الخبير الاقتصادى د. عبدالخالق فاروق: الاقتصاد المصرى يدار بنظرية الجزر المنعزلة

21/10/2015 - 12:20:39

حوار تكتبه: إيمان رسلان

هل تكون المرة الأخيرة على الأقل خلال هذا العام التى ينخفض فيها قيمة الجنيه المصرى رسمياً أمام الدولار؟


هذه هى الأمنية التى أصبحت هاجس كل المصريين الذين باتوا يعرفون عن الورقة الخضراء “الدولار” وأحواله أكثر بكثير مما يعرفونه عن الانتخابات والقوائم وغيرهما.


والسبب بسيط أن الأخضر متعلق بالحياة اليومية للمصريين فى مأكلهم وملبسهم لأن بصراحة ووضوح نحن نستورد أكثر من ٦٠٪ من غذائنا أى بالأخضر وأن كل مواردنا بالأخضر من قناة السويس وتحويلات المصريين فى الخارج والسياحة غير أنها بعافية هذه الأيام أصبحت لا تغطى إلا نسبة مما نستهلكه وأن صادراتنا التى هى أصلاً بعافية لا تغطى إلا نسبة ٤٠٪ من وارداتنا بالأخضر.


فهل سيستمر صعود الأخضر فى مواجهة الجنيه وكيف نوقف هذا النزيف للعملة الوطنية التى تتآكل فى السوق وترتفع الأسعار كانت تلك هى محاور الأسئلة للدكتور عبدالخالق فاروق، الخبير الاقتصادى وصاحب الكتب والدراسات الاقتصادية حول الفساد ومؤسساته.


ماذا يحدث فى سوق الدولار فى مقابل الجنيه المصري؟


د. عبدالخالق فاروق: أولاً نحن لدينا مشكلة حقيقية وتتمثل فى أن من يديرون أمر الاقتصاد المصرى بشقيه فى السياسة المالية والنقدية يركزون على وجود “الأعراض” وليس بالبحث فى سبب المرض نفسه مثل مريض يعانى من “كحة وسعال” فيشخص الطبيب بناء على هذا العرف وهو السعال بأن الأمر بسيط ويصف بعض المهدئات له.


وبعد فترة يجد المريض نفسه أن أوضاعه لم تتحسن والسعال زاد رغم المواظبة على تنفيذ تعليمات الطبيب.


وهذا بالضبط هو ما يحدث لدينا فى الأمور الاقتصادية فنحن نتحدث فقط عن الأعراض الجانبية للمرض ونحن نستمر فى الاقتناع والممارسة بأن الأسلوب الاقتصادى الأمثل لمصر هو التعظيم لآليات السوق وتعظيم مبدأ الحرية المطلقة له وآليات العرض والطلب هى التى تحكم وبالتالى تقديس عملية الربح الرأسمالى بدون أى ضوابط صحيحة لصالح الاقتصاد، فسوف نستمر فى المعاناة ويستمر الضغط على الجنيه المصرى لصالح الدولار وللأسف نحن منذ سنوات طويلة من أيام حقبة مبارك ونحن نعظم فلسفة الحرية المطلقة للسوق وتقديس الربح وتستمر أيضاً المعاناة والخلل كما هو ولم نعالج المرض الحقيقى حتى الآن بالجدية اللازمة ونغير من سياسات تقديس حرية السوق المطلق وعملية الربح.


ما هو إذن المرض الحقيقى للاقتصاد المرضى؟


د. عبدالخالق فاروق: هناك اختلالات عميقة فى بنية الاقتصاد المصرى وعلى رأسها الاختلال بين الإنتاج وبين ما نحتاجه فمثلاً نحن لدينا اختلال يصل ما بين ٦٠٪ إلى ٦٥٪ فى توفير مستلزمات التصنيع وبالتالى نلجأ إلى استيراد هذه المسلتزمات حتى نستمر فى عملية التصنيع والاستيراد يتم بالتأكيد بالعملة الأجنبية أيضاً أكثر من ٦٠٪ من احتياجاتنا من الغذاء نستورده من الخارج وهذا يتم أيضاً بالعملة الأجنبية.


