الاقتصاد المصرى ووزراؤه المغيبون الجنيه المصرى إلى أين؟

21/10/2015 - 12:05:38

سحر نصر سحر نصر

السفير د.عزمى خليفة

الشارع المصرى أصبح فى حالة يرثى لها، فأحكام البراءة تتوالى على قيادات الثورة المضادة، ومحاموا هذه القيادات يعلنون بوضوح أن أحكام محكمة النقض تعنى البراءة، مع أن المحكمة أصدرت حكما مستندا إلى خطأ إجرائى ولم نعد نعرف هل الغرامات التى سبق الحكم بها ضد علاء وجمال مبارك مازالت سارية أم أن حكم النقض ينسحب عليها أيضا؟كذلك تتصدر بعض الصحف الخاصة والمعبرة عن الثورة المضادة صور احتفالات عائلة الرئيس الأسبق مبارك بسبوع الحفيد وبراءة والده وعمه، وكذلك صور مؤيديهم للاحتفال بالمناسبة السعيدة دون الإشارة إلى تجمع عدد من مؤيديهم بميدان التحرير وإلقاء الشرطة القبض عليهم بمقتضى قانون التظاهر.


فى الوقت نفسه أصدرت وزيرة التضامن الاجتماعى والمسئولة عن أكثر فئات المجتمع فقرا وهم أصحاب المعاشات تصريحا ناريا ببرودة أعصاب تحسد عليها تدعى فيه أن الدولة تتحمل ٥٥ مليار جنيه للمعاشات سنويا ولن تستمر فى تحملها فى المستقبل، هل تعتقد الوزيرة أن التصريح واضح ليفهمه العامة وهى مفترض فيها الإلمام بمبادئ الاقتصاد؟ أم أنها تشير بخبث إلى أموال المعاشات التى سبق واستولت عليها الحكومة؟ وهى الأموال التى سبق للوزيرة أن أعطت تصريحات سابقة بشأنها أكدت فيها أن الحكومة مسئولة عنها وتضمنها؟ كما أن وزير المالية استكمل مأساة التصريحات الحكومية بتصريحه عن اقتراض من البنك الدولى ٣ مليارات دولار لسد العجز فى الميزانية؟ ولم يشرح لنا الوزير الهمام من أين سيسد باقى العجز؟ وهل الدولة ستقترض ٣ مليارات دولار فعلا كما ذكر أم ٥,٥ مليار دولار، كما أشارت بعض المصادر الصحفيه الأجنبية؟


إضافة لذلك صرح أحمد الوكيل رئيس اتحاد الغرف التجارية فى المؤتمر الاقتصادى لأخبار اليوم أنه قام بإرسال مذكرة إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء تضمنت إجراءات على الدولة أن تنفذها مثل ضرورة الخفض المتتالى لقيمة الجنيه المصرى حتى يتوفر الدولار، وإلغاء كافة إجراءات ترشيد الاستيراد، وكذلك إلغاء إجراءات ترشيد التحويلات الدولارية، وضرورة عقد اتفاق لمصر مع صندوق النقد الدولى وهو ما سبق ورفضه الشعب المصرى حتى لا نلتزم بسياسات الصندوق التى تخلو من أى بعد اجتماعي، إضافة طبعا إلى ضرورة رفع الأسعار كبديل عن عدم تنفيذ هذه الإجراءات، والغريب أنه فى نفس المؤتمر يتحدث أسامة صالح فيدعو أن يقترب اليوم الذى توقع فيه مصر اتفاقا مع صندوق النقد الدولى ووزير المالية يؤكد جاهزية مصر لهذا اليوم فى الوقت المناسب، أما وزير الاستثمار فيشيد بالقطاع الخاص؛ لأنه يقوم بمهمة وطنية لتشغيل العمالة والحد من البطالة، هذه الأصوات تنطلق فى المؤتمر، بينما نجد أصواتا أخرى وضعت نصب عينيها مصلحة مصر مثل أحد رجال الصناعة محمد فريد خميس يدعو إلى فرض ضرائب تصاعدية على كل من يزيد دخله السنوى على خمسة ملايين جنيه، ومثل أحمد هيكل رئيس شركة القلعة القابضة الذى يحث الحكومة على عدم الاستجابة لرجال الأعمال بخفض قيمة الجنيه أمام الدولار لما يترتب عليه من مخاطر اقتصادية.


