المفكر الاقتصادى د. جودة عبدالخالق: رفع سعر الدولار جريمة.. ولابد من فك ارتباطه بالجنيه

21/10/2015 - 12:22:32

  جودة عبدالخالق فى حواره للزميلين محمد حبيب ومحمد الحسينى جودة عبدالخالق فى حواره للزميلين محمد حبيب ومحمد الحسينى

حوار يكتبه: محمد حبيب - محمد الحسينى

وصف الدكتور جودة عبدالخالق المفكر الاقتصادى ووزير التموين الأسبق، قرار البنك المركزى برفع سعر الدولار بالجريمة، مشيراً إلى أن هذا القرار يتغاضى عن أدوات السياسة النقدية المتاحة، ويلجأ فقط إلى خفض قيمة الجنيه بدعوى أنه سوف يؤدى إلى تقليل الطلب على الاستيراد ويزيد الصادرات، وهو ادعاء باطل..


د.جودة عبدالخالق فى حواره مع المصور يحذر من تأثير رفع سعر الدولار على الفقراء؛ لأنه سوف يرفع معدل التضخم ويؤدى لزيادة عجز الموازنة وزيادة فاتورة الدعم، مطالبا بفك ارتباط الجنيه بالدولار واعتماد سلة عملات متنوعة، وترشيد فاتورة الاستيراد التى وصلت العام الماضى إلى ٦٠ مليار دولار، وأيضا عدم البدء فى كل المشروعات القومية فى وقت واحد، ولابد من دراسة التكلفة الاقتصادية، خاصة أن هذه المشروعات تستنزف كثيرا من مواردنا من النقد الأجنبى من دون أن يكون لها مردود كسلع وخدمات فى الأسواق.


وقال عبدالخالق إن الوضع الاقتصادى فى مصر الآن أسوأ من مما كان عليه فى عام ١٩٦٧ و١٩٧٣ ولابد أن يكون هناك اقتصاد حرب “لابد أن تفوق الدولة والمسئولين”.


وطالب الدكتور جودة بأن يقود البنك المركزى شخصية اقتصادية؛ لأن “المركزى” هو قدس الأقداس فى الاقتصاد ويوجه السياسة العامة، وأن على الحكومة أن تسائل رامز فى ظل غياب مجلس النواب، داعياً الحكومة إلى الجلوس مع التجار والمستوردين للبدء فورا فى ترشيد الاستيراد، ومفندا مزاعم البعض بأن وضع قيود على الاستيراد مخالف لإتفاقية “الجات”.. وإلى نص الحوار:


كيف ترى قرار البنك المركزى برفع سعر الدولار ودلالات هذا القرار؟


نحن نتعامل مع الأزمة الاقتصادية بلا رؤية وهذه هى خطورة الأمر، فأزمة الدولار جزء من أزمة أكبر، وهى أن هناك خللا فى الاقتصاد بين التدفقات النقدية والتدفقات من السلع والخدمات.


بمعنى؟


مصر الآن تنفذ عددا من المشروعات القومية، مثل الطرق بأنواعها المختلفة وأيضاً قناة السويس الجديدة، ومشروع المليون فدان ومدينة العلمين الجديدة والإعداد لمحطة الضبعة...، وهذه المشروعات جزء منها استثمار أجنبي، ولكن بها أيضا إنفاق كبير من الموازنة العامة للدولة، وهذا خلق تدفقات نقدية لا يقابلها إنتاج فى السوق من السلع بسبب طبيعة هذه المشروعات، ولذلك فالمشروعات القومية أشبه بالدواء لابد من التعامل معها بحساب، حيث نقوم بتنفيذ المشروعات القومية بالجرعة التى يتحملها الوضع الاقتصادي، فلا يمكن للمريض أن يأخذ الدواء كله مرة واحدة، ومن ثم يجب إجراء هذه المشروعات بشكل محدد دون أن يترتب عليها ارتفاع للأسعار.


وأزمة الدولار ليست وليدة اليوم، إنما بدأت عام ٢٠٠٣ عندما تم تعويم الجنيه وربطه بالدولار، فأصبح سعر الصرف مرتبطا بالدولار، فإذا أردنا معرفة سعر صرف الجنيه أمام العملات الأخرى نأخذ الدولار الأمريكى كعملة ارتكاز، وبالتالى فسعر الجنيه أمام اليورو والاسترلينى يتحدد وفق علاقته بالدولار، فيتم تحديد سعرالدولار أولا، ثم باقى العملات تشتق من العلاقة بين الجنيه والدولار.


