المستثمرون المصريون يبحثون التوازن المفقود بين حقوق العمال وحقوق رجال الأعمال

06/08/2014 - 11:33:56

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

تقرير يكتبه: سليمان عبدالعظيم

«وكأنك يا أبوزيد.. ما غزيت»!.


كان هذا لسان حال رؤساء جمعيات المستثمرين علي مستوي الجمهورية عندما اجتمعوا بشكل طارئ مساء الأربعاء الماضي لمناقشة مشروع قانون العمل الجديد الذي تلقاه الاتحاد المصري لجمعيات المستثمرين من وزيرة العمل والقوي والعاملة ناهد العشري!.


الأسبوع الماضي اعترض اتحاد الصناعات علي مشروع القانون فلم تجد الوزيرة عشري مخرجاً لها من الهجوم الضاري الذي شنه مجلس إدارة الاتحاد برئاسة محمد السويدي سوي القول: إنه ليس مشروعي إنه نتاج علي لجنة استشارية قانونية!.


ما لاقاه هذا القانون المقترح في اتحاد الصناعات تكرر وبنفس القسوة وبدون دبلوماسية في الاجتماع الساخن لاتحاد جمعيات المستثمرين.


إزاء هذه الاعتراضات والانتقادات الحادة اضطرت الوزيرة أن تقول إنه ليس مشروع الحكومة ربما حتي تتمكن من سير أغواء رجال الصناعة والاستثمار.. وبدلاً من أن يكون القانون محاولة جادة لإيجاد توازن حقيقي بين حقوق العمال وبين حقوق رجال الأعمال من أجل هدف واحد تلتقي عليه وتتوحد كل الجهود وهو زيادة الإنتاج بعد 4 سنوات من التوقف والمظاهرات والإضرابات التي شلت البلاد.. بدلاً من هذا خرج القانون المقترح مجهول النسب ضعيف الصياغة و«يشوه» قانون العمل القائم وينتصر للعمال علي طول الخط.. وليذهب رجال الصناعة والأعمال إلي الجحيم.


إليكم الآن وقائع ما جري من كبار رجال الصناعة في اتحاد المستثمرين المصريين.


في بداية هذا الاجتماع الساخن أكد محمد فريد خميس رئيس اتحاد جمعيات المستثمرين أن الهدف من الإصلاح التشريعي في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها مصر الآن هو أن يساعد هذا التشريع في حل مشاكل مصر وعمادها حل المشكلات الاقتصادية حتي يتحقق الاستقرار السياسي ومن ثم الاستقرار الاجتماعي في البلاد، وعلي رأس هذه المشكلات الاستثمار من أجل خلق فرص عمل جديدة.. وهذه هي مشكلة المشاكل، ومن ثم زيادة دخول الأسر ومن ثم أيضاً تحقيق العدالة الاجتماعية.


ومشروع القانون الذي نحن بصدده الآن يراه معظم رؤساء الجمعيات لا يحقق هذا، وطالما لم يكن هذا المشروع يماثل نظيره في الدول التي سبقتنا في تحقيق التقدم الاقتصادي فبالتأكيد إنه لن يحقق الأهداف التي نصبو كلنا إليها بعد أن حققنا الاستحقاق الثاني في خريطة المستقبل وهي انتخابات الرئاسة.


وقال خميس في البلاد التي سبقتنا هناك تعادل أو توازن بين حقوق صاحب العمل وبين حقوق العاملين، وهذا التوازن دائماً ما يحقق صالح الاثنين.. لأن الهدف من أي قوانين تنظم تلك العلاقة هو أن تتمكن المنشأة أو المصنع من الإنتاج بكفاءة عالية بأقل تكلفة.


وهذا الكلام لم يكن موجوداً في السنوات الماضية ونحن نفترض الآن أن الثورة التشريعية التي وعد بها الرئيس عبدالفتاح السيسي لابد أن تحقق هذا التوازن الغائب والمفتقد، ولكن للأسف مشروع القانون الموجود أمامنا في هذا الاجتماع لا يحقق هذا.


