رسالة.. إلى عم جمال!

21/10/2015 - 11:43:15

بقلم : أحمد النجمى

راضية مرضيّة.. ترتد إليك روحك ياعم جمال، تتنفس الصعداء، بعد أن قضيت نحو ٧٠يوماً بين حياة وموت، قالوا إنك فى غيبوبة، قالوا إن المخ توقفت وظائفه فما عاد يعمل، قلت إنك فى حال “وجْد”، وقلت إنك متصل بعوالمك الخاصة، تقضى وقتاً مع أصدقائك القدامى: طومان باى، محمد بن قلاوون، قايتباى، جمال عبدالناصر.. تتواصل معهم، ثمة ما لا يدركه الطب والأطباء وإن كانوا من النابهين، وجدتك هائماً فى الحضرات الصوفية.. من حضرة “عمر بن الفارض” سلطان العاشقين إلى حضرة الوالى الصالح “أبى السعود الجارحى”.


الموت يحرر الروح، يطلقها- وأنت خير من تعلم هذا ياعم جمال - نحو “انتقاء” المحيطين بك، تحلق الروح وتسبح حيث تشاء.. فتلتقى الأحبة، وتعيش حياتها الأبدية، فى أجواء لا تعرف سوى النقاء، رائحتها رائحة الورد، وألوانها من الحديقة المزدهية، وأضواؤها كشمس الشتاء الساطعة الدفيئة، راضية مرضية ترتد إليك روحك ياعم جمال ياغيطانى!


هذا ولم أكن من أقرب الناس المقربين إليك.. لا أزعم لنفسى هذه الحظوة، لكننى أزعم أننى اقتربت منك بما يكفى، لكى ألاقيك إنسانيا.. وجدت فيك هذا المزيج العبقرى بين تركيبة “ابن البلد”، مواليد الجمالية، حى الحسين، قلب القاهرة التاريخية، وتركيبة “المثقف” الذى قرأ وتأمل وشكل وجهة نظر متكاملة فى هذه الحياة، هذا المزيج العبقرى الذى تجتمع فيه روح المؤرخ، وعقل الكاتب المعاصر، الذى يعيش مشكلات مجتمعه وعالمه فيدركها ويحللها ويصل فيها إلى العمق.. هذا الهيام العجيب الذى يجمع بين آثار القاهرة التاريخية التى كنت تعشقها عشقاً، وبين قدراتك الفذة كمراسل حربى الاستنزاف و١٩٧٣ لاسترداد أرضها واستعادة الشرف العربى، فكان خليطاً فريداً بين اثنين من المؤرخين يعتملان فى داخلك: مؤرخ قديم ينتمى إلى مصر المملوكية، ومؤرخ عصرى نابغ على جبهة القتال..!


وفاتنى فى حواراتنا المتتالية التى نشرتها “المصور” واتصالاتى بك فى الهاتف- حيث يأتينى صوتك الرصين الممتزج بلكنة قاهرية خاصة يعرفها المصريون فقط- أن أسألك ياعم جمال عن “عامل مشترك” بين كل هذه الثنائيات التى أجدها فيك: (ابن البلد) و (روح المؤرخ)، و(عقل الكاتب المعاصر) و(عشق القاهرة التاريخية)، و(مؤرخ جبهة قناة السويس) ..بين جميع هذه الثنائيات عامل مشترك هو (الموت)!


لم أكلمك عن الموت ياعم جمال.. رأيتك دائماً تنتصر عليه.. اقتربت منه فى حرب العبور المجيدة ١٩٧٣، واقتربت منه فى أزماتك الصحية المتتالية التى أرهقت قلبك، وكان موجوداً فى كل أعمالك.. تتجاوزه الأحداث أحياناً، وتقف أمامه عاجزة أحياناً..!


الموت الذى أسألك عنه له معنى آخر: اختفاء الإنسان.. فقدان أثره.. كأنه لم يكن قط، تلك هى المسألة! لا أظن أنك كنت تخاف الموت بهذا المعنى، نعم.. إذا مات الإنسان تحلل جسده فصار تراباً، لكن الموت لا يمحو الذكرى، الذكرى باقية فى إنتاجك الأدبى والفكرى والتاريخى الفريد.. أبعد هذا كله يخشى الإنسان الموت؟.. ربما يخشى فراق الأحباب، لكنه لا يخشى فكرة الاختفاء، ولا يتوهم الاندثار..!