وهل هذا وضع اقتصادى سليم؟


بالطبع لا، فاختيار عملة الارتكاز مرتبط بمواصفات محددة، منها الوضع الاقتصادي، مثلا تكون هى أهم عملة فى التبادل التجارى لنا مع الخارج أو بالنسبة للأرصدة والديون الخارجية لمصر تكون بالدولار، وهذه الشروط لا تنطبق على الدولار فى الحالة المصرية، فصادرتنا إلى أمريكا فى المرتبة الثانية أو الثالثة وتمثل ١٩٪ من حجم الصادرات، وفى المرتبة الأولى يأتى الاتحاد الأوربى، كذلك نسبة الواردات من الاتحاد الأوربى أعلى من الواردات التى نستوردها من أمريكا، وبالتالى إذا أردت عملة ارتكاز أفضل فيكون اليورو.


ومن ناحية الدين الخارجى فالدولار مهم، ولكن ليس أهم العملات فى تكوين الدين الخارجي. فهناك سوء اختيار للدولار كعملة ارتكاز للاقتصاد المصري.


ونحن لن نعيد اختراع العجلة، فالاقتصاديون وضعوا الحل وهو ربط الجنيه ليس بعملة واحدة، ولكن بسلة من العملات مثل اليورو والاسترلينى والين اليابانى واليوان الصينى بجانب الدولار.


التركيز على الدولار فقط أمر خطير، فمثلا نحن خفضنا سعر الجنيه أمام الدولار ولكن من الممكن أن تجد الدولار متراجعا أمام اليورو أو الاسترليني، وبالتالى يتراجع الجنيه أيضاً أمام اليورو والاسترلينى، لأنه مرتبط بالدولار وهذا وضع غريب جداً.


فهناك عشوائية ومن يديرون سوق الصرف هواة، مع احترامى لمحافظ البنك المركزى هشام رامز، ولى علاقة طيبة به ولكننا نتحدث هنا عن شأن عام، وهذه هى أصل المشكلة، ولا يذكر النقد الأجنبى إلا بذكر الدولار وهذا خطأ. لابد من تغييره، والسبب الثانى لأزمة الدولار أن مصر منذ ٢٥يناير ٢٠١١ مرت بأحداث جسام، وهذا يعنى أن الوضع الاقتصادى تأثر بشدة، وهذا ليس معناه أن الثورة سيئة ولكن هذه هى طبيعة الأمور، مثلا حصيلة السياحة تراجعت وكذا انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبى وتقلصت تحويلات المصريين بالخارج، كذلك جمدت أمريكا بعض المعونات، بسبب دعمها للإخوان، فالمحصلة أن الوضع الاقتصادى فى المجمل بلغة الاقتصاديين المحترفين تعرض لصدمة قوية جداً، وهذا معناه أنه يجب اتخاذ إجراءات وتدابير تتناسب مع حجم هذه الصدمة وهذا لم يحدث.


فإذا نظرنا إلى مشكلة الدولار لم يتم التعامل معها بنفس الآلية على الرغم من تراجع التدفقات النقدية الأجنبية ونقص الدولار وزيادة الطلب عليه نتيجة المشروعات القومية وغيرها.


ما الإجراءات التى كان يجب اتخاذها لوقف تصاعد الدولار؟


مصر عضو فى المجتمع الدولى ولها اتفاقيات تجارية مهمة مثل اتفاقية «الجات» التى وقعنا عليها فى ١٩٩٥ وهذا الاتفاق به مادة مهمة جداً” أى دولة عضو بالمنظمة تتعرض لصدمة خارجية قاسية من حقها أن تتخذ من التدابير فى مجال الاستيراد من الخارج لمواجهة هذه الصدمة» هذا يعنى ببساطة وضع إجراءات على الاستيراد من الخارج، فمثلا فى عام ٢٠١٤ مصر دفعت ٣٠٠ مليون دولار مقابل استيراد تفاح، وهذا مثل واحد فقط. فمن المفروض أن تتقدم الحكومة لمنظمة التجارة العالمية بأن مصرتعانى من وضع اقتصادى صعب، وبالتالى ضرورة اتخاذ قرارات لمواجهة هذه الأوضاع وهذه المرحلة الطارئة، مثل تحديد بنود للواردات ووضع قيود على بعض هذه الواردات لمدد محددة يتم التفاوض عليها مع الشركاء التجاريين، فنحن كمصر لا نستطيع اتخاذ قرار منفرد بحظر أى سلعة، لابد من التفاوض من الشركاء.


