القرامطـــــة قتلوا الحجيج لإجبارهم علي الحج بكعبة الإحساء

06/08/2014 - 11:59:13

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

بقلم : عادل سعد

في سنة 317 هجرية شاهد المسلمون كابوسا بأعينهم، كانوا يستعدون بالهدي والملابس الجديدة لاستقبال عيد الأضحي، عندما هاجم القرامطة حجيج الكعبة، قبل وقفة عرفات، وقتلوا منهم 22 ألفا ، وفي رواية أخري ما يزيد علي ثلاثين ، ولم يتوقفوا عن قتلهم حتي بعد أن تعلق بعضهم بأستار الكعبة، وضربوا بالسيف رقاب أهل مكة، وساقوا نساءهم سبايا، أما بئر زمزم فقد ردموها بجثث الموتي، وخلعوا باب الكعبة، ونزعوا سترتها، واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، وحملوه علي ظهور الإبل حتي الإحساء، وظل هناك 22 عاما،حاربوا خلالها قوافل الحجاج،لإجبار الحجيج علي الانتقال إلي كعبة جديدة في بلادهم .


وقد جاء في (التكملة لتأريخ الطبري) أنّ القرامطة سرقوا الحلي التي كان الخلفاء قد زيّنوا بها الكعبة عبر العصور وأخذوها معهم، ومن تلك الحلي «درّة اليتيم» التي كان وزنها أربعة عشر مثقالا من الذهب، وأقراط مارية وقرون كبش إبراهيم (عليه السلام) وعصا موسي والموزونة ذهباً، وسبعة عشر قنديلا من الفضّة وثلاثة محاريب فضيّة أقصر من الإنسان بقليل كانت موضوعة في صدر البيت.


القرامطة الذين يعتبرهم كثير من المؤرخين،الحركة الشيوعية الأولي في التاريخ،أعلنوا إسقاط الفرائض والصلوات عن أتباعهم،وجمعوا أموال المنضمين لدولتهم، وأعادوا توزيعها، ولم يعد هناك غني ولا فقير، وأقاموا حفلات جماعية ليلية تطفأ فيها المشاعل ويجري خلالها تبادل الحب والنساء والرجال، ومنحوا النساء حقوقا غير مسبوقة، حتي كن يشاركن الرجال في الحروب، واختطفوا الأطفال الرضع لتدريبهم علي الفروسية والقتال، وانضم لدولتهم الملايين من المعدمين والعبيد والحفاة، الذين حملوا السيف دفاعا عن العقيدة الجديدة .


القتل بملابس الإحرام


عندما غادر أبو طاهر القرمطي الإحساء متجها إلي مكة، وصلها في أوائل ذي الحجة، وقد اجتمع الحجاج بها من كل مكان استعدادا لأداء فريضة الحج، وكانت أخبار دولته الدموية قد سبقت وصوله، فمنعه الحجاج وغيرهم من دخولها وحاربوه بالسيوف والحجارة أياما علي مداخلها، فلما لم يطقهم، أظهر أنه جاء حاجا ومتقربا إلي الله، وأنه لا يحل لهم أن يمنعوه من بيت الله، وأنه أخوهم في الإسلام، وأظهر القرامطة أنهم محرمون، ونادوا بالتلبية، واستدعي القرمطي رجلا من أئمة قريش بمكة وحلف أمامه بالإيمان الغليظة ألا يؤذي أحدا منهم، وأنه ما جاء إلا ليحج، وقال إنه كان يحارب جند السلطان، لأنهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويعينون الخليفة الذي يتكبر ويحجب نفسه عن الرعية، ويظلم اليتيم، والأرملة، ويشرب الخمر، ويسمع غناء الجواري، فازداد الناس به اغترارا، ورقّت قلوبهم، وقبلوا أمانه، وأفسحوا حتي دخل مكة مع ستمائة فارس وتسعمائة رجل.