وبالتالى تزداد الفجوة والقدرة بين الاستيراد وبين التصنيع والصادرات ولغة الأرقام هنا لا تكذب فقد ارتفعت قيمة وارداتنا من أيام حكم السادات من قيمة ٥ مليارات دولار إلى ١٥ مليارا فى أوائل عهد مبارك إلى ٢٥ مليار دولار يعد ٣٠ عاماً من حكمه والتى أنهت بثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ حتى وصلت الآن إلى ٣٥ مليار دولار وهذه هى الفجوة الحقيقية بين الصادرات والواردات والتى يتم تمويلها بالعملة الأجنبية وهذه الفجوة بين الصادرات والواردات تتم معالجتها من خلال الاحتياطى الوطنى بالعملة الأجنبية والتى تتوفر لمصر من ثلاثة مصادر رئيسية أولاً عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين بالخارج وثالث السياحة ولكن الآن نظرة على هذه المصادر الرئيسية الثلاثة لتوفير العملة الأجنبية سنجد أن قناة السويس أصبحا جزء من عائداتها يذهب لمشروعات التطوير فى شرق التفريعة أو المشروع المتكامل لقناة السويس وتحويلات المصريين فى الخارج تتغير قيمتها من وقت لآخر وتشهد انخفاضاً أيضاً.


أما السياحة فجميعاً نعلم أحوالها ولا يوجد لدينا سياحة منذ ٤ سنوات، إذن العوامل الرئيسية لتوفير النقد الأجنبى بها بعض المشاكل وبالتالى يؤثر ذلك بشكل مباشر فى توفير الاحتياطى من العملة الأجنبية.


ولذلك لابد من وجود تخطيط وسياسة واضحة لمن يديرون السياسات المالية والنقدية.


ولكن للأسف لا يحدث أى تخطيط أو تنسيق فى هذا الشأن.


ما هو تأثير الانخفاض المستمر لقيمة الجنيه؟


د. عبدالخالق فاروق: أولاً من المفترض أن يحدث انخفاض فى التضخم ونسبته ولكن هذا لم يحدث بل العكس هو ما حدث بمعنى أن السياسات المالية أوجدت “فلوس” أى رفعت معدلات السيولة المالية فى الأسواق وفى نفس الوقت انخفضت معدلات الإنتاج المحلى وبالتالى حدثت الفجوة أو ما يطلق عليه زيادة نسبة التضخيم فى السوق كما زادت وارتفعت الاسعار.


وهنا نقول إن السياسات النقدية واستمرار خفض سعر الجنيه المصرى لصالح الدولار فشلت تماماً والدليل خسارة الشوط الأول فى جوانب السياسات النقدية وهى ارتفاع نسبة التضخم فى السوق.


ما معنى الشوط الأول أو أول جوانب السياسة الاقتصادية؟


د. عبد الخالق فاروق: أقصد أن علمياً والمفترض أن السياسات النقدية والسياسات المالية فى الدولة تتكامل مع بعضها البعض بمعنى أن مثلاً رئيس الوزراء يجتمع أسبوعياً للتنسيق بين السياسات النقدية ويختص بها البنك المركزى وبين السياسة المالية وتختص بها وزارة المالية ولكن نحن حالياً نرى أن كل فرع فى هذه السياسات يطرح مقولة “أنا مستقل” بمعنى أنه يعمل بمفرده وبالتالى آثار هذه السياسات الانفرادية كارثية على أوضاع السوق الداخلى وللأسف الآن تزداد هذه السياسات الانفرادية وتتحكم أكثر فى اتخاذ القرار السياسى.


فنحن رغم معارضتنا الشديدة لنظام مبارك وابنه جمال، فإنه كان يوجد تنسيق فى السياسات المالية والنقدية.


وأصبحت المعركة الآن هى محاولة الحد من التضخم ورفع مستوى الاحتياطى النقدى بالعملة الأجنبية حتى لا تزداد الأسعار فى الأسواق وللحقيقة محافظ البنك المركزى الآن معذور لأنه حدث تآكل عنده فى التدفق النقدى بالعملة الأجنبية وآليات السوق فى مصر للأسف الشديد تعمل وفق منظومة بمفردها لا علاقة لها بالإنتاج وبالتالى إحداث التوازن يستلزم بالضرورة الاهتمام وأعطاء الأولية للقطاع المنتج خاصة فى الزراعة والصناعة والكهرباء ولابد من العمل على زيادة حجم الإنتاج فى هذه القطاعات ولا بديل غير ذلك وحينما يزيد حجم الإنتاج الصناعى والزراعى والكهرباء سوف يحدث التقليل من الضغط على الاحتياجات من النقد الأجنبى للاستيراد.


