وهم مراجعات الإخوان

21/10/2015 - 12:01:34

كتب - أحمد بان

اتصل بى أحد الصحفيين مستفسرا عن تعليقى على كتاب هام، صدر لأحد قيادات الصف الثانى من الإخوان يؤشر لمراجعة غير مسبوقة، ولما كنت لم أطلع على الكتاب بعد فقد استمهلته لساعات حتى أتمكن من قراءة هذا السفر الهام الذى طال انتظاره، حيث مازال البعض من المخلصين أو السُذج يعتقدون فى إمكانية أن تنخرط الجماعة فى مراجعة جادة للأفكار والثوابت الإخوانية، خصوصا ثوابتهم الاستراتيجية التى تتغير بين عشية وضحاها دون أن تفقد وصفها بالاستراتيجية.


أخيرا عثرت على الكتاب الذى وضعه صاحبه د. ياسر جابر الحاج، الذى لم أسمع باسمه من قبل وهذا بالطبع لاينتقص من أهمية ما طرح، تحت عنوان «الرؤية البديلة – الإخوان والثورة بين العمل السياسى والعمل الحزبى».


تحدث الكاتب عن الجماعة باعتبارها تمثل من وجهة نظره نموذجا للانفتاح وحرية الفكر والرأى، وكان هذا استهلالا فوق طاقة أى متابع للجماعة وفعلها فى أعضائها على الأقل، ممن يصرون على ارتكاب جريمة التفكير أو التساؤل حتى عن أى شىء تفعله، وما حشد الناس إلى صناديق الاستفتاء ليصوتوا بنعم رغم قناعة الكثيرين منهم بـ«لا عنا ببعيد»، أو حشد قواعدهم إلى دار القضاء العالى لتأييد الإعلان الدستورى دون أن يعلموا حتى لما تم جمعهم فى هذا الصعيد، أو طرد كل مخالف على امتداد مسيرتها منذ النشأة، لأنه ضبط مطالبا بالشورى والديمقراطية الداخلية أو جريمة تطوير اللائحة، التى تعد قرآنا حين تؤيد رأى قيادة الإخوان ولاتبقى كذلك إذا لم توافق مراد القيادة، بدأ الكاتب فى تأكيد أن الجماعة هى منحة الله للمصريين وهى التى أبقت الاهتمام بالشريعة والمناداة بها، فضلا عن الادعاء بأنها دفعت أعضاءها للاهتمام بالعلوم الشرعية داخل المجتمع، ويعلم القاصى والدانى أن حظ الإخوان من العلوم الشرعية كان ضعيفا وربما هذا ما يفسر ضيقهم بعلماء الأزهر وجل فصائل السلفية، لاهتمام الآخرين بتحصيل العلم أكثر منهم ربما، لم تتوقف ادعاءات الرجل عند ذلك ليصل إلى محطة الثورة واصفا الإخوان بأنهم العمود الفقرى لها، وأنهم كانوا السبب فى نجاحها دون أن يتحدث بالطبع عن خيانتها يوم رفعوا شعار الشرعية للبرلمان وليس للميدان، بعدما تيقنوا من حظوظهم الانتخابية لبرلمان وسلطة ادعوا أنهم ما كانوا ليعملوا لها، لأن مهمة الإخوان وفق تصوره كانت تنحصر فيما حدده حسن البنا فى تكوين جيل من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، فى تأكيد على أنهم أصحاب الحق الحصرى فى فهم الدين بالإصرار على خلط الدعوة والسياسة وهو ما لم يراجعه بل يبدو مصرا عليه، واصفا من يدعو لذلك بأنه لايفهم الإسلام على حقيقته ويمضى مع تلك الموضة التى شاعت لدّى البعض على حد تعبيره.


ثم يبدأ فى تناقضاته التى يسميها مراجعات فيقول إن الإخوان أخطأوا بتأسيس حزب والمنافسة مع الأحزاب، لأنهم بذلك حولوا الجماعة إلى حزب، وهذا مخالف لما قاله حسن البنا الذى كان يصر على أن يقول إن الإخوان لايطلبون الحكم لأنفسهم، وأنهم متى وجدوا من ينهض بهذا العبء فسيكونون جنوده وأنصاره وأعوانه، فماذا عن إعلان فيرمونت والنكث بالوعود وضيقهم حتى بمستشار هامشى من حزب النور، يواصل اجتهاده قائلا إن الجماعة كان ينبغى أن تبقى جماعة ضغط مثل اللوبى الصهيونى فى أمريكا، فالجماعة لديه أكبر من أن تختزل فى حزب وأن الهرولة نحو السلطة أنست الأعضاء واجباتهم الدعوية، هو بالطبع لايريد أن يعترف بأن السعى للوصول للسلطة هو هدف الجماعة منذ البداية، وأن حسن البنا نفر من الحزبية لأنه كان يحقد على الشعبية الجارفة لحزب الوفد، واستنكف وهو يقود جماعة إسلامية أن يؤسس حزبا فأراد لجماعته أن تكون الحزب الذى يلتهم كل الأحزاب تحت عنوان جماعة.