فلما دخل وتمكن وسكن ونامت الناس، وثب بفرسانه علي غرة منهم، وقال لأصحابه: "بالسيف اقتلوا كل من لقيتم، ولا تنشغلوا إلا بالقتل" فلم يزل كذلك ثلاثة أيام، ولاذ الناس هلعا بالبيت العتيق، وتعلقوا بأستار الكعبة، فما نفعهم ذلك، وقتلوهم في المسجد الحرام، وما زالوا يقتلونهم ويقولون لهم ساخرين: (ومن دخله كان آمنا) أما ترون كذب أصحابكم؟


وكان أبوطاهر ينشد البيت التالي وهو يقف بقرب الكعبة:


"يخلق الخلق وأفنيهم أنا


أنا بالله وبالله أنا "


وذكر ابن كثير أنَّ أبا طاهر هدَّم القبّة التي كانت موضوعة علي رأس بئر زمزم، وهو الذي أمر رجاله بقلع باب الكعبة ونزع ستارها الذي قطّعه إرباً إرباً ووزّعه علي أصحابه، ثمّ أمر أحد رجاله بالصعود إلي سطح الكعبة لقلع ميزابها فلمّا سقط الرجل من أعلي السطح ومات انصرف أبوطاهر عن قلع الميزاب، وتوجّه إلي الحجر الأسود وأصدر أوامره إلي رجاله بإخراج الحجر، فعمد أحدهم إلي فأس وبدأ يضرب الحجر به وهو يقول: «أين الطيور الأبابيل، أين الحجارة من سجّيل».


آبار الموت


وقد اختلفت الأقوال في عدد من قتل من الناس من أهل مكة ، فقد هلك في بطون الأودية ورءوس الجبال والبراري عطشا وضُرّا ما لا يدركه الإحصاء.


وقد أشار الوزير نظام الملك في كتابه إلي أن القرامطة عندما فاجئوا الناس بالهجوم وأعملوا فيهم السيف، لم يجد الحجيج والناس مكانا يخفيهم، وألقي كثير منهم بأنفسهم داخل الآبار، لكي يختفوا عن أنظار القرامطة، ولا يتعرضون للقتل، ويعد انتهاء المذبحة، أمر أبو طاهر القرمطي أصحابه بأن يلقوا بجثث من قتلوهم في نواحي مكة في تلك الآبار، فوق الأحياء المختفين فيها حتي يموتوا بدورهم.


وبعد انتهاء هذه المذبحة أمر أصحابه بنهب المدينة، فجمع شيئا عظيما من الذهب والفضة والجوهر والطيب، وسبي من العلويات والهاشميات وسائر الناس نحو عشرين ألف رأس.


وقد ذكر المسعودي أن القرامطة بقوا في مكة ثمانية أيام يدخلونها غدوة ويخرجون منها عشيا، يقتلون وينهبون، حتي رحلوا عنها يوم السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة 317، وكانت تلك أول مرة لا تقام فيها شعائر عيد الأضحي بمكة منذ فتح مكة علي يد سيد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله .


و أشار المسعودي إلي أن القرمطي بعد خروجه من مكة لم يهنأ بسرقاته ، التي حملها علي مائة ألف بعير ،وهاجمته قبيلة هذيل ، في المضايق والشعاب والجبال، وحاربوه حربا شديدا بالنبل والخناجر ومنعوه من السير، واشتبهت عليهم الطرق، فأقاموا بذلك ثلاثة أيام حائرين بين الجبال والوديان، وتمكن كثير من النساء والرجال المأسورين من الفرار، واقتطعت هزيل ألوفا كثيرة من الإبل والغنائم .


كعبة البرامكة


الرحالة الإسماعيلي ناصر خسرو، زار البحرين ، وكتب تقريرا مفصلا عن رحلته في بلاد القرامطة في كتابه ( سفرنامة) وبين أن السبب في انتزاعهم الحجر الأسود أنهم زعموا أن الحجر مغناطيس يجذب الناس إليه من أطراف العالم، ويعقب ناصر خسرو بعد ذلك بقوله: لبث الحجر الأسود في كعبتهم سنين عديدة، ولم يذهب إليها أحد.


وهناك نص آخر أورده القاضي عبد الجبار ينقل فيه شهادة خال أبي طاهر القرمطي، في وقعه الحرم إذ رأي ابن شقيقته واقفا حذاء البيت الحرام والسيف يأخذ رقاب الناس، وهو علي فرسه يضحك ويتلو: (لِإِيلافِ قُرَيشٍ) ، حتي وصل إلي قوله تعالي: (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) فصاح: (ما آمنهم من خوفنا، ظهر الباطن يا أهل مكة حجوا إلي البحرين، وهاجروا إلي الإحساء من قبل أن نطمس وجوها فنردها علي أدبارها.)


