متى يُغلق «النايل سات» أبوابه فى وجه قنوات الفتنة؟

21/10/2015 - 10:47:31

كتب - محمد الحنفى

لا أجد أفضل من كلمتى «فوضى واستهتار» لأصف بهما الحالة الراهنة التى يعيشها القمر الصناعى المصرى «نايل سات» المنوط بتقديم خدمات البث للمئات وربما الآلاف من الفضائيات العربية والأجنبية، هذا القمر الذى كان وساما على صدورنا عندما ظهر قويا وعملاقا فى قلب السماوات المفتوحة عام ١٩٩٨ ينافس كبريات الأقمار الأجنبية، ولأنه مصرى عربى حصل على صك الثقة والأمان من ملايين البيوتات والأسر المصرية والعربية من المحيط إلى الخليج، فسلمته مفاتيحها طواعية وهى واثقة من أنه لن يسمح لفضائية تحصل على خدمات البث عن طريقه أن تُثير الفتنة وتُقلِّب طوائف المجتمع أو تمزق أوصاله بسمومها وأفكارها الخطيرة التى تنفثها بمنهجية وفق أجندة وربما أجندات محددة تُخدِّم بها على مصالح فصائل مرفوضة من كافة الأطياف الدينية والسياسية ! وإذ بالقائمين على «النايل سات « يخونون الأمانة والثقة بعد أن تسربت عبر تردداته وفى غفلة منهم ومن سيطرة الدولة مئات الفضائيات الدينية المتطرفة والهدَّامة والمثيرة للفتنة الطائفية «مسلمة ومسيحية» داخل المجتمعات العربية على اختلاف عقائدها ومذاهبها، الأمر الذى بات يشكل خطرا يصعب السكوت عنه وينذر بعواقب وخيمة إذا لم يتحرك أحد.


فى مقالى الأسبوع الماضى تناولت ماتبثه هذه القناة القبطية المسماة بـ«الكرمة» عبر النايل سات على تردد ١١٠٩٥ أفقى ٢٧٥٠٠ ومقرها كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية من برامج مُعادية ومشوهة ومسيئة للدين الإسلامى ولسيدنا رسول الله محمد أشرف الخلق صلوات الله عليه وسلامه، واكتشفت أن هذه القناة الموبوءة تسير على هذا النهج منذ بدايتها فى أعقاب حالة الفوضى التى عشناها عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير حتى الآن دون أن يتحرك أحد اللهم إلا انتفاضة عابرة من مجمع البحوث الإسلامية سرعان ما هدأت وكأن شيئا لم يكن فى ظل صمت مُجرَّم من المؤسسات الدينية مسلمة ومسيحية فى مصر، وحتى نكون مُنصفين غير منحازين قرر الزميل الأستاذ غالى محمد رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير أن نوسع الدائرة ونقدم ملفاً ساخناً هذا الأسبوع عن فضائيات الفتنة «المسلمة قبل المسيحية» التى تبث إرسالها عبر قمر النايل سات المصري، ولماذا الصمت عليها وكيف سمح لها المسئولون عن هذا القمر بالحصول على خدمات البث.


وفى إطار البحث صُدمت من هذا الكم الهائل من فضائيات الفتنة التى اقتحمت بيوتنا عبر ترددات النايل سات وليس عبر الهوت بيرد أو التركى أو الإسرائيلي، فمعظمنا لا يتعامل مع هذه الأقمار لاحتوائها على قنوات إباحية، وكان اللافت أن معظم الفضائيات الإسلامية المثيرة للفتنة تروج للمذهب الشيعى ، وبلغ عددها حوالى ٨٠ قناة ليس لها «شُغلانة» إلا بث أفكارها والترويج لها، واستقطاب ضعاف النفوس، وجميعها ممولة من إيران وشيعة العراق ورجال الأعمال الشيعة فى دول الخليج، وتبث من العراق ولبنان وأوربا والأمريكتين وكندا، وكان لإيران وشيعة العراق النصيب الأكبر، ومن هذه الفضائيات أذكر (الأنوار العراقية والنجف الأشرف وهادى، والعقيلة، والحجة، والإيمان، والسفير، وأهل البيت والمهدى، والكوت، وكربلاء، والمنار، والكوثر، وهدهد وطه وهادى للأطفال، وأنوار الحسين، والولاية، والأفلام الإيرانية، وأهل البيت الفارسى، والمودة، والزهراء، وآفاق،ورقائق، والوحدة، وبرس تى فى، والإمام الرضا، والدعاء، والفرات، وبلادى والثـقلين، والغدير، والأوحد، والعهد، والمسار، والكوت، ومجموعة العراقية، والإمام الحسن، والفرقدين، والإمام الحسين، وفرسان العراق، والغدير، والحجة، والأهواز) وغيرها عشرات الفضائيات الشيعية التى تسىء للدين الإسلامى وللرسول الكريم وبعض آل البيت خاصة السيدة عائشة رضى الله عنها وأرضاها والصحابة رضوان الله عليهم، بشكل يمكن أن يزعزع إيمان البعض خاصة أن دراسة مهمة أعدها الباحث هيثم الزعفران من مركز التنوير للدراسات الإنسانية، حذرت من هذه الفضائيات الشيعية التبشيرية التى قالت إنها تتكاثر بشكل مطرد وممنهج، كما وصفتها ببداية الزحف الشيعى نحو الدول السنية الذى يستهدف عقيدتها مصدر قوتها ووحدتها ليسهل بعد ذلك تفتيتها. 