وهناك دول كثيرة فعلت هذا مثل بورتريكو فى أمريكا اللاتينية ودول فى شرق آسيا.


لكن بعض المسئولين يتحججون باتفاقية الجات وأنها تحظر على مصر وضع قيود على الاستيراد من الخارج؟


هذا جهل من المسئولين بافتراض حسن النية، فالاتفاق موجود وهناك حالات للقيود على الاستيراد، وفق المادة “١٨” من «الجات» ودستور منظمة التجارة العالمية هو من أعطى الدول الأعضاء هذه الميزة، فلا أحد يتحجج أنه لا يمكن منع استيراد سلع معينة بسبب «الجات».


وهذا يأتى بالتفاوض وتحديد الأولويات، ففاتورة الاستيراد العام الماضى ٢٠١٤وصلت ٦٠ مليار دولار والصادرات حوالى ٢٠ مليار دولار.


فالفجوة كبيرة جدا، فمثلا لو قمنا بوضع بنود لأولويات الاستيراد من الخارج ثم وضعنا قيودا على الأولويات من الدرجة الرابعة أو الخامسة، ثم التفاوض وهذا حقنا كعضو فى منظمة التجارة العالمية، فلو مثلا قللنا الواردات ١٠٪ يعنى حوالى٦ مليارات دولار بسعر اليوم يصبح ٤٨ مليار جنيه، فسواء يحدث هذا عن جهل أو شىء آخر فهذه القضية يتم التعامل معها بما يضر المصلحة العامة .


فالمطلوب من البنك المركزى وضع ضوابط على الاستيراد ولا أعلم لماذا الرفض، فلدينا طوفان من الواردات، وهذا معناه أن الطلب على النقد الأجنبى كبير جدا والنقد الأجنبى يتقلص فتم استنزاف الاحتياطى من النقدى الأجنبى فتم اللجوء إلى تخفيض سعر الجنيه مؤخرا وتخفيض سعر الجنيه جريمة .


لماذا تعتبر خفض سعر الجنيه جريمة؟


لأن هذا القرار يتغاضى عن أدوات السياسة النقدية المتاحة فى الحالة المصرية ويستخدم فقط سعر الصرف للدفاع عن قيمة الاحتياطى، بدعوى أن رفع سعر الدولار سوف يؤدى إلى تقليل الطلب على الواردات ويزيد الصادرات، وهذا ادعاء باطل.. فمثلا لدينا واردات يجب إلغاؤها، وحينما يتم رفع سعر الدولارينعكس ذلك على جميع السلع فيؤدى إلى ارتفاع أسعار القمح مثلا والسلع الترفيهية وغيرها، وهذا سيؤدى إلى رفع معدل التضخم وزيادة أعداد الفقراء وزيادة عجز الموازنة العامة للدولة. والتزامات خدمة الدين الخارجى وسداد الديون ستزيد مما سيؤدى إلى عجز الموازنة أيضا .


والبعض يرى أن رفع سعر الدولار مقدمة للتفاوض للحصول على قرض من البنك الدولى، لأن البنك يعطى القروض بشروط مسبقة منها خفض العملة » وعادة لايتم التصريح بهذه الشروط، ولا أستطيع أن أقطع بصحة هذا، لكن تأثير هذا القرار على الفقراء كبير أما الأغنياء فلا يؤثر عليهم، لأن لديهم مرونة سعرية يستطيعون التغلب على هذا الأمر، ومن يدعى أن هذا القرار سيقلل الواردات جاهل.


بعيدا عن الواردات البنك المركزى أعلن أن جزءا كبيرا من الاحتياطى ذهب لتسديد التزامات خارجية كيف يمكن التعامل مع الديون الخارجية؟


من الممكن التفاوض مع بعض الدائنين لتأجيل سداد الديون، «فنظرة إلى ميسرة» وهذا ليس عاراً أو عيباً . ويجب الأخذ فى الاعتبار أوجه انفاق التدفقات النقدية والتركيز على المشروعات القومية بشكل متدرج والتركيز فى جبهة واحدة.