وبناء علي هذا القول فإنه ربما يصح تفسير ناصر خسرو لحملهم الحجر الأسود إلي الإحساء من أنهم أرادوا أن يصرفوا الحج عن مكة إلي عاصمتهم في البحرين، وظنوا أنهم يستطيعون تحقيق هذا الهدف إذا هم نقلوا هذا المغناطيس، الذي يجعل قلوب الناس تهوي إلي مكة المكرمة ونقلوه إلي البحرين.


وبني القرامطة الشيعة كعبة لهم بدلا عن الكعبة في القطيف ووضعوا عليها الحجر الأسود وبنوا حولها موضعا سموه المشعر الحرام وموضعا سموه عرفات وآخر سموه مِني وأجبروا العوام علي الحج إلي كعبتهم وأمر القرمطي جيوشه أن تعترض الحجاج فمن حج إلي كعبتهم تركوه ومن رفض سلبوه وقتلوه.


اغتصاب الحجر الأسود


وتكاد المصادر الفارسية التي اهتمت بهذا الحدث تجمع علي أن القرامطة عندما حملوا الحجر الأسود إلي بلادهم قطعوه نصفين ولم يشر من المصادر العربية إلي هذا الأمر إلا ابن جبير ، الذي ذكر في رحلته أن الحجر الأسود قطع إلي عدة قطع، والمقريزي في كتابه (اتعاظ الحنفا بذكر الأئمة الفاطميين الخلفا) الذي قال إن شقوقا حدثت بعد انقلاعه.


وظل الحجر الأسود عندهم نحو اثنين وعشرين سنة، ثم حملوه وأتوا به إلي الكوفة فنصبوه في المسجد الجامع حتي يراه الناس، ثم حملوه إلي مكة وردوه في مكانه في الكعبة، وقالوا: (أخذناه بأمر ورددناه بأمر).


وكان عدد من ملوك الإسلام قد طلبوا أن يستردوه بأي مبلغ من المال يحدده (القرامطة) وبذل بعض الملوك والأمراء لهم خمسين ألف دينار، فلم يردوه، وردوه في سنة 339 هجرية بغير شيء.


كان القرامطة يدّعون الانتماء للفاطميين والتشيع لآل البيت


وقد بعث الخليفة الفاطمي عبيد الله المهدي من بلاد المغرب إلي ابن طاهر القرمطي رسالة ملؤها التهديد واللعن، يقول له: "أخفقت علينا سعينا، وأشبهت دولتنا بالكفر والإلحاد بما فعلت، متي لم ترد علي أهل مكة ما أخذت، وتعيد الحجر الأسود إلي مكانة، وتعيد كسوة الكعبة فأنا برئ منك في الدنيا والآخرة"


فلما وصلت هذه الرسالة أعيد الحجر إلي مكة.


جيوش المعدمين


بدأ ظهور دولة القرامطة في القرن التاسع الميلادي، بعد أن انتشرت دعوتهم بالمساواة بين الناس ، وانتهزوا انشغال الخليفة العباسي بمحاربة أعدائه ، وحكموا مناطق واسعة في شرق شبه الجزيرة العربية ، وعرف عنهم قوة الشكيمة والصمود في الحرب ، وتذكر المصادر التاريخية أن جيشا قرمطيا من 3 آلاف مقاتل تغلب علي جيش عباسي من 80 ألف محارب، وفي السنوات الأخيرة من القرن التاسع الميلادي، كانت ثورتهم الخطر الأكبر في وجه الدولة العباسية.


مؤسس مذهب القرامطة حمدان بن الأشعث الملقب "بقرمط". قدم من الأهواز إلي الكوفة وأقام بها.


وانتشرت دعوة القرامطة في الكوفة وواسط والبصرة في العراق، و البحرين والقطيف واليمن. وبعد ظهور زعيمها في البحرين "أبي سعيد الجنَّابي قويت شوكتها وامتدت هيبتها وسيطرت أيضا علي دمشق وأجزاء واسعة من بلاد الشام.


وبعد موت أبو سعيد أظهر ابنه أبو طاهر الجنابي قوة البأس والشجاعة، وكان يحارب بنفسه في مقدمة كل الحملات والمعارك التي خاضها جيشه المكون من ألف وخمسمائة، أو قيل ألفين وسبعمائة مقاتل، فيهم سبعمائة فارس وثمانمائة راجل وكانت جيوش الخلافة التي قابلوها أقلها ستة آلاف، وأكثرها ثمانون ألف مقاتل، حتي أن المقتدر لما سمع بعدة جيشه، وجيش القرامطة قال: لعن الله نيفا وثمانين ألفاً يعجزون عن قتال ألفين وسبعمائة .


