ارتفاع الدولار أحد أسباب تفاقم الأزمة : أدوية الغلابة تنتظر «كلمة الرئيس»

21/10/2015 - 12:10:34

تحقيق : إيمان النجار

ارتفاع أسعار الدولار يضرب فى أكثر من مكان، حتى أنه أثر بالسلب على اسعار أدوية الغلابة، وهى أزمة تتفاقم فى السنوات الثلاث الأخيرة، بسبب ارتفاع قيمة الدولار فى مقابل الجنيه المصري، الأمر الذى يدعو البعض لتدخل الرئيس السيسى شخصيًا لحل الأزمة.


وزارة الصحة من جانبها تقول إنها تسعى بكل الطرق لتقليل حجم الأزمة، وتحاول جاهدة توفير الأدوية اللازمة للمصريين، وتتحدث عن وجود أزمة، وفى الوقت ذاته لا تترك فرصة واحدة دون لوم أطراف أخرى ترى الوزارة أنها تتبنى سياسة «التهويل»، وأن الأمور ماتزال «تحت السيطرة» لكن جهود الوزارة لن تظهر فى القريب العاجل.


شركات الأدوية هى الآخرى تشير إلى أنه من غير المعقول أن يتم اتهامها على طول الخط بأنها السبب فى الأزمة، والمتهم الرئيسى فى اختفاء عدد كبير من الأدوية الضرورية، لافتة النظر إلى أنها هى الأخرى تعانى من أزمات تعترض طريقها،منها عدم توافر «العملة الصعبة» التى تحتاجها لاستيراد المواد الخام اللازمة لعملية التصنيع، بجانب التجاهل الحكومى لمطالبهم بـ»تحريك الأسعار» ليس بهدف زيادة المكاسب، بقدر ما الرغبة فى «تقليل الخسائر».


المثير فى الأمر أن وزارة الصحة والشركات العاملة فى مجال انتاج الأدوية رغم اختلافهما الجذرى فى العديد من الأزمات، لكنها إتفقت على أمر واحد، وهو مطالبة الحكومة، والقيادة السياسية، متمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالتدخل السريع لإيجاد حلول حقيقة وناجزة للأزمة قبل أن تستفحل .


بداية قال محمود فؤاد، مدير المركز المصرى للحق فى الدواء إن ارتفاع سعر الدولار وصعوبة توفير العملة الصعبة اللازمة لاستيراد منتجات الأدوية، وتراجع التنصنيف الائتمانى لمصر ، أدى لارتفاع أسعار الدواء، وهناك أسباب تتعلق بالشركات وامتناعها  عن شراء  المواد الخام للأدوية الرخيصة ، والسؤال لماذا تنتج الدواء غالى الثمن رغم ارتفاع سعر المادة الخام أيضا ؟ والسبب أن الدواء غالى الثمن يحقق لها مكاسب ، لذا النقص دائما  في  أدوية الغلابة رخيصة الثمن ، وأرى أن هذا الأمر ناتج عن غياب الرقابة الحقيقة والقوانين الفاعلة، التى تلزم الشركات بالإنتاج، وفى الوقت ذاته تواجه مافيا الشركات.


«فؤاد» أوضح أيضا أنه « لدينا  نحو ٦٠٠ صنف غير متوفر فى السوق المصري، بعض الأصناف لها بدائل لكن بسعر أعلى من سعر النوع غير المتوفر أكثر من ثلاثة أضعاف والنسبة الغالبة وتقدر بنحو ٨٥  فى المائة من هذه النواقص تتركز فى الأدوية الأقل من ١٥ جنيها ، ونحن كمجتمع مدني  منذ أربع سنوات ضد هذه المسألة مع العلم أن تسعير الدواء نفسه فى وزارة الصحة يخضع لنفوذ الشركات فحسب درجة نفوذ الشركة تحصل على سعر أعلى أو أقل وهذا على مدار الخمس والعشرين سنة الماضية ولم نلحظ أى تغيير ، وهذه مشكلة تتسبب فيها وزارة الصحة نفسها.


«فواد» ألمح أيضا إلى أن مسألة نقص الدواء يوجد مستفيدون منها ، حيث قال: عندما يفشل المريض فى الحصول على الدواء الأساسي، يلجأ إلى البديل المستورد بسعر أغلى، وهو ما يخلق سوقا موازيا للدواء المصري، وعادة تظهر فى سلاسل الصيدليات التى أصبحت «فاترينة للشركات متعددة الجنسيات» أصناف بعيدا عن التسعيرة، فإذا كان الدواء المصرى ب ٣٠ جنيها يصل سعر البديل المستورد لأكثر من مائة جنيه ، ومنها أدوية الجلطات والقلب ، إذن يوجد مستغلون للأزمة ، والوزارة يدها مرتعشة حيال هذه المشكلة والضحية هو المريض.