وخلص الباحث «الزعفران» من تحليله لمحتوى بعض القنوات ومنها قناة الكوثر إلى عدة نتائج، منها توجهات طائفية فى الخط التحريري، فضلاً عن تعمدها تشويه العقيدة السنية والتبشير بالفكر الشيعي، وإظهار إيران بالقوة الإسلامية الكبرى الراعية لمظاهر الدين الإسلامي، وإظهار الشيعة كأنهم مظلومون ومضطهدون من قِبل أهل السنة. 


كما تركز القنوات الملغومة على الهجوم الشديد على مصر والسعودية وعلماء الشريعة فيها والإيحاء بوجود مصحف «إيران» المختلف عن مصحف عثمان الموجود بين أيدينا والذى يدّعون باطلاً أنه ملىء بالأخطاء، وربما يدفع ذلك فضول المشاهد إلى التعرف على هذا المصحف، وكذلك الحديث عن مخطوطات قرآنية فارسية تعود لفترة ظهور الكتابات الشيعية، وبخاصة القرآن الذى أطلقوا عليه اسم القرآن الموقوف لإمام الزمان، أو ذلك الطفل الوهمى المختفى فى السرداب منذ ١٢٠٠ سنة والذى هو «المهدي» المنتظر، وربما يولد ذلك انطباعاً بوجود قرآن مخالف للذى بين أيدينا الآن، وأذكّر بأن هذه الفضائيات تصلنا عبر ترددات النايل سات، ومعظمها حل محل قنوات إخبارية وترفيهية مصرية غيرت من تردداتها.


أيضا وجدت أن فضائية «الكرمة» المسيحية التى هاجمتها الأسبوع الماضى ماهى إلا واحدة من ٣٠ فضائية مسيحية جعلت الإساءة للإسلام والمسلمين وسيد الخلق محمد «ص» مادة أساسية لها، وأن هذه القنوات تموَّل من الفاتيكان وأمريكا وغرب أوربا، وبعض المنظمات والجهات الكنسية فى أوربا وأمريكا، وأيضا رجال أعمال مسيحيون عرب ، ومنها قناة «الفادي» المملوكة للقمص زكريا بطرس الذى تم تجريده من الخدمة الكهنوتية فى مصر فى عهد البابا الراحل شنودة الثالث، ويقيم حاليا خارج مصر بعد طرده لإساءاته للدين الإسلامي، أما «الحياة» فهى قناة تبشيرية تابعة لمنظمة «جويس ماير» التبشيرية الأمريكية، وقد اشتهرت بتقديم برامج معادية للدين الإسلامي، ومن أشهرها برنامج القمص زكريا بطرس، قبل أن يتم طرده منها، وقناة الحقيقة التى تبث من ولاية كاليفورنيا الأمريكية، يديرها مجموعة من المسلمين المرتدين عن الإسلام، أشهرهم أحمد أباظة الذى يقدم برنامج «الصراط المستقيم»، وهدف القناة المعلن والواضح هو التصدى للمد الإسلامى فى أوربا وقناة الطريق التى بدأت بثها عام ٢٠٠٩ من أمريكا، والكثير من برامجها يشكك فى الدين الإسلامى مثل برنامج «رمضان فى عقل متنصر» ، ومن الفضائيات المسيحية أيضا: الكلمة، الملكوت، كوبتك سات، الرجاء، المعجزة، الوعد، المسيح للجميع، البشارة، المنارة، البيت القبطي، الشباب المسيحي، سيف الكلمة، نور سات الشباب، الراعى الصالح، ترانيم، سى سات، الروح، الملاك، قوس قزح، الله الحي، الإنجيل .


إن بعض هذه الفضائيات المسيحية هدفها الرئيسى والأساسى والمعلن مهاجمة الدين الإسلامى والتجريح بمعتقدات المسلمين ، والتشكيك بالقرآن الكريم، بالإضافة إلى استخدام المرتدين عن الدين الإسلامى للاستشهاد وشرح أسباب تحولهم، لتحقيق الأهداف المنشودة !