وفي عهد أبو طاهر هذا وصلت الدولة القرمطية إلي أوج قوتها، وفترتها الذهبية.


كعبة الإحساء


تقع مدينة الإحساء في وسط الصحراء. ولبلوغها عن أي طريق، ينبغي اجتياز صحراء واسعة، وهي مدينة لها قلعة، ويحيط بها أربعة أسوار قوية متعاقبة وفي المدينة عيون ماء عظيمة، ووسط الحصن مدينة جميلة بها كل وسائل الحياة التي في المدن الكبيرة.


هذا ما سجله الرحالة المؤرخ ناصر خسرو من ملاحظات في كتابه (سفرنامه) عن الإحساء من حيث الموقع والتحصين حين زارها في رحلته التي دامت سبع سنوات وهو من القلائل الذين كتبوا بموضوعية عن الدولة القرمطية في الإحساء.


يقول ناصر خسرو:


هذه السلطنة التي بلا اسم تدار باسم إمام غائب في بلاد الروم ، ولكن شريفهم وسلطانهم أبو سعيد الجنابي قال: إني عفيتكم من الصلاة والصوم، ودعاهم إلي أن مرجعهم لا يكون إلا إليه، وهم مع ذلك يقرون بمحمد المصطفي وبرسالته .


وبعد وفاة أبي سعيد بُني له قبر جميل، وعلي باب القبر حصان مهيأ بعناية، عليه طوق ولجام، يقف بالنوبة ليلا ونهارا ، ويعنون بذلك أن أبا سعيد يركبه حين يرجع إلي الدنيا ،ويضيف خسرو: وليس في مدينة الحسا مسجد، ولا تقام بها صلاة أو خطبة، إلا أن رجلاً فارسياً اسمه "علي بن أحمد" بني مسجدا وكان يتعهد الحجاج الذين يبلغون الإحساء... وإذا صلي أحد فإنه لا يمنع، ولكنهم أنفسهم لا يصلون.


الاقتصاد


بدأ أبو سعيد الجنابي نهضته الفعلية إذ قام بمساعدة الفلاحين بطحن حبوبهم مجانا في مطاحن مملوكة للسلطان، وألغي الأعشار - الضرائب -، وأقرض الفلاحين المال إذا (افتقروا دون فائدة) وقام بمساعدة المالكين في إصلاح بيوتهم وطواحينهم مجانا ، وكذا دعّم الصناعة اليدوية عن طريق إمداد الصناع بالقروض الطويلة الأمد اللازمة لشراء الآلات دون فائدة.


في هذا التوقيت لاقي أبو سعيد جيشا جرارا من العباسيين وهزمهم بقوة جنوده المؤمنين بدعوته ، وبعد هذه المعركة الهامة ، عاد ليكمل مسيرته في تطوير الصناعة والزراعة باتجاه تحقيق الاكتفاء الذاتي، ويدلل علي ذلك الممارسات التقشفية والضابطة للأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية.


وكان في الوقت نفسه قد جمع الصبيان في دور وأقام عليها قوما، وأجري عليهم ما يحتاجون إليه، ووشمهم لئلا يختلطون بغيرهم، ونصب لهم عرفاء، وأخذ يعلمهم ركوب الخيل والطعان، فنشئوا لا يعرفون غير الحرب.


هدنة مع اللصوص


مات الخليفة العباسي المعتضد وانشغل خليفته المكتفي بحروب الشام ، تاركا المجال لأبي سعيد ليوطد أركان دولته الوليدة . ولما مات ابوسعيد الجنابي خلفه ولده أبو طاهر بن أبي سعيد الجنابي، والذي كان محظوظا، حيث خدمته الظروف فأكمل ما أنجزه أبوه، الذي قتل سنة 301 هــ في الحمام، قتله غلام له غيلة، بعد أن لاحظ أنه لا يصوم ولا يصلي ،وقبل أن يصل خبر مقتل أبي سعيد كان المقتدر خليفة المكتفي قد أرسل كتابا إلي أبي سعيد فيه طلب المهادنة ووقف المناوشات بين الطرفين.


