سلطان القاسمى زار مصر وأصر على زيارة عم إبراهيم! عاشق مصر الكبير!

21/10/2015 - 1:12:37

بقلم - أكرم السعدنى

أتحدث عن أحد عشاق مصر الكبار الذى جاء فى الستينيات من القرن الماضى لأجل الدراسة فى كلية الزراعة وهو العصر الذهبى لهذه الكلية على وجه التحديد فقد كان من بين الطلاب الذين انضموا إليها الطالب عادل إمام والطالب صلاح السعدني، وكان عادل إمام هو رئيس فريق التمثيل فى الكلية، وعندما قدر له أن ينجح فى السنة النهائية لم يتردد فى منح رئاسة فريقه لزميله صلاح السعدني.. وفى هذا التوقيت من الزمن الأجمل دخل الطالب الشيخ سلطان بن محمد القاسمى إلى الحرم الجامعى وتأثر بالبيئة التى أحاطت به بالبشر والحجر معا فقد أصبح الصديق الصدوق لهؤلاء المبدعين فى كل مجال فى الجامعة.


وكان زميله فى مدرج الجامعة هو الفنان الخفيف الظل القليل البخت المنتصر بالله ومن خلال هذا الثلاثة عادل وصلاح والمنتصر، تعرف الشيخ على الأحياء الشعبية فى مصر سواء فى الجيزة أو فى شبرا أو باب الشعرية وذهب ليكتشف كنوز مصر التى تحتضنها من الآثار الإسلامية والقبطية وبقية الأحياء التى كان من علاماتها أبناء البلد والمعلمون الذين كانوا يقومون بدور الحكماء ولهم هيبة عظيمة ليس بفضل قوتهم ولكن بفضل مكانتهم بين الناس وعطفهم عليهم وإعادة الحق إلى أصحابه.. ومن أجل معرفة مصر بأسرع وقت ممكن خلال سنوات الدراسة الأربع أصبح لدى الشيخ سلطان سيارة من طراز فخيم وهى مرسيدس موديل نفس العام أهداها له شقيقه الأكبر وحاكم أمارة الشارقة فى ذلك الوقت الشيخ خالد القاسمي.. والشيء العجيب أن هذه المرسيدس كان لها أن تدخل الحوارى والأزقة والمناطق الشعبية وأماكن العبادة فى السيدة زينب وسيدنا الحسين وجامع عمرو بن العاص.. وفى البداية عندما تم قبول الشيخ فى كلية الزراعة جامعة القاهرة كان عليه أن يبحث عن مكان للسكن قريب من الجامعة وعندما توجه الشيخ إلى إحدى العمارات الضخمة كان يجلس أمامها حارس من الصعيد وبالتحديد من أهل أسوان الذين يتميزون بطيبة متناهية وأمانة لا مثيل لها.. وبعد السلام.. سأل الشيخ العم إبراهيم عن شقة للإيجار فى العمارة.. نظر الحارس إلى الشيخ وقال: معاك عيلتك - فقال الشيخ أنا هنا أدرس فى كلية الزراعة بمفردى - وهنا أشاح الحارس قائلاً: ما فيش شقق هنا.. وفهم الشيخ سلطان ما قصد إليه الحارس الطيب.. فقال أنت زعلان ليه.. أنا ح أسكن هنا إن شاء الله وإذا شفت أى شيء ممكن يغضب أى ساكن يبقى لك حق تعمل اللى أنت عايزه وحدث أن كلمات الشيخ سلطان طالب العلم الباحث عن سكن وجدت طريقها إلى قلب عم إبراهيم وهو يبتسم للمرة الأولى أخذ الشيخ وصعد إلى الدور الثانى وهو يقول: أصل كل السكان هنا عائلات.. وقال الشيخ .. الحمدلله، هذا أمر فيه حماية لنا.. ولهم.. وفى هذا المكان يعيش الشيخ سلطان سنوات دراسته الأربع ويقول العم إبراهيم حارس العقار إن هذا الطالب كان يعامل الله قبل أن يعامل البشر ولم يسمح لمخلوق بدخول الشقة سوى الست والدته عليها رحمة الله فقد كانت تزوره كل عام مرة واحدة.. والشيء العجيب أن عم إبراهيم حارس العقار البسيط شعر ذات يوم أن الطالب الذى جاء من إمارة الشارقة ولم تغادر وجهه الابتسامة على الإطلاق.. قد شابت ابتسامته بعضا من الخجل.. وحاول العم إبراهيم أن يعرف سر ما يحمله الشيخ من هموم هى بالتأكيد سبب هذه اللمسة الحزينة التى ارتسمت على ابتسامته الصافية الصادقة.. ولكن الشيخ ينفى وجود أى زعل.. ويؤكد.. أن أى إنسان عندما يكون فى مصر فإن الزعل ليس له وجود فى حياته.. ويعرف العم إبراهيم من أحد المقربين منه من البسطاء الذين كانوا يتقاضون من الشيخ “حسنة” شهرية بأن هذا هو أول شهر يتأخر فيه الشيخ فى دفع الحسنة هنا أدرك العم إبراهيم أن الطالب الشيخ فى أزمة مادية.. وانتظر عودته من الجامعة وهو يصعد معه فى الأسانسير ودون أن يراه أحد أخرج عم إبراهيم من جيبه تحويشة العمر ٣٠٠ جنيه فى هذا الزمن كانت ثروة ضخمة وقد منحها للساكن الذى اكتسب احترام عم إبراهيم واحترام الجيران وحب البسطاء الذين يعيشون فى الحى الهادئ الذى اختاره الشيخ ليكون مقر إقامته فى الجيزة فى حى الدقي.. وحاول الشيخ أن يشكر العم إبراهيم على هذا الموقف.. ولكن عم إبراهيم أقسم أن الفلوس لن تعود إلى جيبه وفوق ذلك قال العم إبراهيم.. أنا عاوز أحوش معاك.. كل ما أعوز فلوس ح أبقى أطلب منك بس خليهم معاك أنا مش محتاجهم دلوقتي!!