ما الأولويات لضبط سوق الصرف الآن؟


وضع ضوابط على الواردات من الخارج لحماية الاحتياطى من النقد الأجنبى وحماية العملة المحلية مسألة مهمة، فكما أن العلم رمز الدولة فى السياسة لايمكن إهانته، كذلك العملة فى الاقتصاد فهى رمز للدولة .


النظر فى التدفقات النقدية للمشروعات الكبرى وعمل تسلسل لها بما يتناسب مع قدرة الاقتصاد على التمويل.


فمثلا مشروع قناة السويس تم إنجازه فى عام جعلنا نحضر ٧٥٪من أسطول الكراكات فى العالم، وكانت النتيجة أن التكلفة زادت للمشروع، ولكن أقول إنه مشروع قومى من الطراز الأول وقضى على أحلام إسرائيل فى خط سكة حديد أشدود - إيلات كبديل لقناة السويس، ولكن هذا ليس معناه التغاضى عن الحساب الاقتصادى، وبالتالى يجب مراعاة توازنات معينة فى المشاريع القومية.


ما رأيك فى إعلان الحكومة مؤخرا توجيه خمسة مليارات جنيه للبنية التحتية فى العاصمة الإدارية الجديدة، رغم الأزمة التى يمر بها الاقتصاد حاليا؟


أولا: نحن لدينا تجربة سابقة فى مدينة السادات التى تم بناؤها وتجهيز المبانى ولم يتم نقل أى وزارة إليها حتى الآن .


ثانيا: أن مشروع العاصمة الإدارية لم نسمع عنه من قبل إلا فى المؤتمر الاقتصادى فى مارس الماضى عندما تم الإعلان عنها للمرة الأولى، وحتى كتاب التخطيط العمرانى لمصر حتى عام ٢٠٥٢ الصادر عن الهيئة العامة للتخطيط العمرانى التابعة لوزارة الإسكان والذى صدر٢٠١٤ فى عهد الوزير الحالى مصطفى مدبولى- أكبر مروّج للعاصمة الإدرية- لم يتحدث بكلمة عن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، برغم أنه تحدث عن كل المشروعات المطلوبة فى الخطة العشرية من ٢٠١٣ حتى ٢٠٢٢، ولم يذكر شيئا عن هذا المشروع.


وزير الإسكان تحدث عن مركز تجارى وليس عاصمة جديدة؟


تصريحات وزير الإسكان أنه سيتم نقل الوزارات والهيئات إلى العاصمة الجديدة، وبالتالى نقلنا عاصمة بالمعيار الاستراتيجى إلى مكان مجهول فى الصحراء، فى الوقت الذى تتمتع فيه القاهرة بتاريخ طويل وبها الأزهر الشريف ونهر النيل، وبها أحياء عمرانية متنوعة، فنترك كل هذا دون أن نحدد ماذا سنفعل فى القاهرة وتطويرها، والانتقال لعاصمة جديدة سيؤدى بالطبع إلى إهمال القاهرة وزيادة مشاكلها، الحكومة تعمل بمنطق أن هذا المكان به مشاكل فنتركه وأصنع آخر جديدا، فهو منطق خاطئ، فسياسة القفز على المشاكل آفة كبيرة جدا، وبالتالى يجب إصلاح المشاكل القديمة أولا وبدء بناء الجديد.


ومن الناحية الاقتصادية فإن الرقم المعلن للاستثمار فى هذا المشروع حوالى ٤٥ مليار دولار يعنى حوالى ٣٥٠ مليار جنيه، وهذا ليس من الأولويات على فرض أن هذا المشروع له جدوى، وحتى الآن لم يقل لنا أحد ما هى جدوى هذا المشروع .


ولذا أنا أقول قبل أن تقع الواقعة أعيدوا النظر فى العاصمة الإدارية الجديدة وأنا هنا لا أتحدث من فراغ، إنما بعد حديث مع شيوخ التخطيط العمرانى مثل الدكتور أبوزيد راجح والدكتور فتحى البرادعى، وهذا الأمر يدل على التخبط والعشوائية وإدارة مشروعات عملاقة بنفس الهواة وليس بنفس المحترفين.


