتورة سلوى العنترى «رئيس قسم البحوث بالبنك الأهلى سابقا» قالت إن قرار البنك المركزى بخفض قيمة العملة المحلية أمام الدولار ما هو إلا إجراء قصير الأجل ومحدود التأثير يهدف منه البنك المركزى تحجيم السوق السوق السوداء للعملة الأجنبية، من خلال تقليل الفارق بين سعرى العملة الأجنبية فى السوق الرسمية والموازية لجذب الدولار المتداول خارج القطاع المصرفي، وأوضحت العنترى أن شح العملة الأجنبية هو السببب الرئيسى والوحيد تقريبا لانتعاش السوق السوداء للعملة، مشيرة إلى أن شح العملة ناتج بشكل أساسى عن تراجع الموارد الدولارية المختلفة (السياحة والصادرات وقناة السويس والاستثمار الأجنبى المباشر) وهو ما أدى إلى عجز بالغ فى ميزان العمليات الجارية؛ إذ إن الصادرات المصرية مثلا لاتغطى سوى ٣٠ ٪ من الواردات والباقى يتم استكماله من السياحة وهى مضروبة – حسب تعبيرها – وتحويلات المصريين من الخارج والتى يتم تسريبها للسوق السوداء.


وألمحت العنترى إلى أن إجراء البنك المركزى بخفض قيمة الجنيه أمام الدولار ما هو إلا مسكن لحل أزمة نقص العملة الأجنبية فى مصر وتوفير كميات أكثر من العملة الأجنبية، وأكدت أن الحكومة هى المسئولة بشكل أساسى عن جذب العملة الأجنبية للاقتصاد المصري، موضحة أن فشل الحكومات المتعاقبة بعد الثورة فى إصلاح السياسات التجارية لضبط الخلل فى ميزان المدفوعات الذى يميل باستمرار ناحية الواردات والحكومة أيضا هى المسئولة عن إصلاح السياسات الزراعية التى تحقق الاكتفاء الذاتى من المحاصيل التى يتم استيراها والحكومة أيضا هى المسئولة عن منع استيراد السلع الاستفزازية والتى استنزفت مبالغ طائلة من الاحتياطى من النقد الأجنبي، وكذلك رفعت الطلب على العملة الأجنبية فى السوق السوداء وهو ما أدى إلى انتعاش السوق.


وحول تأثير خفض العملة المحلية أمام الدولار الأمريكى قالت العنترى إن الــ ٢٠ قروش التى سمح بها المركزى للدولار أن يرتفع أمام الجنيه ليست نسبة مرعبة ولكن سيطرة المجموعات الاحتكارية على السوق المصرى والغائب عنه عنصر الرقابة على الدوام تؤدى إلى أن أثر التخفيض الطفيف لقيمة الجنيه يكون أضعافا مضاعفة لقيمة الزيادة وهو الأمر الذى يجعلنا لا نستطيع توقع الزيادة الفعلية.


وأكدت «رئيس قسم البحوث بالبنك الأهلى سابقا» أن التجربة العملية لخفض الجنيه لزيادة الصادرات أثبتت فشلها؛ إذ شهدت الصادرات المصرية تراجعا حادا بما يقارب الـ ٢٨ ٪ خلال ٢٠١٥ بالرغم من قيام البنك المركزى أكثر من مرة بخفض قيمة العملة المحلية مؤكدة أن سعر السلعة ليس وحده هو المسئول عن تراجع أو زيادة الصادرات بل إن الجودة وتكلفة الإنتاج الداخلية عوامل أهم بكثير من سعر السلعة تساهم فى إنعاش أو تراجع الصادرات.
وركزت على أن مصر ليست بحاجة لخفض العملة المحلية لخفض قيمة المنتجات المصرية فى الخارج لافتة أن الأصل فى الشىء أن تنخفض أسعار المنتجات المحلية بشكل تلقائى نتيجة تراجع الأسعار عالميا على كافة الأصعدة «أسعار الغذاء, والبترول، والمواد الأولية» على خلفية تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي، وأكدت العنتترى أن سيطرة المجموعات الاحتكارية على السوق المصرى والغائب عنه عنصر الرقابة على الدوام أدى إلى أن يكون مردود خفض العملة دائما له آثاره على الواردات من الخارج وغير مؤثر فى زيادة الصادرات للخارج.


فى الوقت نفسه قال إسماعيل حسن المحافظ السابق للبنك المركزى إن المركزى لم يكن لديه خيار سوى خفض العملة المحلية أمام الدولار لمواجهة نقص الدولار فى السوق المصرى لافتا إلى أن الـ ١٠ قروش التى ارتفع بها سعر الدولار مؤخرا سوف ترفع فاتورة الواردات المصرية من الخارج بواقع ٦.٤ مليار جنيه نظرا لأن إجمالى فاتورة الواردات من الخارج تبلغ ٦٤ وفقا لتصريحات المحافظ الحالى للبنك المركزى هشام رامز أى بما يوازى ٥٠١.٢ مليار جنيه بالسعر قبل رفع سعر الدولار ونحو ٥٠٧  مليارات جنيه بالسعر بعد الزيادة. 
وأشار إلى أنه على الحكومة أن تتخذ الإجراءات اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة ومعالجة الخلل الذى أضر بقطاع السياحة لاستعادة الدخل الدولارى الوارد من هذه القطاعات.