أعود إلى عنوان المقال «متى يُغلِق النايل سات أبوابه فى وجه قنوات الفتنة؟ والنايل سات قمر صناعى مصرى مائة فى المائة تديره الشركة المصرية للأقمار الصناعية وهى شركة مساهمة مصرية تهدف للربح تأسست عام ١٩٩٦، وتقدم خدمات البث للفضائيات منذ عام ١٩٩٨ حتى الآن ،عبر قمرى ١٠٢ الذى انتهى عمره الافتراضى و٢٠٢ المزمع تشغيله قريبا، بالإضافة إلى قيام الشركة بتأجير حيزات فضائية أخرى من قمر يوتل سات تلبية للطلبات الكثيرة التى تنهال عليها، وقيل إن النايل سات يحقق أرباحاً تصل إلى ٥٠ مليون دولار فى العام، كلام جميل ولكن يبقى السؤال: لماذا سمح لقنوات الفتنة بالبث عبر تردداته وهل هى متعاقدة بالفعل معه أم أنها تبث عبر أقمار أخرى مثل نورسات ويوتل سات اللذين تتقاطع تردداتهما مع ترددات النايل سات؟ هذه نقطة، النقطة الثانية أنه لابد من توضيح بنود عقد تأسيس النايل سات كونه شركة تهدف للربح فقط أم أن لها أيضاً دورا وطنيا قائما على الحفاظ على وحدة المجتمع وتقاليده وعاداته وعقائده وعدم المساس بها؟ وإذا كان هذا البند موجودا بالفعل فما هى ضمانات وآليات تنفيذه وهل هذه الضمانات والآليات قوية وفاعلة وقادرة على أداء مهامها أم أنها مرنة وربما هشة !


أتصور أن هناك غيابا للشفافية داخل النايل سات، ولا أحد يعلم بالضبط كيف تُدار الأمور، وما أحدث اتفاقيات الشراكة التى أبرمتها الشركة المصرية للأقمار الصناعية وفتحت علينا أبواب جهنم التى نفذت منها قنوات الفتنة ! هل هى اتفاقية الشراكة التى أبرمت عام ٢٠٠٦ مع شركة يوتل سات المالكة للأقمار الأوربية (هوت بيرد) لاستئجار القمر هوت بيرد ٤ «يوتل سات» لتعويض الطلب الكبير على فتح فضائيات عربية عبر القمر المصرى الذى امتلأت سعته ولم يعد قادرا على تلبية الطلبات؟ أتصور أنها بالفعل مربط الفرس وأُس ما نحن فيه الآن وما نعانيه، ولا أعرف على وجه الدقة هل حَسِب المسئولون عن هذه الاتفاقية حسابا ما تمخضت عنه الآن أم أنها كانت صفقة «والسلام» فى عصر الفساد؟ ألم يدرِ هؤلاء بما يضمه الهوت بيرد من آلاف الفضائيات التى يتعارض بعضها مع عقائدنا وأخلاقنا وتقاليدنا وعاداتنا، وأن الشراكة معه مخاطرة غير مأمونة العواقب؟ يبدو ذلك بدليل ما يتسرب إلينا من قنوات مسيئة بحجة أنها تدور بنفس مدار النايل سات ولا يستطيع القمر المصرى حجبها أو وقفها أو التشويش عليها إلا بحكم قضائى أو من خلال تقديم أجهزة الدولة أو منظمات المجتمع المدنى شكاوى موثقة للجهات مانحة التراخيص لهذه القنوات، لأنه يحترم الاتفاقات الدولية، والحقيقة أنه غير قادر على حماية مشاهديه الذين اقترب عددهم من رقم المائة مليون عربى حول العالم، وأن الدولة لا تمتلك التشريعات المطلوبة لتنظيم عملية البث، وإذا أخذنا بكلام المهندس صلاح حمزة، العضو المنتدب للشئون الفنية بالنايل سات، بأنه لا توجد دولة تستطيع منع قمر آخر يبث من السماء، وأقصى ما تستطيع فعله أن تحمى قمرها فى الفضاء، فلابد أن نسأله لماذا لم تحمِ مصر قمرها، ولماذا تسربت عبره قنوات الفتنة؟ أين آليات الحماية ياباشمهندس وقمرنا أصبح منتهكا ومنهكا من «شغف والكرمة « !


الأمر الذى لا شك أننا ندفع الآن ثمن الاتفاقية «السوداء» التى تم إبرامها مع «يوتل سات»، والتى بمقتضاها اقترب القمر الأوربى هوت بيرد من مدار القمر المصرى نايل سات، خاصة أن «يوتل سات» يتقاطع مع مدار «نايل سات»، مما يؤدى لالتقاط الأطباق المصرية للتردد، ضمن ترددات «النايل سات»، وأن مهندسى الشركة الفرنسية التى تدير القمر الأوربى يتحكمون فى هذه الترددات التى تبث من خلاله حالياً كل قنوات الفتنة.


لذلك لابد من تحرك سريع وإصدار تشريع جديد يحمى عملية البث الفضائى تلقائيا دون الحاجة إلى دعاوى قضائية يطول أمدها، وإعادة دراسة بنود عقود الاتفاقيات التى أبرمها النايل سات مع شركات الأقمار العالمية الأخرى، حفاظا على وحدتنا وحماية لنا من قنوات الفتنة، وأعتقد أن هذا مطلب مشروع يستحق التشريع، وليعلم الجميع أننا نرى ونسمع ونتكلم.