وهنا أنا أخاطب رئيس الجمهورية” أرجوك سيادة الرئيس أعد النظر فى مشروع العاصمة الإدارية» .


ماذا عن مشروع استصلاح المليون ونصف مليون فدان؟


لدينا علماء أفنوا عمرهم فى دراسات عن المياه الجوفية، وهل الخزان الجوفى متجدد أم لا، ولم يستطيعوا حسم هذا السؤال منذ زمن عبدالناصر ومشروع الوادى الجديد ولم يتأكد حتى الآن أن الخزان متجدد . وبالتالى لا يمكن ضخ أموال أو استثمارات فى مكان وبعد ٥٠ عاماً نفاجأ أنه لا توجد مياه مثلما حدث فى الوادى الجديد حفرنا آباراً على عمق ١٥متراً، وبعد ذلك وصلت إلى ١٥٠ متراً وهذا يعنى زيادة التكلفة، أضف إلى ذلك أن السحب الجائر يؤدى إلى تغير تركيبة المياه وزيادة الملوحة، وهذا ما حدث فى السعودية فى الثمانينيات، حيث تبنت السعودية مشروعاً طموحاً لتحقيق الاكتفاء من القمح، بل والتصدير إلى الخارج وبعد ١٠ أو ١٥ سنة الأرض «بارت» لارتفاع نسبة الملوحة، وفشل المشروع واضطرت السعودية بعد درس قاس أن تعدل عن هذه السياسة، وفى رأيى أن المشروع القومى فى الزراعة يجب أن يكون إعادة تأهيل شبكة الصرف المغطى فى الوادى والدلتا الموجودة فى الأراضى الزراعية، حتى لا يعلوا منسوب المياه الجوفية والذى يؤثر على إنتاجية الأرض الزراعية.


فمصر قامت فى عام ١٩٧٢ بمشروع شبكة صرف زراعى مغطى بتمويل من البنك الدولى ونتج عنها زيادة إنتاجية الفدان، وهذه الشبكة عمرها الآن ٤٠ عاماً وإعادة تأهيل هذه الشبكة ممكن أن ترفع إنتاجية الفدان بنحو ٢٠٪ على الأقل، أى رفع إنتاجية الأراضى القديمة المقدرة بـ ٨ ملايين فدان بمقدار الخمس، يعنى إضافة أكثر من مليون فدان، وهذا لا يعنى عدم استصلاح أراض جديدة، ولكن بالتوازى وليس القفز على المشاكل وضرورة حل المشاكل القديمة وعمل مشروعات جديدة.


هل فشلت سياسة هشام رامز فى ضبط سوق النقد؟


البنك المركزى بالنسبة للاقتصاد هو قدس الأقداس؛ لأنه رمز الهوية الاقتصادية وهى العملة، وكل دول العالم لا تأتى بمصرفى لقيادة البنك المركزى، بل تأتى باقتصادى، فأمريكا مثلاً يدير البنك المركزى اقتصادى، وإنجلترا نفس القصة لأن محافظ البنك المركزى ليس فقط مسئولاً عن سعر العملة، ولكنه مسئول عن مجمل السياسة الاقتصادية كلها، وهو ضابط الإيقاع، وهشام رامز مع احترامى له ليس اقتصادياً، فنحن نحتاج لشخص بمؤهلات أوسع وأعمق؛ نظراً لخطورة دور البنك المركزى فى المعادلة الاقتصادية، فما يحدث الآن هو التركيز على سعر العملة من منطلق أنه كان يعمل فى غرف التداول، فهو يراقب العملة فقط وأسعارها وهذه هى كل خبراته ولا يوجد لديه رؤية للسياسة الاقتصادية فى مجملها.


رامز يقول إن دوره ليس جلب الدولار إنما إدارته فقط؟


هشام رامز بارع وله خبرة طويلة فى غرفة التداول لمتابعة أسعار العملات وشرائها والتوقع بأسعارها وهذا جزء من المسألة وليس كل المسألة، نحتاج شخصاً قارئاً للاتفاقيات الدولية التى مصر طرف فيها وما تنتجه الاتفاقيات من فرص وما تخلقه من تحديات لمن يقود المركب ويجب أن يعى الإدارة الجيدة لمصالحنا الوطنية مع البنك الدولى ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولى، ولنا تاريخ طويل مع هذه المنظمات.