ونحن لن نمل من القول إن بيع أو خصخصة القطاع العام وتم تحويل ما تبقى منه إلى “خرابة” سواء على مستوى الإنتاج أو مستوى العمالة وانخفضت نسبة العمالة بالقطاع الصناعى الآن من ١.٣ مليون إلى ما يقرب من ٧٥٠ ألف عامل أثر بالسلب على الأقتصاد الوطنى وعلى الانتاج.


لكن هناك تصريحات مؤخراً تقول إن حجم العمالة فى القطاع الحكومى حوالى مليون والنسبة الأكبر فى القطاع الخاص وما علاقة ذلك بأن العاملين فى الحكومة بهم تضخم؟


د. عبدالخالق فاروق: أعتقد أن الرقم الذى قيل المقصود به العمالة فى قطاع الأعمال وليس المقصود به موظفى الحكومة الذين يقترب عددهم من ٦ ملايين موظف وهؤلاء أيضاً رغم الشكوى الدائمة من ارتفاع عدد موظفى الحكومة فى مصر لا نستطيع الاستغناء عنهم أو حتى عن نسبة محدودة منهم.


كيف ذلك ونحن نعرف أن لدينا نسبة كبيرة فى القطاع الحكومى ويمكن إدارته أكفأ بنصف هذا العدد؟


د. عبدالخالق: أولاً لابد وأن ننظر إلى رقم ٦ ملايين وأكثر من العاملين بالحكومة بنظرة علمية بمعنى أين يقع هذا العدد تحديداً وفى أى المجالات؟


الإجابة أننا سنجد عددا يقرب من ١.٦ مليون يعملون بوزارة التربية والتعليم، فهل يمكن تخفيض هذا العدد إلى الربع مثلاً الإجابة بالتأكيد لا؟ لأن هؤلاء معلمون وإداريون وغيرهم أيضاً يوجد لدينا ما يقرب من ٨٠٠ ألف فى وزارة الداخلية والتى تدير الأقسام والسجل المدنى والمرور والجوازات، أى أن هذا الرقم ليس هم الضباط وإنما كل العاملين بالداخلية فهل يمكن أن نغلق هذه المؤسسات الهامة أو نستغنى عن العاملين بها.


أيضاً لدينا ٤٠٠ ألف فى الصحة وهؤلاء غير الأطباء، وكذلك الأمر فى الأوقاف، إذن هذه هى حجم العمالة بالجهاز الحكومى وأغلبها وظائف هامة للمجتمع فلا يمكن أغلق المدارس والإدارات التعليمية والأقسام والمرور والصحة إلى آخره.


إذن الفجوة الموجودة هى فى ضعف قدراتنا الإنتاجية وتآكلها.


يضاف إلى ذلك أيضاً أن هناك قوى “سرية” تضارب على الجنيه المصرى وذلك من أجل تمويل أنشطة غير مشروعة وهذا يؤثر على وضع الجنيه وعنصر ضاغط على الحصيلة النقدية من العملة الأجنبية وعلينا أن نتذكر أن د. عاطف عبيد وهو من عتاة المؤيدين لاقتصاد السوق وتقديس آلياته عندما كان رئيساً للوزراء أصدر القرار الشهير الذى يحمل رقم ٥٠٦ وفيه تم إلزام المصريين الذين يتعاملون مع الشركات فى الخارج بأن يتم وضع ٧٥٪ من حصيلة الإيراد بالنقد الأجنبى فى القطاع المصرفى فى الداخل وذلك كان لمواجهة أزمة شديدة فى نقص النقد الأجنبى وكان معروفاً وأنه فى أوقات الأزمات يمكن للدول والحكومات أن تصدر مثل هذه القرارات وتسمى قرارات استثنائية وبالفعل تم إلغاء القرار بعد عام واحد فقط أمام لوبى الشركات ورجال الأعمال لتحويل أموالهم إلى الخارج وبالتالى لايوجد قواعد صارمة حتى لدى أشد المدافعين عن إجراءات السوق تلزم بأخذ اتجاه محدد دون الآخر، ولذلك نحن نريد قرارات واضحة لدعم حصيلة النقد الأجنبى مثل ألا يتم تغيير العملة إلا من خلال البنوك وللأسف لدينا مكاتب صرافة وسوق سوداء وكل ذلك يخلق فوضى فى إدارة النقد الأجنبى إذن نحن لدينا عيوب هيكلية فى الاقتصاد وعيوب أيضاً فى إدارة ما هو موجود من نقد أجنبى أى عيوب سياسات وإجراءات.