فى سياق متصل قال الدكتور خالد سمير، عضو مجلس نقابة الأطباء، أستاذ جراحة القلب بجامعة عين شمس  إن مشكلة «نقص الأدوية» يتلازم معها دائم خروج أصوات تشير إلى أنها «أزمة مفتعلة» الغرض الأساسى منها «تعطيش السوق» بهدف رفع سعر الدواء، وبالتالى يقبل الناس بأى سعر ، وهو أمر يترتب عليه ظهور ما يمكن وصفه بـ«السوق السوداء للدواء»، فنجد نوعا معينا يختفى لفترة ويظهر بعد فترة بسعر مرتفع فى الصيدليات الكبرى ويكون المستورد منه أو الدواء نفسه بسعر أعلى من السعر المتداول من قبل وهذا يعكس  القصد والعمد فى اختفائه  من قبل الشركة  لرفع السعر .


وفيما يتعلق بالحلول الناجزة لتلك الأزمة، والطرق المثلى لمواجهة «مافيا الدواء» قال عضو مجلس نقابة الأطباء : أولا يجب أن تعترف الأطراف المسئولة بوجود أزمة، ولا تسعى لاستخدام سياسة «التهوين» أو التقليل من حجم هذه الأزمة، كما نسمع من تصريحات للمسئولين بعدم وجود نقص ، ثم التدخل السريع  لتوفير الأدوية التى تمثل خطورة على الحياة ، ثم الحل على المدى البعيد والذى يتمثل فى متابعة ورصد الأدوية المعرضة للنقص من خلال متابعة توريدها للصيدليات ومعدلات الإنتاج، ولابد من توفير مخزون استراتيجى خاصة لأدوية الأمراض المزمنة والأدوية المنقذة للحياة، وأخيرا التخطيط لإعادة إنتاج الأصناف التى توقف إنتاجها.


وعن رؤيته لاستمرار الأزمة، وعدم إيجاد حلول ناجزة لها تابع «مكاوى» قائلا: هناك عدة أسباب تبرر أزمة «نقص الأدوية»، منها على سبيل المثال عدم وجود إرادة قوية لضبط السوق ، وعدم وجود مصانع للمواد الخام فالمواد الخام نستوردها من الخارج ، وكذلك التأثر بسعر الدولار.


وفيما يتعلق بتأكيدات مسئولى وزارة الصحة بأنه لا توجد أزمة فى سوق الدواء من الأساس قال عضو مجلس نقابة الصيادلة : بناء على ما نراه كصيادلة وكذلك المرضى توجد مشكلة حقيقية، وقول وزارة الصحة بأنه لا يوجد نقص وأن النواقص لها بدائل كلام غير منطقى بالمقارنة بالواقع ، فهناك أصناف غير متوفر لها بدائل ، وحتى الطريقة المتبعة فى التسعير خاطئة فما يحدث يختفى الصنف ستة أشهر أو أكثر ويظل فى التسعير ثم يظهر بسعر أعلى مثل انتروكسين للغدة الدرقية وسعره ٩ جنيهات اختفى فترة وظهر بعد ذلك بنحو ١٨ جنيها  ولكن ظل لفترة غير موجود والمريض يبحث عنه ، وهنا يجب أن يكون التسعير على المنتج الجديد وليس الموجود فى المخازن .


على الجانب الآخر قال الدكتور محمد البهي، عضو اللجنة العليا للصيدلة والدواء بوزارة الصحة، عضو هيئة المكتب بغرفة صناعة الدواء باتحاد الصناعات إن مشكلة نقص الأدوية مشكلة مزمنة فمنذ عقود طويلة والأدوية مسعرة بنفس السعر ولم يتم تحريك السعر رغم زيادة التكلفة عدة مرات، فمثلا منذ ٢٠١١ حتى الآن سعر الدولار شهد زيادة بلغت ٤٠ فى المائة تقريبا وفى الفترة الأخيرة  واجهة صناعة الدواء فى مصر ثلاث مشكلات بدءا بارتفاع سعر الدولار ، وصعوبة توفير العملة الصعبة من قبل البنك المركزي  ، والثالثة تتعلق بأن الشركات الموردة كانت تعطى فترات سداد أطول لمصانع الأدوية، لكن أغلب هذه الشركات ألغت هذه التسهيلات نتيجة تأخر البنك المركزى فى توفير العملة المطلوبة ، وبالتالى أصبحت المشكلة أكثر تعقيدا من السنوات السابقة.