والبنك المركزى ليست أهم مهامه هى إدارة العملة فقط، فلديه مهمات كثيرة أخطر.


هل رفع سعر الدولار سيدفع المواطنين لوضع ما لديهم منه فى البنوك، وبالتالى زيادة حصيلة الدولار؟


هناك شىء فى الاقتصاد اسمه توقعات، واستقر لدى الكثيرين ممن يمتلكون الدولار أن تخزينه من الممكن أن يزيد سعره مرة أخرى، وأتوقع زيادة جديدة فى الدولار فى عطاء غد الخميس، وتكون النتيجة مباشرة أن العرض يتجمد عند مستوى معين ولم نصنع شيئا فى مجال الطلب، فالطلب مازال على ما هو عليه، فنحن فاتحو باب الاستيراد على مصراعيه، فمثلا مصر استوردت بـ ٣ مليارات دولار سيارات فى ٢٠١٤ رغم أننا نعمل خطوط جديدة للمترو، ونصنع أتوبيسات وطرقا، ولدينا حوالى ١٧ شركة سيارات، رغم أن مثلا أمريكا لا يوجد بها سوى ٣ شركات لإنتاج السيارات، فنحن لدينا شركات تجميع ونستورد المكونات وتستفيد من التخفيض الجمركى وتجميع السيارات، فهذه ليست سياسة اقتصادية سليمة، وبالتالى قرار هشام رامز لن يقلل الواردات ولن يزيد الصادرات؛ لأن أى منتج يتم تصديره يدخل فيه مكونات مستوردة من الخارج وبالتالى التكلفه ستزيد.


حتى صناعة السياحة كثير من المواد المستخدمة فيها مستوردة، نفس الشىء للصناعة.


رامز وغيره لا يفهمون تضاريس الاقتصاد القومى، فهذا الإجراء لن يترتب عليه سوى الإضرار بمحدودى الدخل، والفقراء وزيادة نسبة الفقر.


الحكومة تقول إن البنك المركزى هو المسئول عن سعر الصرف، وأنها ليست طرفا، وذلك وفق المادة ٨ لقانون ٢٠٠٣ الخاص بعمل البنك المركزى؟


هذا خطأ، وهذا فهم خاطىء لهذه المادة، وهناك لجنة للتنسيق بين الحكومة والبنك المركزى ومندوبين من الوزارات فى البنك المركزى، وبالتالى من خلال تداول الآراء يتم الوصول إلى قرار أكثر نجاعة وأفضل من القرار المنفرد، فالبنك المركزى مسئوليته السياسة النقدية، ولكن فى إطار الخطة الاقتصادية والاجتماعية للدولة، فالخطة الاقتصادية للدولة تركز على العدالة الاجتماعية، وبالتالى أخذ قرار مثل هذا لا يترتب عليه إلا إذكاء التضخم وزيادة الأسعار.


وبالتالى من يتحدث عن زيادة السلع فى المجمعات الاستهلاكية لضبط الأسعار لن يحدث، فهذه السلع إما مستوردة أو بمكونات مستوردة، وبالتالى فالأسعار سترتفع وضخ السلع بأسعار أقل من سعرها سوف يرفع فاتورة الدعم.


وتعلل الحكومة بأنها ليست طرفاً فى رفع سعر الدولار عذر أقبح من ذنب.


من المسئول عن حساب محافظ البنك المركزى؟


المفروض يحاسبه مجلس الشعب، أما الآن ومع عدم وجود برلمان، فالحكومة يجب أن يكون لها دور من خلال المجموعة الوزارية الاقتصادية والمجلس الرئاسى التخصصى للشئون الاقتصادية، فمثلاً ماذا سيحدث فى فاتورة المشروعات القومية التى أسندت طبقاً للأسعار القديمة للدولار، كما أن قرار البنك المركزى سيؤدى إلى زيادة عملية” الدولرة» بمعنى تفضيل المودعين الإيداع فى حساباتهم بالدولار وليس بالجنيه، وهذه مسألة خطيرة.