هل عندما شنقوا سلطان مصر العظيم :"طومان باى" فى روايتك "الزينى بركات" مات حقاً؟! مات جسدياً، شنقه العثمانيون، وبكى عليه أهل القاهرة أحر البكاء، لكنه ظل رمزاً للحرية والمقاومة والتحرر الوطنى حتى يومنا هذا، برغم أنه شنق قبل خمسمائة عام.. هل عندما اختفى “عبدالرحمن - الغريب - فى رائعتك “حكايات الغريب” ضاعت ذكراه؟ على العكس، لقد صار رمزاِ للمقاومة الشعبية الباسلة التى حررت السويس من الحصار الصهيونى، بات رمزاً للإنسان المصرى حين ينفض عن نفسه غبار الأيام السوداء، وينتقد على هزيمته، ويصمد فى مواجهة العدو..!


هكذا يحيا “جمال الغيطانى” لقرون قادمة من الزمان، يحيا بما كتبه للناس، ويحيا بشخصيته الفذة التى عاش بها بيننا ٧٠ عاماً.. وسيظل يحيا، وبعضهم - كما تعلم جيداً يا عم جمال - يفتح رحيله باب الأسلة من دون انغلاق: أتذكر تلك الدراسة البديعة التى كتبتها يا عم جمال فى كتابك “ملامح القاهرة فى ألف سنة”، بقلم يجمع بين (المؤرخ والقاص) عن “الحاكم بأمر الله” فأنصفته وقدمت حقيقته التاريخية بعيداً عن أطنان التراب التى أهالها عليه المؤرخون، وأظهرت حقيقته كحاكم فريد فى نوعه.. هل مات الحاكم بأمر الله حقاً؟ بالطبع لا.


وأنت يا عم جمال فتشت كثيراً عن الحرية فى إبداعاتك.. حرية الإنسان وحرية الوطن والأرض.. فأما حرية الإنسان فهى بارزة منذ نصك الأول" أوراق شاب عاش من ألف عام".. هؤلاء “المحابيس” فى سجون المماليك، من دون ذنب جنوه.. هل كنت حقاً تتكلم يا عم جمال عن محابيس العصر المملوكى، أم هؤلاء الذين أدخلوا السجون فى كل زمان ومكان وسلبت حرياتهم بل حياتهم ذاتها ظلماً؟ وفى رائعتك الخالدة “الزينى بركات”، كم من المحابيس كانوا فى بيت بركات وكم من محابيس فى سجون زكريا بن راضى “كبير البصاصين”؟ هؤلاء المحبوسون أنفسهم، هم الذين خرجوا يناضلون عن الوطن فى مواجهة جيوش “العثمانلية” حين هاجمت مصر، فقاتلوا من أجل الوطن والأرض بعد أن كانوا يقاتلون من أجل الحرية.


كانت هذه الأعمال “أوراق شاب” أول إصداراتك، و ”الزينى” صدرت بعد ذلك بسنوات، لم يغب فيها “التصوف” كانعكاس لفكرة الحرية: أن ينعتق الإنسان من قيود الزمان والمكان.. من جسده البشرى، من السياسة وأدرانها، من الحب، من الاحتياجات الدنيا، فيتحرر بكامل حواسّه، وتتحول هذه الحواس إلى أدوات ثانوية للحياة، وأما الروح فتحلق فى أجواء بعيدة عن الأجواء التى يحياها الجسد، وأما الجسد فيفنى! هذا كله نجده فى أدبك المكتوب يا عم جمال، نجده مطبوعاً كسطور، ونجده بين السطور كذلك، كنت تحيا بيننا بالجسد وروحك تحلق فى عوالم أخرى.. عوالم خالدة لا تنتهى زمنياً ولا تحدها الأمكنة.. عملك الفذ “الرفاعي” عن البطل الشهيد العظيم “العميد/ إبراهيم الرفاعي” أبعاداً صوفية، الرجل الذى يخطو نحو الموت بكامل إرادته، يؤمن بالاستشهاد، بعد أن حقق الانتصارات العظيمة على العدو الصهيونى، الاستشهاد قدره، الجسد يفنى من أجل تراب الوطن، الرفاعى كان يراهن على خلود الروح لا الجسد..!