مثل هذه التصريحات تفرض تساؤلات مهمة مثل من يحكم مصر اجتماعيا، أى ما هو الانحياز الاجتماعى للحكومة؟ فهذا الانحياز يحدد طبيعة السياسات الاقتصادية التى تتبعها مصر وهذا التساؤل سبق وواجه مصر ثلاث مرات من قبل: الأولى فى أعقاب استقرار ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، ثم واجهت مصر أيضا مرة أخرى فى أعقاب مواجهة مصر لأقوى أزمة اقتصادية بعد مظاهرات ١٧ ،١٨ يناير ١٩٧٧ التى اجتاحت مصر من أسوان إلى الإسكندرية فى عهد الرئيس السادات، كما واجهت مصر مرة ثالثة فى عهد الرئيس مبارك لدى ظهور نجله جمال فى قضية بيع ديون مصر لأحد البنوك الأجنبية الخاصة، وكانت المعالجة فى المرات الثلاث مختلفة، وبالتالى أدت هذه المعالجة فى الثلاث مرات إلى نتائج مختلفة فى كل حالة داخليا وخارجيا.


فى عهد عبدالناصر – والقياس مع الفارق لاختلاف الزمن فلا نطالب باتباع نفس السياسات –درس عبدالناصر الأوضاع ولاحظ أن نخبة قوامها اثنان ونصف فى المائة من سكان مصر يحكمون باقى الشعب ويتحكمون فى أرزاقهم، ففكر فى سياسات بديلة تسمح بتمكين الشعب سياسيا، وانحاز إلى الطبقات الفقيرة التى تشكل الأغلبية من سكان مصر، فأقام التأمين الصحى والاجتماعي، وثبت عمال الترحيلة وتوسع فى بناء المصانع لزيادة أبناء الطبقة الوسطى، وأقام جيشا وطنيا لنفس الغاية، وألغى الواسطة فى التعيينات، وأقام مجانية التعليم. كلها سياسات استهدفت تمكين الشعب المصري، وإن جاءت على جزء يسير من الاثنين ونصف فى المائة، إذن الانحياز الاجتماعى للسياسات الاقتصادية كان واضحا.


أما الرئيس أنور السادات، فقد كان فى مأذق اقتصادى بعد مظاهرات يناير ١٩٧٧ وحاول حل هذا المأذق فى إطار عربى بعد حرب ١٩٧٣ التى تفاخر بها العرب جميعا، وللأسف لم تكن استجابتهم على المستوى المطلوب، ففكر فى حل بديل تمثل فى حل الصراع العربى الإسرائيلى بوصفه الصراع الضاغط على مصر اقتصاديا، فكانت زيارته للقدس فى نفس العام وخطابه فى الكنيست الذى يعد تحفة أدبية وإبداعا سياسيا فى نفس الوقت، إلى جانب الدعوة إلى التعددية الحزبية، واستكمل المسار السياسى بآخر اقتصادى يقوم على الانفتاح الاقتصادى وتنمية دور القطاع الخاص، ولكن المستشارين الاقتصاديين نصحوه بسياسات موغلة فى الرأسمالية زادت من اقتناعه المسبق أن أمريكا تملك٩٩.٥ من أوراق اللعبة فى الشرق الأوسط، فأطلق الراحل أحمد بهاء الدين عليه الانفتاح السداح مداح.


فى كلا الحالتين الانحياز الاجتماعى للسياسات الاقتصادية كان واضحا، فعبدالناصر انحاز للشعب، والسادات انحاز للرأسمالية فى أبشع صورها.


كذلك أثيرت أيضا القضية فى بداية عهد الرئيس الأسبق مبارك، إلا أنه ما كان يملك تعديل توجهات الاقتصاد المصرى فى ذلك الحين، ولكن هذه التوجهات ازدادت بشاعة وقسوة مع ظهور نجله جمال فى الحياة الاقتصادية لمصر ببيع ديون مصر لبنوك قطاع خاص أجنبية، فكان ذلك إيذانا بدمج التوجهات السابقة للرئيس السادات، وهى توجهات اقتصادية فى الأساس بتوجهات جديدة للفساد ودخول رأسمال أجنبى فى الاقتصاد المصري، مستفيدا من هذا المناخ، فوصلت مصر إلى أدنى درجات المديونية الأجنبية والفسادالاقتصادى.


إذن نحن لسنا بصدد مشكلة جديدة، ولكنها مشكلة قديمة ومتكررة، والواضح اليوم أن للمشكلة عدة توجهات مهمة ينبغى أخذها فى الاعتبار:


التوجه الأول: هو توجه سياسى اقتصادى يمثله رجال المال والأعمال، وللأسف ينساق إليهم عدد من رجال الحكومة، وأقصد به أن رجال المال والأعمال وهم فى مجملهم نتاج عصر مبارك يدفعون نحو تحقيق مصالحهم، فقاموا على إخضاع اقتصاديات البلاد لسياسات صندوق النقد الدولى، بهدف الحصول منه على شهادة حسن سير وسلوك للاقتصاد المصرى تدفع وفقا لتصريحاتهم إلى جذب الاستثمار الأجنبى.