سأحكي لكم نادرة رأيت ذات يوم مدير مصنعي في الصين يقول لعامل صيني إذهب إلي الخزينة وتسلم باقي أجرك أنت مفصول، فقلت له فوراً: حاسب يا جدع إهدي شوية ده أنت في الصين.. فرد علي ما هو عشان أنا في الصين.. فقلت له تعال بقي وهات معاك مدير شئون الأفراد الصيني حتي أفهم معني هذا الكلام، فاكتشفت أن القانون هناك يعطي لصاحب العمل أو المدير الحق في فصل العامل فوراً وأن يغادر مكان العمل إذا ما ارتكب خطأ جسيماً.. ما هذه الأخطاء الجسيمة؟.. عندما قرأتها ضحكت.. ضحكت علي بلدنا وعلي الأخطاء الجسيمة جداً التي ترتكب في مصر وأن ما يسمي عندهم أخطاء جسيمة ليست له علاقة أبداً بفهمنا لكلمة الخطأ الجسيم.. لو دخل العامل الصيني الحمام وخرج ولم يطفئ النور فهو ارتكب خطأ جسيم.. يا سلام.. لهذا أصبحت الصين هي الصين، لهذا هم يوظفون عمال أكثر والاستثمارات العالمية تذهب إليهم أكثر، لأن مناخ الأعمال هناك جاذب والقوانين تحقق هذا، وهذه هي الفلسفة وراء أي تعديل منتظر في قانون العمل المصري، نحن المستثمرون لا نريد أن يظلم العامل المصري ولا يوجد رجل صناعة عنده عامل كويس «ما بيطبطبش عليه» وإذا حاول مستثمر آخر أخذه يرفع صاحب المصنع مرتبه فوراً.. ليه لأن عنده «لقية».. مدير محاسب مهندس عالم.. ماحدش أبداً من رجال الصناعة سيظلم عامل، لكن بالتأكيد مطلوب أن يكون هناك أسلوب للتعامل يضمن حقوق الطرفين ويضمن أن العامل المجد يكافأ وأن العامل الذي لا يقوم بعمله يتم التخلص منه بسهولة.


وبصراحة شديدة الموجود في هذا القانون المقترح لا يحقق ولن يحقق هذا القانون الغائب، وصباح اليوم اتصل بي اتحاد الصناعات وقالوا أنهم كانوا في لقاء مع وزيرة العمل وقالت لهم: «مش أنا اللي عملت مشروع القانون ده.. عملته مجموعة تشريعية استشارية.. أنا ماليش دعوة بيه»!.


من جانبه أوضح د. سيد نايل عميد حقوق عين شمس الأسبق والخبير في قوانين العمل أن التوازن بين حقوق العمال وحقوق أصحاب الأعمال لن تقوم له قائمة بين الطرفين إلا بتشجيع الاتفاقيات الجماعية التي تبرم بين صاحب عمل أو منظمة أصحاب أعمال وبين منظمة عمالية أو اتحاد العمال وهذا هو ما يوفر التوازن المنشود في علاقات العمل، ولكن النظام في مصر متخلف جداً لأن التشريع لا يشجع علي إبرام هذه الاتفاقيات الجماعية التي تنظم 99 في المائة من علاقات العمل في أمريكا، فليس هناك في أمريكا قانون الدولة تفرضه بل تتركه لقوي الإنتاج هي التي تضع القواعد المناسبة وفقاً لظروفها، الاتفاقيات الجماعية مهمة جداً ولكن حتي تنجح لابد أن تكون هناك منظمات أعمال قوية ومنظمات عمال قوية مستقلة غير تابعة للدولة.. وحتة النقابات المستقلة والكلام الفارغ ده هايضيعنا وهايضيع العمال، فالنقابة يجب أن تكون واحدة شرعية حتي تمثل العمال وتتفاوض باسمهم، لكن أن تتفاوض نقابة شرعية وتطلع لها نقابة مستقلة تهدم اللي بتعمله النقابة الشرعية فهذا الأمر لايجب أن يستمر، ويجب أن يتم الآن مراجعة قانون النقابات في مصر.


وهذا المشروع المقدم من وزارة العمل لا يعتبر مشروع قانون جديد، بل هو تشويه للقانون القائم ولن يحل أي مشكلة من مشكلات القانون القائم.


مشكلات القانون القائم أولها ترك الاختصاص لعقوبة فصل العامل للمحكمة وليس لصاحب العمل والجميع يعرف مدي بطء إجراءات التقاضي، في كل دول العالم الفصل من حق صاحب العمل ثم يلجأ العامل إلي المحكمة.. وهذا الأمر يجب أن يتغير لأنه كارثة!.