بنظرة شاملة كيف ترى الوضع الاقتصادى فى مصر؟


وضعنا الاقتصادى أصعب من وضعنا فى حرب ١٩٦٧ و١٩٧٣ يجب أن تصدم المجتمع ليفوق من غفوته نحن فى حالة حرب، ويجب أن يكون اقتصاد حرب وعلى الجميع أن يتحمل مسئولياته، وأنا مؤمن أن الحكومة عليها الاجتماع مع اتحاد الصناعات والغرف التجارية والمستوردين والتفاهم معهم على السلع التى يمكن الاستغناء عنها وتحديد مدد معينة لذلك.


وأذكر أننى حينما كنت وزيرا للتموين كان هناك ٥ أشخاص متحكمين فى توريد الأرز للوزارة وكان يتم عمل مناقصة كل شهر وكل شهر الأسعار تزيد، قمت بالاجتماع بهم ووجهتم إلى ضبط الأسعار، ولكنهم رفضوا فقمت بتغيير نظام المناقصة ليصبح كل أربعة أشهر، وإذا لم يعجب الوزارة السعر ترفض المناقصة، وضعتهم فى حالة ارتباك، وقمت بشراء الأرز مباشرةً من الفلاحين، وقمت باللعب بهذه الورقة حتى تم ضبط الأمور، وبالتالى يجب استخدام كل الأوراق المتاحة لضبط السوق وإعلان اقتصاد الحرب ولكن التعامل على أن الأوضاع طبيعية وكل شيء عادى أمر بالغ الخطورة، فنحن نعانى من قرارات يتم اتخاذها وإنفاق الأموال عليها ولا تنفذ مثل كروت الوقود وغيرها من القرارات التى تتخذ دون نقاش، وتؤدى لحدوث كوارث، ومن واجب الحكومة اتخاذ تدابير فى حالة الحرب.


محافظ البنك المركزى أعلن انخفاض السلع فى العالم بنحو ٥٠٪ وفى مصر لم تنخفض، ما الأسباب فى رأيك؟


لأن الاحتكارات تعشش فى جوانب الاقتصاد، ولدينا فى تجارة الفاكهة والخضار سوق العبور وسوق أكتوبر وثالث بالإسكندرية والأسوق يتحكم بها أباطرة، لذا نحتاج لمنع هذه الاحتكارات.


فأمريكا وهى نموذج الرأسمالية تتعامل فى موضوع الاحتكار بلا هوادة، فمثلا شركة مايكروسوفت تم تغريمها ٣٠٠ مليون دولار بسبب الاحتكار،وتم توزيع هذه الغرامة على الشركات المضارة من الاحتكار، بينما نحن هنا نفتح باب التصال مع المحتكرين.


نحن لدينا احتكار ولا أحد لديه القدرة على مواجهته، فيستشرى فى مجال السلع الغذائية والمستوردة، فهناك محتكر لكل سلعة يقوم باستيرادها ويتحكم فى السعر.


فنحتاج إعادة النظر فى قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار.


وواحدة من أهم المشكلات التى تواجهنا أن المجتمع أدمن الحصول على المعونات، وهنا أذكر شيئاً مهماً أن من حصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد هذا العام هو أمريكى من أصل أسكتلندى اسمه «انجوس ديتون» وحصل على الجائزة لتوصله لنتيجة أن النمو الاقتصادى بنمط معين مهم جدا لرفع الملايين من حالة العوز إلى حالة الكفاية وضرب مثالاً بالهند والصين، حيث حدث بهما نمو على مدى ١٥ أو ٢٠ سنة، ولكن بنمط ركز على الصناعة والزراعة وعملية التصنيع الشاملة وليس على العقارات والمنتجعات السياحية.


وأكد من واقع دراسته أن المساعدات الأجنبية وإن كانت تحقق بعض المزايا والمكاسب، إلا أن أضرارها أكبر من مزاياها، فيجب أن نتذكر هذا الكلام وأنا درست موضوع المساعدات الأجنبية وأنا شاب وذهبت لصانع القرار وضربت لهم مثالا بقرض كان جزءا من منحة لا ترد وجزء منه قرض أمريكى فى أوائل الثمانينيات لتمويل شركة أسمنت السويس لبناء المصنع بشروط ميسرة وجزء منحة لاترد، ولكن الأصعب هى الشروط غير المالية مثل بيع أسهم القطاع العام للقطاع الخاص، وأصبح الآن من يتحكم فى سوق الأسمنت هم الإيطاليون والخطة السنوية لتوزيع الأسمنت فى حينها اشترطت عرضها على وكالة التنمية الأمريكية المقدمة للقرض، وهذا يبين أهمية وضرورة عدم التوسع فى الاقتراض من الخارج والتدقيق فى الشروط الموضوعة للمنح والقروض.