«البهى» تابع قائلا: رغم وجود نحو ١١ بديل لكل صنف إلا أن المريض الذى اعتاد على دواء باسمه التجارى من الصعب أن يقتنع بتغيره ، والأدوية تحولت من كونها تحقق هامش ربح قليل إلى خسارة ، ولم يتوقف قطار الخسارة عند محطة الأدوية المسعرة قديما، لكنه وصل أيضا لبعض الأدوية المسجلة حديثا ، ولهذا أرى أنه لابد من تدخل الدولة وتقديم حل جذرى للمشكلة أولا فى توفير العملة ، كما أن الأدوية أحد ثلاثة منتجات مسعرة جبريا بالإضافة إلي  الطاقة والخبز، لكن الدولة تدعم الطاقة والخبز ولا تدعم الدواء ، ومع الوضع الراهن أصبحت شركات الأدوية غير قادرة على الاستمرار فى الدعم .


وتعقيبا منه على مطالبة البعض بـ»تحريك أسعار الأدوية» قال عضو اللجنة العليا للصيدلة والدواء بوزارة الصحة: على الحكومة أن تعى أن تحريك السعر فى صالح المريض لأنه فى هذه الحالة الشركات سوف تبقى على إنتاجها، ففى مصر هناك ٨٠ فى المائة من الأدوية التى يستعملها المرضى أقل من عشرة جنيهات ، ولو تم تحريك الأسعار بنسب معينة من قيمتها لن يضر المريض، لكن سيساعد الأمر على تغطية الخسائر أو حتى التكلفة وليس تحقيق ربح، وحتى لا يزايد علينا أحد نحن نتحدث عن تحريك الأدوية التى يقل سعرها عن عشرة جنيهات، وهذه مشكلة أمن قومى لابد من وجود قرار للدولة بتحريك الأسعار وهذا مطلب عاجل.


 الدكتور «البهى» أنهى حديثه بما يمكن وصفه بـ»خارطة طريق» للخروج من الأزمة حيث قال: لابد من وجود إرادة من الدولة لفتح ملف الدواء وتحريك السعر والحفاظ على الأدوية لصالح المريض وليس الشركات  وإنشاء هيئة للدواء المصرى تختص بكل أمور الدواء من تصنيع وبحث علمى ومأمونية الدواء وتوفيره للمريض بالسعر المناسب.


حسب قول  مصدر بالإدارة المركزية للشئون الصيدلية – رفض ذكر اسمه – فإن هناك مشكلة حقيقية ومعادلة صعبة التحقيق فمن ناحية الشركات تقدم المستندات التى تثبت ارتفاع التكلفة وتطالب بتحريك السعر فهل استطيع اجبر شركة على الاستمرار فى الإنتاج و الخسارة؟!، وقرار تحريك السعر ليس سهلا ويحاول كل الوزراء المتعاقبين عدم خوض هذه المعركة فمسألة تحريك السعر ليست بالسهولة التى تتخيلها الشركات  ، وفى نفس الوقت نعانى من وجود نقص فى بعض الأصناف ونتجه لبحث أساببها ونحاول حلها، فمثلا لو السبب متعلق بتوفير الدولار نتفاوض مع البنك المركزى بشأنها ولكن هناك أسباب خارج إرادتنا مثل نقص المادة الخام عالميا ونعانى منه لأننا لسنا دولة مصنعة للمادة الخام ، ولو استمر الوضع بهذا الشكل سنجد شركات تتعرض الخسارة وبعد ذلك تشهر إفلاسها وتخرج من السوق ونصبح أمام مشاكل خاصة باقتصاديات صناعة وكذلك مشكلة البديل المستورد غالى الثمن ، ومن بين الأمثلة مشكلة نقص أدوية مذيبة لجلطات  « ستربتو كاينيز « فى الفترة الأخيرة وتبين أن الشركة الأم لديها نقص فى الإنتاج وبدأنا فى توفير كمية منها لكن ليست كبيرة وبالتالى لن تصل لكل المستشفيات وسوف توجه للمستشفيات ذات التردد الأكثر لمثل هذه الحالات ، أيضا دواء لمرضى القلب « الكورادرون «وسبب المشكلة هو ان الشركة الأم المنتجة اختلفت مع المورد وتم التدخل لحل هذه العقبات ، وبالنسبة للملينات بدأت تنزل للسوق ، بالنسبة لأدوية السرطان والكلى نرسل باستمرار للبنك المركزى لتوفير الدولار ، لكن المشكلة لم تعد فقط توفير الدولار ولكن سعره أيضاً فى ارتفاع بشكل مستمر.