و بالرغم من إن قرار المركزى بخفض قيمة العملة المحلية (الجنيه) لم يمر عليه سوى بضعة أيام إلا أن اسعار بعض السلع المستوردة ارتفعت بالفعل منذ الزيادة الاولى فى سعر الدولار الخميس الماضى بواقع ١٠ قروش وعلى رأس السلع التى ارتفعت اسعارها بعض اصناف الادوية و خاصة منتجات الباراسيتامول «البارمول و مشتقتاته» اذ رفعت بعض الصيدليات اسعار منتج «البارامول المستورد» بواقع ٣٠ ٪ ليسجل سعر الشريط ٢٠ جنيها بدلا من ١٥ جنيها فى الوقت نفسه رصدت «المصور» خلال جولة ميدانيه على بعض الاسواق والسلاسل التجارية ارتفاع اسعار بعض انواع المنظفات بنسب متفاوتة ٥ – ١٥ ٪


المفارقة فى ارتفاع اسعار بعض السلع تكمن فى ان التجار والمستوردين يرفعون اسعار سلعهم المستورده و التى قامو بشراءها منذ فترة أى بسعر الدولار قبل الزيادة و هو ما اعتبرته الدكتورة سعاد الديب رئيس اتحاد جمعيات حماية المستهلك  فساد رقابى من الدرجة الاولى قائلة ان غياب الرقابة على الاسواق شجع الكثير من المتعاملين فى السلع المستوره سواء من الموزعين او المستوردين على رفع الاسعار و مص دماء المستهلكين لزيادة ارباحهم و طالبت الديب كل الجهات المسؤلة بضرورة اعلان قائمة اسعار و لو استرشادية للسلع المتوردة من الخارج و خاصة الحيوى منها مثل الادوية و الاغذية ايضا مشدده على لجنة التسعير بوزارة الصحة على ضرورة التحرك بسياسات عملية مع كل تحركات سعر الصرف لضبط الصيدليات التى تستغل المواطنين وهو الامر نفسه بالنسبة لمباحث التموين


فى الساق نفسه ارجع أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين بغرف القاهرة التجارية قيام بعض التجار والمستوردين برفع اسعار شحناتهم من السلع المختلفة بالرغم من انهم حصلواعليها بسعر الدولار قبل الزيادة الى ما اسماه «مخاوف تآكل رأس المال» مؤكدا أن المستورد فى حاله زيادة سعر الدولار فإنه يقوم بالبيع بالسعر الجديد لا القديم لانه لو باع بالقديم تنخفض قيمة رأسماله وبالتالى سيتاجر فى كميات اقل وهو ما يطلق عليه نظرية تآكل رأس المال، وأوضح شيحة أن عدم استقرار السيات النقدية وعمليات المراوغة المستمرة التى يقوم بها البنك المركزى لمحاربة السوق السوداء تأتى فى النهاية ضد مصلحة المستورد والمستهلك لانها ترفع الاسعار بشكل حتمى وهو ما قد يؤدى الى حالة من الركود التضخمى وليس الركود الناتج عن ضعف الطلب أى أن الناس لن تشترى بسبب ارتفاع الاسعار .


فى السياق نفسه وحول السعر العادل لقيمة الجنيه حاليا قال وائل زيادة المحلل المالى إنه لا يمكن لأحد أن يُقر قيماً عادلة للجنيه، مؤكدا أن البنك المركزى هو الجهة الوحيدة التى يمكن لها أن تحدد القيمة العادلة للجنيه وفقا للمعطيات المعلوماتية التى لا تتوافر لدى أى مؤسسة سواه، وأضاف زيادة أن المعطيات الأساسية للبنك المركزى فى القيمة العادلة للجنيه تقوم فى الأساس على معدلات الطلب الحقيقة والعرض المتاح له من الدولار.


ومن جانبه قال الدكتور مصطفى السعيد أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير الاقتصاد الأسبق : «ليس الوقت المناسب لتخفيض قيمة العملة المحلية «مرجعا ذلك إلى أنه على صعيد الواردات فإن غالبيتها من السلع الأساسية والتى لا مجال لخفضها فى الوقت الراهن، وأكد أن خفض قيمة العملة المحلية أمام الدولار جاءت دائما فى صالح الواردات لا الصادرات وهو ما أدى إلى زيادة معدلات التضخم مشيرا إلى أنه منذ اتباع سياسة الانفتاح الاقتصادى بعد حرب أكتوبر لم ينجح خفض قيمة الجنيه ولا مرة فى معالجة مشكلات ميزان المدفوعات بل كان دائما ما يزيدها حيث انخفض سعر الجنيه ١١٠٠٪ منذ ١٩٧٣ وحتى الآن ومع ذلك فالفجوة بين الصادرات والواردات لاتزال فى ازدياد وهو ما تظهره بقوة أرقام العجز فى الميزان التجارى وهو الأمر الذى ينذر بموجات تضخمية تتآكل معها الطبقة الوسطى ويزداد الفقراء فقرا لصالح مجموعات من المستوردين.