هل هذا يعنى أن القرض المقبلة عليه الحكومة فى الفترة القادمة خطر؟


«الديّن هم بالليل ومذلة بالنهار»، ولكن المضطر يركب الصعب ولكن يجب أن يكون هناك بصيرة وأعرف حقوقى والتزاماتى ولا أفرط فيها، فأنا لا أقول لا نقترض من البنك الدولى أو صندوق النقد، انظر للواردات وحاول تقليصها والنظر فى المشروعات القومية ووضع أولويات.


فمثلا الحكومة تقول نبنى ألف مصنع ونحن لدينا حوالى ٤ آلاف مصنع متوقف فيجب حل مشاكلهم وآن الأوان لكى نتخلى عن منطق القفز على المشاكل وأن نواجه المشاكل.


هل هناك علاقة بين العزوف عن الانتخابات والوضع الاقتصادى المتردى؟


نسبة المشاركة فى المرحلة الأولى لانتخابات مجلس النواب هزيلة وهذه مشكلة لأنها تشكك فى شرعية البرلمان من الناحية السياسية؛ لأنه لم يأت بنسبة مشاركة كبيرة.


ولكن من منظور آخر أعتقد أن الناخبين أصابهم حالة إعياء انتخابي، فنحن منذ يناير ٢٠١١ حتى الآن ذهبنا للصناديق حوالى ٩ مرات، وهذا أحدث إعياء انتخابيا وهذا مصطلح سياسى مثل فريق الكرة المستهلك من لعب المباريات، فنحتاج لتحميس الناس لتذهب للانتخابات، فنحن أمام مشهد سياسى وانتخابى عبثى.


حوالى ١٠٠ مرشح لكل دائرة وهذا شىء صعب للاختيار فكيف يختار الناخب المرشح من بين كل هذا العدد، خاصة أن معظمهم غير معروفين ولم يتم عرض برامجهم ولا حتى الأحزاب المشاركة عرضت برنامجها وأتمنى وجود تعاون بين اللجنة العليا للانتخابات والهيئة العامة للاستعلامات والتليفزيون المصرى فى عرض البرامج وتوعية الناخبين، مثلما حدث فى انتخابات ٢٠١٠ قبل الثورة، حيث تم عمل مناظرات بين الأحزاب السياسية التى كانت لها شأن فى هذا الحين، وكنت أنا ممثلا لحزب التجمع وكان أمام كل شخص ١٥ دقيقة يعرض فيها برنامج حزبه وهذا يزيد وعى الناس ويجعل المواطن يشعر بوجود لعبة كبرى وعلى الأقل المناظرة تحدث بين القوائم وعمل مناظرة حتى يشعر المواطن بأهمية ذهابه للانتخاب حتى نرى برلمانا محترما، ومسألة كثرة المرشحين سببها الرغبة فى الحصانة، وعندما كنت وزير تموين عملت محضراً لاثنين من نواب برلمان٢٠١٢ الإخوانى لقيامهم ببيع ملايين اللترات من البنزين والسولار فى السوق السوداء ولم يرفع مجلس الشعب الحصانة عنهم كانوا يقومون بهذه المخالفات استنادا إلى الحصانة البرلمانية التى ليس وظيفتها التربح، ومن أسباب العزوف سوء توزيع الدوائر وتغيير النطاق الجغرافى، وهناك استغلال لاسم مصر مثل قوائم «فى حب مصر» و«نداء مصر» وغيره ولا توجد قضايا ساخنة تُناقش نظام الانتخابات ثلث القوائم وثلثين للفردى وأصبح نطاق الدوائر واسع والعلاقة المباشرة ضعفت بين الناخب والمرشح كل هذه العوامل تؤدى إلى عدم ذهاب الناخب، وبالتالى تؤدى لبرلمان مشكوك فى أهليته من الناحية السياسية على الرغم من أن الدستور وسع صلاحيات البرلمان إلى حد سحب الثقة من الرئيس، ويجب بعد ذلك إعادة النظر فى قانون مباشرة الحقوق السياسية وتقسيم الدوائر.


 



آخر الأخبار