يعتقد الكاتب أن التنكر لأنشطة الدعوة والمشاكل التى كان يعانيها التنظيم مثل ضعف الوارد يعنى الإقبال على عضوية الجماعة، رغم رفع الحظر القانونى والسياسى والأمنى وهو اعتراف شجاع أحييه عليه، فقد أكد الحجم الطبيعى للجماعة الذى تضخم تحت ظروف الحظر، قبل أن يعود لطبيعته لكنه أبى ألا أن يدعى أنه وفق إحصاءات واستطلاعات رأى أمريكية فإن شعبية الجماعة زادت بعد الخروج من الحكم، ثم يواصل سرد الأسباب التى أدت إلى السقوط مثل ضعف المستوى التربوى لأعضاء الجماعة، وذهاب الريادة فى العمل المسجدى وهو أمر طبيعى فلم يكن المسجد أو العمل المسجدى أو غيره من وسائل الجماعة مقصودا لذاته ، بل كان فى خدمة رحلة الوصول لحكم مصر، فلما نالوا ما أملوا كانوا كحال الحجاج حين أمسك المصحف لما أتته الوزارة قائلا هذا آخر العهد بك، لكن الرجل يفاجئنا بصراحة شديدة ويقول لقد تعجلنا الثمرة، إذا هى ما زالت فى وعيه ثمرة وليست هما ثقيلا يتمنى لو حمله آخرون، خصوصا أنه يرى أن انهيار شعبية الجماعة هو الذى أدى إلى الفشل المترتب على شبهة المغنم والمصلحة التى أحاطت بأعضاء الجماعة، واصفا بعض الإعلاميين الذين هاجموا الجماعة بأنهم رفضوا أن يكونوا الإخوان أسيادهم، وهو لفظ كاشف لمكنون الصدور، يتحدث عن البرلمان مؤكدا أن الإخوان كانوا يدخلون البرلمان فقط ليكون منبرا دعويا عندما ضيق عليهم نظام مبارك ، فإن صح ذلك فلماذا نافسوا على الأغلبية بعد سقوط مبارك، ثم يؤكد أن الجماعة أخطأت فى تأسيس حزب لأن الجماعة تحولت فى وعى الكثيرين إلى حزب، وهو لم يحصر الإخوان فى مذهب فقهى فكيف يحصرهم فى مذهب سياسى، لكنه مع هذه الاستنارة الهشة لا يلبث إلا أن يمتدح تقسيم البنا للناس فى مصر بين أصناف أربعة، مفصلا فى خصائصهم بين مؤمن ومتردد ومتحامل ونفعى، مضيفا لهم صنفا خامسا لم يحدده البنا وهم عامة الناس، الذين وصفهم بالهمل أو حزب الكنبة وهو نفس الوصف الذى أكد كيف أنهم يحتقرون الشعب المصرى ويعتقدون فى الوصاية عليه، وأنهم حملة الحق الذين ينبغى أن تنضم لهم الكتلة الحرجة المترددة، والتى لن تنضم لهم وتكون فى صف الثورة مالم تتأكد أن الإخوان لايطلبون عودتهم للحكم، وهو المطلب الذى طالب الجماعة أن تمتثل له وأن تعود بعدها جماعة دعوية حركة ضغط تفرض منطقها ومطالبها، مؤكدا أن الأحزاب إن فعلت هى ذلك فستلجأ لها من أجل التمويل والتصويت، مؤكدا فى الوقت نفسه أنه ما زال يؤكد أن مرسى هو الرئيس الشرعى الذى يجب أن يطالب بعودته كل الناس الذين انتخبوه، رغم أنه سماهم فى كتابه “عاصرى الليمون” فهل يدعوهم إلى عصر الليمون مرتين لا أظن، قرأت الكتاب من بدايته لنهايته باهتمام وبنية صادقة أن أظفر بشىء يستدعى الاهتمام ، فلم أجد إلا ما عبر عنه الشاعر «وفسر الماء بعد الجهد بالماء»، فلم يتطرق الكتاب سوى لمراجعة بعض القرارت والسلوكيات السياسية دون أن يتعرض لأساس الفكرة، التى أراها استكملت دورة حياتها ولم يعد بالإمكان إحياؤها ولو حتى عبر إدخالها غرفة الإنعاش ، بعد أن تآمر عليها حتى أصحابها مازالت فكرة الوصاية على المجتمع تدعى أنها حارسة الدين بالرغم من حجم الإساءات والجرائم التى ارتكبتها بحقه، ثم يعترف الكاتب اعترافا متأخرا بأن الجماعة أحرقت مرحلة المجتمع فى مشروعها وهذا ما عجل بفشلها.. هكذا اكتشفت فى النهاية أنه تمخض الجبل فولد فأرا، وأن المراجعة وهم لاتستطيعه لا قيادات الصف الأول أو الثانى، وأن الجماعة لم يعد ينطبق عليها سوى المثل المصرى الدال« إكرام الميت دفنه».