وبالفعل كان التمويل القادم من الشارقة لسبب ما قد تأخر بعض الشيء وأصبح الطالب فى مأزق حقيقي.. وبالطبع بعد أيام قليلة من هذا الموقف “فرجت” وجاء التحويل واعتقد أن الطالب الشيخ سلطان رد الجميل بأحسن منه ألف مرة وهو طالب.. ولكن عندما أصبح الشيخ سلطان هو حاكم الشارقة.. لم ينس هؤلاء البسطاء والذين عاش معهم وأكل معهم وأمضى إلى جوارهم أجمل سنوات العمر وهى أيام الدراسة ظل الشيخ وفيا لمصر عموماً وللجيزة خصوصاً ولحى الدقى على وجه التحديد وهو فى السر والكتمان لايزال يصنع الشيء الكثير للجيزة من مشروعات لا يعلن عنها ولا يرغب فى ذلك الأمر على الإطلاق بل إنه أيضاً يمول مشروعات سكنية فى الكتمان وبعض المشروعات لا يمكن إخفاؤها مثل دار الكتب والمحفوظات التى تبرع بتكلفة البناء كاملة على أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا بالإضافة إلى تعويض مصر عن كامل ما فقدته من كتب ووثائق تاريخية والتى احترقت مع احتراق المجمع العلمى عندما كلف الشيخ مجموعة عمل للبحث عن كل ورقة وكتاب ووثيقة فى أى مكان وبأى سعر وبالفعل استطاع أن يعوض مصر هذا الكنز الذى لايمكن أن يقدر بثمن وعليه فقد جاء الشيخ ليفتتح عددا من المشروعات التى تبرع من أجل أن ترى النور مثل مقر الآثاريين العرب ودار الكتب والوثائق ولكن الشيخ الذى زار كل المسئولين فى مصر من أول رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبعض الوزراء لم ينس هذا المكان الذى درس بين جنباته علوم الزراعة ولم ينس هؤلاء الاساتذة الذين اقتربوا من دائرة صداقاته وأيضاً زملاء السنوات الأربع جاء الشيخ سلطان ليجمع كل من تبقى من أيام الزمن الجميل عادل إمام وصلاح السعدنى والمنتصر بالله وأساتذة الكلية والرجل الفاضل الذى كان شاهداً على كل ما قدمه الشيخ من دعم للجيزة المحافظ الذى خسرناه جميعاً الدكتور على عبدالرحمن وحضر السيد عبدالحكيم عبدالناصر والدكتور مصطفى الفقى والدكتور يحيى الجمل والمحافظ الحالى خالد العادلى وبعد أن سلم الشيخ على الجميع وانتهى من الحفل الذى أصابه بإرهاق شديد لكثرة المريدين والمحبين كان على الشيخ أن يذهب إلى الرجل الصعيدى الشهم عم إبراهيم حارس العقار الذى عاش فيه الشيخ واكتشف من خلال عم إبراهيم أصالة أهل أسوان وطيبتهم ومواقفهم وقت الشدة وبالطبع أحوال عم ابراهيم تطورت إلى الأفضل من سنوات طويلة وأولاده يعيشون فى الشارقة ويتولون مناصب رفيعة بعد أن نالوا قسطاً طيباً من التعليم العالى أما عم إبراهيم فقد بنى لنفسه شقة فى نفس العمارة فوق السطوح وفيها جاء الشيخ ومعه الوفد المرافق وجلسوا فوق السطوح وهم يتذكرون تلك الأيام والإيجار الذى بلغ ٣٥ جنيهاً شهرياً وهى الأيام التى كان فيها الجنيه المصرى من العملات الصعبة وبالطبع لم ينس الشيخ سلطان أن يذهب إلى نفس الجامع الذى كان يذهب إليه للصلاة مع عم إبراهيم وكان قريباً جداً من قسم الدقى وفى هذه الزيارة جمع العم إبراهيم مجلس إدارة الجمعية الأهلية الخيرية لأهالى العيصيلية وهى مكونة من قبائل الموشيات ومنها الإسماعيلية والقراصية والبراردة والجريانات والمحيمدات والجمعاوية والحواجر وهى الجمعية التى دعمها الشيخ سلطان من أجل توفير مدافن لأعضائها وقد منح المجتمعون الشيخ الرئاسة الشرفية للجمعية وهو الأمر الذى قبله بسعادة الشيخ سلطان الرجل الذى يزين قصره فى الشارقة بـ ١٥ صورة بالحجم الطبيعى لنفس الأماكن التى عشقها فى مصر وكان يشاهدها وهو ذاهب إلى الجامعة وفى كل مرة يمر فيها الشيخ بهذه الصور يرفع يديه بالتحية وهو يقول:


سلام الله عليك يا مصر!!


سلام الله عليك يا عمنا الشيخ سلطان أيها الرجل العظيم الشأن البسيط الحال الذى اجتمعت فيك كل الصفات الطيبة وجزى الله الشدائد كل خير فقد بينت عدوى من صديقى وقد مرت بلادنا بواحدة من أسوأ الأزمات التى مرت بها عبر تاريخها.. وفى هذه الأزمة كان على الرجال أن يظهروا معدنهم الأصيل وما أعظم المعدن النادر الذى تنتمون إليه يا أهل الإمارات وياحكام الإمارات من أول خليفة بن زايد ومحمد بن زايد ومحمد بن راشد وأخيراً عاشق مصر العظيم سلطان بن محمد القاسمى.


آدام الله بقاءكم!!