هذه قضية منتهى منها، لأن العديد من الدول استغنت عن هذه الشهادة بإجراء نمط آخر من الإصلاحات الاقتصادية التى نجحت فى دفع الاقتصاد إلى مصاف اقتصاديات الدول المتقدمة دون حاجة إلى شهادة حسن سير وسلوك.


التوجه الثانى: وهو توجه سياسى اقتصادى أيضا تمثله الرأسمالية الوطنية الحريصة على الإبقاء على النظام الاقتصادى الحالى بعد تنقيته من أى ضغوط على مصر كدولة تواجه مرحلة انتقالية فى غاية الخطورة، وهو ما يمثله محمد فريد خميس وأحمد هيكل، ويمكن أن نضم إليهما عددا من المفكرين الاقتصاديين مثل زياد أحمد بهاء الدين وآخرين.


التوجه الثالث: وهو أيضا توجه سياسى اقتصادى تعبر عنه الحكومة بتصريحاتها المتضاربة وتصرفاتها المرعبة التى تؤكد غياب الرؤية عن جوهر المرحلة الانتقالية التى تمر بها مصر حاليا ومتطلباتها، وهو العنصر الحاكم لاختيار السياسات الاقتصادية الواجب الأخذ بها وهى سياسات ينبغى أن تراعى عدة متطلبات، يأتى فى أولها تقدير التضحيات التى قدمها الشعب المصرى من أجل دفع عجلة الاقتصاد المصرى، ويتم ذلك من خلال عدم فرض أى أعباء جديدة عليه، ومن ثم تصبح تصريحات رئيس الوزراء ووزيرة التضامن ورئيس هيئة الاستثمار وما يطبقه هشام رامز ووزير المالية من سياسات مالية موضع تساؤل وتتطلب تدخل رئيس الدولة بصفة فورية لتصحيح المسار.


ويلى ذلك فى متطلبات المرحلة الانتقالية التى تمر بها مصر ضرورة ترشيد الاستيراد من الخارج، وترشيد الاستهلاك فى الداخل، وهو ما يتطلب فرض المزيد من الإجرءات على أسعار الصرف والتحويلات المصرفية بالعملة المحلية والعملات الأجنبية.


ويلى ذلك من متطلبات هذه المرحلة أيضا إعادة توجيه سياسات الإنتاج لزيادة إنتاجها، سواء للتصدير أو للاستهلاك المحلى، ويمكن أن يتم ذلك من خلال إعادة النظر فى حوافز الاستثمار دون تقديم أى تنازلات تفرض أعباء مالية على مصر مع ضرورة الاهتمام بإعادة افتتاح المصانع المغلقة، ويمكن الاستفاده من التجربة الروسية فى هذا المجال.


أيضا من متطلبات المرحلة الانتقالية وضع توجهات سياسية واضحة ينبغى ألا يتخلى عنها السادة الوزراء أجمعون، وفى مقدمتهم وزراء ما يسمى بالمجموعة الاقتصادية، فالاقتصاد ليس مسألة فنية ولكنه مسألة سياسية بالدرجة الأولى، ومن ثم فتركها فى يد الفنيين كارثة وتحتاج لإعادة نظر، وفكرة الخضوع لطلبات مؤسسات التمويل الدولية دون أدنى معارضة أصبحت من مخلفات الماضى أو على الأقل من باب الاستسهال الذى لا يرقى إلى منصب وزارى مهم، لأن أيضا للمنصب متطلباته التى ينبغى على شاغله أخذها فى الاعتبار.


كذلك هناك مسألة لم أكن أحب أن أشير إليها، ولكن لابأس من ذلك أن الجيل الموجود فى المناصب الحكومية العليا اليوم والذى يتم اختيار الوزراء منه هو نتاج عصر ثار الشعب ضده لفساده أولا، وسوء إدارته ثانيا، وبالتالى فإن عنصر الثقة فيه غير متوافر بصورة مطلقة، لأنه جيل تعود على الانحياز ضد الشعب وضد الأغلبية لتحقيق أهداف خاصة، وكان ذلك دلالة فساد وزير الزراعة السابق، ولذا يجب إعادة توجيه الوزراء وكبار المسئولين من آن لآخر، حتى لا يزداد توريط الرئيس فى سياسات هو برىء منها، وحتى يمكن تحقيق أعلى درجة من الاستقرار السياسي، لأن أى تحرك شعبى قادم – والسياسات الحاليه لابد وأن تسرع به- وهو أمر أثق تماما فى أن الشعب يسعى إلى تجنبه.