روحك يا عم جمال.. تلك الروح التى تنطوى على تواضع حجم، وكبرياء ملموسة فى الوقت ذاته.. فأما التواضع فكنت تؤديه إلى محبيك ومريديك وهم كثر، وأما الكبرياء فتبارز به أعداءك وهم كذلك كثر.. لم يفهم البعض تلك التركيبة، وأما أنا فأفهمها من نشأتك التى تجمع بين أصولك الصعيدية السوهاجية، وبين شخصية ابن القاهرة التاريخية الذى يجمع بين التسامح وكرم الضيافة وبين الكرامة التى من الممنوع - قطعياً - المساس بها.. فإن أضفنا إلى هذين البعدين بعداً ثالثاً هو أنك قضيت على الجبهة - فى القناة - سنين عدداً، رأيت فيها الموت - الشهادة بتعبير أدق - آلاف المرات، لفهمنا من أين اكتملت هذه الثنائية التى حيرت الكثرين من مريديك وأعدائك على السواء..!


لذلك لم يكن غريباً أن تنعيك رئاسة الجمهورية، والقوات المسلحة، ورئاسة الوزراء، والأزهر، ووزارة الثقافة.. وأن تهتز القلوب لرحيلك.. لكننا نتوقف أمام جملة بارزة فى نص القوات المسلحة، ورد فيها: (الرجال أمثال جمال الغيطانى ترحل ولا تموت)، إنها نفس الفكرة التى بنينا عليها هذا المقال.. أرأيت يا عم جمال كيف تتوارد الخواطر فى البحث عن مفاتيح شخصيتك، حتى تتفق وتتطابق؟ أعتقد أن من كتب بيان القوات المسلحة عنك يا عم جمال رجل أديب؛ يعرف جيداً ماذا يكتب وماذا يقصد وأين يضع قلمه، هذا واضع.. وأنت يا عم جمال لا يمكن أن يكتب عزاءً لرحيلك الجسدى سوى أديب، أو عارف بالأدب.. وجاء القدر إليك بقلم أدبى من القوات المسلحة - لا نعلم اسمه على وجه التحديد - ليشيعك!


وعلى هاتفى الجوال يا عم جمال أحتفظ منك بعدة رسائل.. لكن أهمها تلك التى أرسلتها إليّ فى ١٩ فبراير الماضى فى الثانية والنصف ظهراً.. التى قلت لى فيها:.. (الأخ العزيز أحمد النجمى.. أسعدتنى حقاً وأشعر أنه ما من جهد حقيقى يضيع.. شكراً عميقاً.. جمال الغيطانى). كنت قد كتبت فى “المصور” مقالاً عن اقتراب عيد ميلادك السبعين، ودعوت إلى الاحتفاء الواسع بك، فإذا بك ترسل إليّ هذه الرسالة. نفسك المتواضعة يا عم جمال لم تمنعك من أن تكتب هذه الكلمات لى، وأنا لست إلا ابناً من أبنائك، أسعدتنى رسالتك.. أتعرف لماذا؟ لأنك قلت فيها إننى أسعدتك حقاً، وأخجلتنى لأنك وجهت لى فيها “الشكر العميق”.. لذا فإننى حين اتصلت بك لأشكرك عليها، لم أجد كلمات تكفى لأشكرك حق الشكر على مضمونها.. وبيننا موعد لم تفِ به، فقد اتفقنا على لقاء صحفى، لم تستطع الوفاء به.. كان هذا فى أغسطس الماضى، أعذرك يا عم جمال، فقد أدخلوك إلى المستشفى قبل أن تلتقيني.. لا يمكن أن ألومك، بل هو الحظ السيئ ليس إلا.. وما ظننت أن الموت سيغيبك، كنت أظن أنك ستنتصر مثل كل مرة، لكنه القدر المحتوم.. فراق الأحباب، صحيح أنك خالد بأدبك وروحك الفذة، لكننى لن ألتقيك يا عم جمال، وهذا موجع للقلب المثقل - أصلاً - بالهموم.. وسوف أختتم رسالتى هذه إليك لأبدأ فى قراءة كتاب لك، فماذا تختار لى يا عم جمال لكى أقرأ.