ولخلط المشروع بين الاستقالة في الحكومة وبين الاستقالة في القطاع الخاص، وأحدث تشويها وليس تطويراً للقانون القائم.


وإجمالاً، فإن هذا المشروع في حالته هذه لا يعتبر مشروع قانون لأنه لن يحل المشاكل الموجودة علي السطح ولم يأت بفلسفة جديدة للتغيير، والأفضل أن نتجه لتنظيم الإضراب بطريقة تحمي رؤوس الأموال وتحمي الدولة وتحمي النقابات.


قال ماجد الحيدري رئيس غرفة المنشآت الفندقية بالبحر الأحمر: لن نستطيع تحمل نقطة جاءت في مشروع القانون وهي أن المجلس الأعلي للأجور يعيد النظر كل عامين في الحد الأدني للأجور، ونقطة أخري أنه منح المجلس الأعلي للأجور حتي زيادة العلاوة السنوية بما لا يقل عن 7%، فهل المستثمرين ليست لهم حقوق، طيب احنا نشتغل إزاي؟! وهذا ليس دور المجلس الأعلي للأجور، وهذا القانون المقترح أنشأ صندوق للتدريب والتأهيل وقال أن من موارده الأساسية واحد في المائة من صافي أرباح المصنع.. طيب إحنا بندفع ضرائب ليه؟.. هذا إهدار لكرامة وحقوق صاحب العمل، ومن حقي كمصنع إغلاق جزئي للمصنع والإخطار فقط دون أن نمر «كعب داير» علي دوائر الحكومة المختلفة.


وقال أسامة حفيلة رئيس جمعية مستثمري دمياط أن القائمين علي إعداد هذا المشروع بدوا كما لو كانوا يسعون «للتأميم بالراحة» وكما لو كانت المنشأة الصناعية بتاعتهم ومن ممتلكاتهم.


فيما قال أبوالعلا أبوالنجا نائب رئيس الاتحاد في هذا القانون المقترح ما هي قصة العامل الذي يتعرف علي كل أسرار العمل فينقلها إلي المنافس؟.. وماذا لو دربته وأنفقت عليه ثم تركني وذهب إلي مصنع آخر منافس؟!


وقال القيادي العمالي البارز عبدالرحمن خير هذا القانون يكرس للأسف التعددية النقابية، وأعطي لوزير العمل رئاسة المجلس القومي للأجور بينما هو طرف في أي خصومة عمالية، وأخطر ما في هذا القانون هو منح العمال حق الإضراب وحق الاعتصام رغم أن هذا وذلك يضر بمصالح أصحاب الأعمال ضرراً بالغاً وشديداً.


فيما قال د. مجدي عبدالمنعم رئيس جمعية 6 أكتوبر رأيي باختصار أننا إذا كنا نريد تطوير أي قانون في مصر فعلينا أن نري قوانين الدول المتقدمة ونأخذ منها.


وقال علي حمزة رئيس جمعية مستثمري أسيوط لو أن المشرع المصري درس في مواثيق منظمة العمل الدولية ومواثيق العمل في الدول المتقدمة حقوق العامل وحقوق صاحب العمل وطبقها بحذافيرها أعتقد أنه ما كان هناك داعياً بالمرة لمشروع هذا القانون.


وطالب د. محمد سعد الدين رئيس جمعية مستثمري الغاز ونائب رئيس اتحاد جمعيات المستثمرين بأن يمنح صاحب العمل الحق في فصل أي شخص ويمنحه حقوقه بالكامل أيا كانت لأن وجود واستمرار أي بؤرة فاسدة في المصنع سوف يؤدي إلي إفساد كل العاملين في المصنع.


وقال محمد المرشدي رئيس جمعية مستثمري بدر للأسف هناك بعض الأحزاب والكيانات السياسية تكون وراء تنظيم هذه الإضرابات تصفية لحسابات مع بعض أصحاب المصانع، ولهذا فإن الإضرابات يجب أن ينظمها القانون لتكون إيجابية أكثر.