إذا كان هذا هو التوصيف للأزمة أو تشخيص الوضع وإنه لدينا فجوة بين الإنتاج والاستيراد بجانب السياسات فهل هناك مخرج لأزمة الجنيه أو اقتراحات وروشتة للعلاج؟


د. عبدالخالق: بالتأكيد أى مرض إذا تم تشخيصه بالشكل الصحيح وليس تشخيص الأعراض فقط فيمكن كتابة الدواء الذى يحسن من الأعراض ومن المرض فى نفس الوقت فمثلاً لابد من اتخاذ قرار بإغلاق مكاتب الصرافة، لأن هذه الكيانات هى التى تمول حجم الاقتصاد غير الرسمى فى مصر وهو اقتصاد كبير بالفعل.


وهذا ليس جديدا فمثلاً قبل ثورة يوليو ١٩٥٢ أى أيام الملكية وعتاة الرأسمالية كان محظورا تماماً التعامل بالعملة الأجنبية خارج إطار المصارف والبنوك وبالتالى كان هناك إلزام للمصدرين بأن يتم التعامل من خلال البنوك فقط.


بجانب ضرورة تشديد الرقابة الشديدة على حركة خروج الأموال والنقد الأجنبى إلى الخارج.


وهذه خطة على المدى القصير ولكن على المدى البعيد هناك خطط أخرى.


ولكن يقال أن مثل هذه الإجراءات بها تضييق على الاستثمار؟


د. عبدالخالق: أولاً كما قلت فى أوقات الشدة وهذا معروف عالمياً من حق الحكومات اتخاذ إجراءات استثنائية وبحكم الاسم “الاستثنائي” أى أنها لفترة محدودة من الزمن وليست دائمة وعلى سبيل المثال ماليزيا إبان الأزمة الاقتصادية الحادة فى جنوب شرق آسيا فى أعوام ١٩٩٧ - ١٩٩٨، اتخذت قرارات استثنائية فمثلاً أصدر مهاتير محمد فى ذلك الوقت قراراً بخطر خروج العملة الأجنبية ولكن فى نفس الوقت أعطى حوافز لتنشيط الاستثمار وحتى يستثمر أمواله فى الداخل وإعادة عملها فى السوق الداخلى فمثلاً تم إعطاء تسهيلات ومنح وذلك لإعادة استخدام جزء من أرباحه التى كانت ستخرج إلى الخارج وهذا إجراء استثنائى لمواجهة أزمة عالمية حادة كانت حدثت فى جنوب شرق آسيا أواخر التسعينيات، والقانون الدولى يسمح بذلك تحت اسم “الظروف القاهرة” أى الظروف الشديدة ونحن كان لدينا ظروف شديدة وهى الثورة المصرية وبالتالى من حقنا أن نصدر قرارات استثنائية وهذا حدث فى كوريا الجنوبية أيضاً ولذلك فنحن نحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية فى إدارة شئون الاقتصاد المصرى.


ولكن للأسف نتيجة سياسة الجزر المنعزلة فى اتخاذ القرار، يتأثر وضع الجنيه المصرى لصالح الدولار، بل إن كثيرين من المستثمرين الآن خاصة بعد تصريحات خفض الجنيه، ينتظرون المزيد من الانخفاض الحقيقى للجنيه.


وهناك إجراءات أخرى يمكن اتخاذها أيضاً لحماية الاقتصاد مثل رفع نسبة الضرائب.


ولكن عندنا للأسف نتيجة إلى العكس إلى خفض الحصيلة الضريبية ونسبة الضرائب.


مع أن رجال الأعمال فى مصر وأغلبهم يتعامل مع الخارج وعلى رأسهم الولايات المتحدة وفرنسا وغيرهما ولا يستطيعون أن يفتحوا فمهم حول نسبة الضرائب فى هذه الدول والتى تتجاوز ٤٠٪ أما عندنا فخفضنا لهم الضرائب!!