وهكذا وقعت هدنة جديدة بين دولة العباسيين وعصابة القرامطة امتدت قرابة عشر سنوات تمكن خلالها القرامطة بقيادة أبي طاهر من ترتيب أمورهم الداخلية. فلم يصطدموا بجيوش الخلافة حتي عام 312 هــ حيث بدأ أبو طاهر يتعرض لقوافل الحجاج ويقتل حراسهم.


الأكل بالسيف


ويلاحظ أن الحروب التي خاضها أبو طاهر والقرامطة بشكل عام لم تكن فتوحات ولا نشراً لدعوة، إنما هي غزوا لزيادة موارد الدولة المالية، فعلي الرغم من وجود النخيل الكثيرة في المنطقة التي سيطر عليها القرامطة، وعلي الرغم من خصوبة الأرض النسبية التي استخدم القرامطة لزراعتها ثلاثين ألف عبد زنجي وحبشي، عدا الفلاحين المحليين وملاك الأرض الزراعية من غير آل الجنابي ووزرائهم من آل سنبر، فإن مدخول الدولة من الزراعة كان أقل بكثير من الأموال المفروضة علي حماية طريق الحجيج، ومكوس سواد الكوفة والبصرة، ومن رسوم المرور التي تؤخذ من السفن التي تبحر من الخليج، والضرائب السنوية القادمة من عمان، وعائدات الجزية المفروضة علي البدو، وحصة الحكام من صيد اللؤلؤ و الغنائم التي كانت تأتي بها السرايا من الغزوات التي تشنها في كل اتجاه، أي أن واردات دولة القرامطة من الزراعة لم تكن أكثر من 20% من مجموع وارداتها.. ولعل ذلك هو الذي يفسر هذا السعي للحرب.


مفارقات


ومن أغرب المفارقات في تاريخ القرامطة، المحيرة، والمثيرة للتساؤل، أن هناك نصا في كتاب"تاريخ بغداد" يفيد بأن الإمام أبا حنيفة كان يفتي بالقتال إلي جانب القرامطة وهذه الفتوي تجعلنا نعيد النظر في كل الاتهامات الإلحادية التي ألحقت بالقرامطة.. فهذا يعني أن تفسيرهم للدين علي غلوه لا يبعدهم كثيراً عن حظيرة الإسلام، ورغم الضغوطات الشديدة التي واجهها لم يقبل أبو حنيفة بتكفير القرامطة


ولم تكن سياسة قرامطة العراق والشام واليمن والبحرين جميعها علي نمط واحد فكان لكل كيان سياسته الخاصة به، فمثلا كان الحسين القرمطي في الشام يسك مقاطعا من الآيات القرآنية علي النقود الفلزية المتداولة في دولته، وينقشها علي الأعلام والرايات. بينما يعلن أن القبلة تحولت إلي بيت المقدس والأذان من فوق المآذن يجري علي النحو التالي :


(الله اكبر الله اكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأن آدم نبي الله وأن نوحا نبي الله وأن إبراهيم نبي الله وأن موسي نبي الله وأن عيسي نبي الله وأن حمدان نبي الله وأشهد أن محمدا رسول الله).


وتداولت الدولة القرمطية عدد من الفضائح الأخلاقية، كانت الإباحية أكثرها فظاعة والتي كانت تمارس بحرية وفي نطاق واسع. ففي ( ليلة التشويق والإصباح)، تتقاطر ( أسر) القرامطة من رجال ونساء من كل حدب وصوب الي مكان معين للاحتفال، حتي إذا ما وصل صخب القصف في الرقص والغناء عند السكاري ذروته، أطفئت الأنوار وبدأ الرجال يباشرون في تصيد النساء دون تميز.. هذا ما يرويه الطبري.


وفي الربع الأخير من القرن الرابع وحتي منتصف القرن الخامس كسرت شوكة الشيعة بعد زوال دولهم المتعددة كالبويهيين والحمدانيين والعبيديين والقرامطة وبزوال البويهيين ضعف أمر القرامطة ثم تجمع المسلمون وهزموا القرامطة في معركة الخندق عام (470) هـ شمال الإحساء وكانت تلك نهايتهم.


الأفكار والمعتقدات


- حينما قام القرامطة بحركتهم أظهروا بعض الأفكار والآراء التي يزعمون أنهم يقاتلون من أجلها، فقد نادوا بأنهم يقاتلون من أجل آل البيت، وإن لم يكن آل البيت قد سلموا من سيوفهم.


- ثم أسسوا دولة شيعية تقوم علي شيوع الثروات وعدم احترام الملكية الشخصية.