وقال سيد البرهمتوشي المستثمر في مدينة العاشر من رمضان الكارثة أن 40% من مرتب العامل والمهندس تدفع للتأمينات.. والمشكلة هنا ليست من صنع صاحب العمل المشكلة في القانون.. وهذا للأسف كثيراً ما يتسبب في قيام العمال بالإضراب والمظاهرات.


وفي نهاية الاجتماع اتفق رؤساء الجمعيات علي إبداء بعض الملاحظات أولها أن اطلاعهم علي مشروع قانون العمل يؤكد عدم ضرورة إصدار قانون جديد، فالتعديلات التي جاءت بالمشروع - بصرف النظر عن الموافقة عليها من عدمه - هي تعديلات سطحية أو تعديلات متناثرة لعدد يسير من النصوص، ولا ينطوي المشروع علي أي فلسفة جديدة أو تعديلات جذرية، ولهذا إن صحت تلك التعديلات المتناثرة فإنها لا تستحق أكثر من تعديل بسيط في بعض النصوص.


فإصدار قانون جديد مسألة تستوجب أن تكون هناك فلسفة جديدة وسياسة جديدة في تنظيم علاقات العمل، أما مجرد الرغبة لدي البعض في إيضاح نص أو إجراء تعديلات بسيطة فهو أمر لا يبرر إطلاقاً إصدار قانون جديد، فلا يجب - كما قال رؤساء الجمعيات - إغفال ضرورات الاستقرار في المجتمع المصري، كما أن القضاء والفقه يزيلان أي غموض في النص.


والملاحظة الثانية أن مشروع القانون تناول تعريفاً للاعتصام علي الرغم من أن الاعتصام بمكان العمل ليس إضراباً وليس حقاً للعمال، بل هو عمل غير مشروع من جانب العامل لأنه يعد اعتداءً علي حق العمال غير المضربين ويمنعهم من العمل، كما أن الاعتصام هو اعتداء علي حق صاحب العمل في الانتفاع بما يملك واعتداء علي حقه في استخدام العمال البدلاء.


والثالثة أن المشروع أتي بتعريف خاطئ للإضراب جاعلاً من البطء في العمل أو معدلات الإنتاج نوعاً من الإضراب برغم أن ذلك يعد عملاً غير مشروع يترتب عليه معاقبة العمال وليس حقاً دستورياً لهم.


فإذا كان الإضراب أصبح حقاً دستوريا للعمال واجب التنظيم فإن الإغلاق الكلي أو الجزئي للمنشأة هو أيضاً حق لأصحاب العمل يجب تنظيمه.


ولم يحل المشروع الجديد المشكلات التالية التي ظهرت في القانون الحالي مثل:


> عدم تنظيم الإضراب بصورة تتفق مع الاتفاقات الدولية وبصفته حق دستوري.


> كذلك بقاء الخلط بين مفهوم الاستقالة في القطاع الخاص والاستقالة في الجهات الحكومية، إذ لا يجوز النص في قانون العمل علي وجوب قبول صاحب العمل استقالة العامل حتي تنتج أثرها.


> فضلاً عن بقاء الخلط بين مفهوم الإنهاء في عقود العمل غير محددة المدة ومفهوم الفصل أو الفسخ، فالإخلال بالالتزامات الجوهرية يجوز معه لصاحب العمل فسخ العقد بإرادته المنفردة سواء كان عقداً محدد المدة أو غير محدد المدة.


> كما ظل توقيع جزاء الفصل من اختصاص المحكمة.


> وتم إلغاء نشر أحكام اتفاقية العمل الجماعية، وهي الاتفاقية التي تلعب دوراً مهماً في التوازن بين طرفي الإنتاج.. ومن ثم يجب أن يضمن القانون نصوصاً واضحة لكيفية إبرام هذه الاتفاقيات والانضمام إليها ومراجعتها ونشرها في الوقائع المصرية.


> ولم يتناول مشروع القانون تنظيم النقابات العمالية، بحيث يكون النص واضحاً وصريحاً ولا يكون هناك تعدد في اللجان النقابية.


> وبشكل إجمالي بقيت... «صياغة المشروع رديئة».


لم يأت هذا المشروع بجديد سوي في: تشكيل مجلس وطني للحوار الاجتماعي ووجوب اعتماد استقالة العامل من مكتب العمل وإنشاء مكتب للوساطة، وهي المرحلة السابقة للتحكيم..


وكأنك يا أبوزيد.. ماغزيت!.