- وجعلوا الناس شركاء في النساء بحجة استئصال أسباب المباغضة فلا يجوز لأحد أن يحجب امرأته عن إخوانه وأشاعوا أن ذلك يعمل علي زيادة الألفة والمحبة - وألغوا أحكام الإسلام الأساسية كالصوم والصلاة وسائر الفرائض الأخري.


- يعتقدون بإبطال القول بالميعاد والعقاب وأن الجنة هي النعيم في الدنيا والعذاب هو اشتغال أصحاب الشرائع بالصلاة والصيام والحج والجهاد.


- ينشرون معتقداتهم وأفكارهم بين العمال والفلاحين والبدو الجفاة وضعفاء النفوس وبين الذين يميلون إلي عاجل اللذات.


- يقولون بالعصمة وإنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يؤول الظاهر ويساوي النبي في العصمة


- يفرضون الضرائب علي أتباعهم إلي حد يكاد يستغرق الدخل الفرديَّ لكل منهم.


- يقولون بوجود إلهين أحدهما علة لوجود الثاني، وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه، الأول تام والثاني ناقص، والأول لا يوصف بوجود ولا عدم فلا هو موصوف ولا غير موصوف.


- يقولون بالرجعة وإن علياً يعلم الغيب فإذا تمكنوا من الشخص أطلعوه علي حقيقتهم في إسقاط التكاليف الشرعية وهدم الدين.


- يعتقدون بأن الأئمة والأديان والأخلاق ليست إلا ضلالاً وجعلوا صلاة الجمعة يوم الاثنين ويمنع فيه العمل.


- وألغوا شهر رمضان لأن الصوم يومان فقط في السنة في عيد النيروز الفارسي وعيد المهرجان .


 


بداية ونهاية القرامطة


ـ بدأ عبد الله بن ميمون القداح رأس الأفعي القرمطية بنشر المبادئ الإسماعيلية في جنوب فارس سنة 260هـ.


ـ ثم كان له داعية في العراق اسمه الفرج بن عثمان القاشاني المعروف بذكرويه الذي أخذ يبث الدعوة سراً.


ـ وفي سنة 278 هـ نهض حمدان قرمط بن الأشعث يبث الدعوة جهراً قرب الكوفة ثم بني داراً سماها دار الهجرة وقد جعل الصلاة خمسين صلاة في اليوم.


ـ هرب ذكرويه واختفي عشرين عاماً، وبعث أولاده متفرقين في البلاد يدعون للحركة.


ـ استخلف ذكرويه أحمد بن القاسم الذي بطش بقوافل التجار والحجاج وهزم في حمص وقبض علي ذكرويه وسيق إلي بغداد فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وكوي وضربت عنقه سنة 294هـ.


ـ التف القرامطة في البحرين حول الحسن بن بهرام المعروف بأبي سعيد الجنابي الذي سار سنة 283هـ البصرة فهزم.


قام بالأمر بعده ابنه سليمان بن الحسن بن بهرام ويعرف بأبي طاهر الذي استولي علي كثير من بلاد الجزيرة العربية ودام ملكه فيها 30 سنة، ويعتبر مؤسس دولة القرامطة الحقيقي ومنظم دستورها السياسي الاجتماعي، وبلغ من سطوته أن دفعت له حكومة بغداد الإتاوة اتقاء لأعماله الرهيبة.


- توفي سليمان فآلت الأمور لأخيه الحسن الأعصم الذي قوي أمره واستولي علي دمشق سنة 360هـ، ثم توجه إلي مصر وأرسل بعض أعوانه للصعيد ووقف لينشد : ( يا مصر إن لم أسق أرضك من دم يروي ثراك فلا سقاك النيل) فكانت نهايته وصدمته معارك طاحنة مع الخلافة الفاطمية قادها الأمير عبد الله بن المعز لدين الله، وأحاطه بعساكره حتي كاد الأعصم أن يؤخذ إلي أن وجد ثغرة في دائرة الحصار ففر بجواده هاربا وانهزم القرامطة وتراجعوا إلي الأحساء.


بعدها خلع القرامطة الحسن لدعوته لبني العباس، وأسند الأمر إلي رجلين هما جعفر وإسحاق اللذان توسعا ثم دار الخلاف بينهما وقاتلهم الأصفر التغلبي الذي ملك البحرين والأحساء وأنهي شوكتهم ودولتهم.