لماذا نترك اللباب إلى القشور ؟! وأين ولَّت منظومة القيم ؟!

21/10/2015 - 10:43:32

  رجائى عطية رجائى عطية

بقلم - رجائى عطية

أتاحت لى صداقاتى وصلاتى، وما أجرى وراء الإطلال عليه، أو يأتينى من المؤلفات بإهداءات كريمة، أن أرى أن مصر عامرة بعلماء كبار حقيقيين، وبمفكرين عِراض ضربوا بمعاولهم وتأملوا فى كل باب، وأخرج هؤلاء وأولاء آلافًا من الكتب والبحوث والدراسات، ولكنها للأسف محصورة فى دائرة قليلة من الحريصين على المتابعة والاطلاع ونشـدان الحقيقة، فى صمـت بلا تظاهر ولا ادعاء، وللأسف لا يجيدون ولا يجيد هؤلاء العلماء والمفكرون عرض هذه النفائس فى صحائف وقنوات الإعلام، فتبقى بعيدة عن جمهور الناس، بل وعن كثيرين من المتعلمين ولا أقول المثقفين، فالمثقف الحقيقى يسعى إلى الثقافة والمعرفة فى مظانها، ولا ينتظر أن تأتيه!


أما الإعلام، باستثناء جُزرٍ قليلة فى إعلام الدولة، فمشغول بصراع الإعلانات، واجتلابها بترويج الإسفاف والإهاجة .. لا اهتمام له بما ينفع وينير، وإنما بما يثير ويجذب .. وليت الجذب يجتهد فى التفتيش على المواد الدسمة التى لا ينقصها عنصر الجذب والتشويق .. فقد كان الدكتور مصطفى محمود يفعل ذلك فى برنامجه الشـهير
“العلم والإيمان” ويقدم علمًا غزيرًا نافعًا لا يخلو من التشويق، وكان الدكتور حسين فوزى الذى للأسف لم يَعُدْ يذكره أحد، يصنع الكثير فى تقريب الثقافة والموسيقى الكلاسيكية بالذات التى كان يوالى شرحها وتفسيرها على موجات البرنامج الثانى بالإذاعة المصرية، وقد قامت إحدى شركات الصوتيات الفنية بطبعها على شرائط .. ثم اختفت ربما بسبب عدم الترويج وعدم إقبال الناس الذين جعل يغريهم التافه والمثير، وكان الدكتور حامد جوهر يقدم ثقافة راقية ومشوقة وجذابة عن “عالم البحار” وما يموج به، وكان برنامج “عالم الحيوان” يقدم مادةً فريدة متميزة يُعْيينا التفتيش والبحث عنها فى كتب وموسوعات الأقدمين والمحدثين، وفى المجلات المتخصصة .


كانت هذه الأعمال وغيرها نوافذ للعقل والمعرفة والثقافة، تربى العقول والأفهام والنفوس، وتفطر الناس على الاهتمام بالثقافة الراقية وعلى نشدان القيّم النفيس، بيد أنه مع تراجع تقديم هذه الأعمال، وانفجار قنوات الإعلام الخاص، بلا ضابط ولا رابط، وبلا رقيب أو حسيب يلزم بميثاق يحفظ للأمة وعيها وعقلها وتقاليدها وآدابها، انطلقت منافذ إعلامية عديدة لتشويه كل شىء، وتشويه العقول والمفاهيم والأذواق ونسف الآداب، فدنيا الإثارة المنحطة لا تبحث لا هى ولا ثقافة “الهدير” عن شىء مفيد، ولا تنشد لُبابًا، ولا تعنى حتى بقشور فيها مسحة من قيمة، وإنما جعلت تفتح مصاريعها للإسفاف، وتتسابق فيه، وتقدم كل ساعة نماذج شائهة بلا فكر، وإنما بتطاول مادته مترادفات مقذعة، بمعان هابطة، وكلمات منحطة لم يسبق لأى إعلام أن سمح بها .. ولست أستطيع أن أضرب الأمثلة بالألفاظ المسفة المقذعة التى تفشت، فالذوق العام والأدب يأبى أن أرددها، كما أن كل قارئ يعرف ما أقصده بها، ويعرف تمامًا أسماء من يتداولونها فى سلوكهم وأحاديثهم وسبابهم وشتائمهم التى تفتح الفضائيات لها جميع النوافذ والأبواب، وتنوِّه عنها مقدمًا، جلبًا للمشاهدة ومن ثم للإعلانات التى أفسد السعى إليها كل القيم والمبادئ.


من سنوات، بدأت أكتب أكثر من مرة عما أطلقت عليه “الظاهرة الصوتية وثقافة الهدير”، وأعنى بها الصخب والضجيج والصوت العالى، وتوارى العقل والمنطق والموضوعية، أمام هذا الهدير الذى ساد وتفشى، وأدى إلى اختلاط المفاهيم، وتراجع القيم، بل وتراجع الدولة والنبهاء أمام هذا الصخب، وضربت لذلك أمثلة يمكن لمن يريد الإطلال عليها أن يرجع إلى ما كتبته عن “الظاهرة الصوتية وثقافة الهدير” بعدد جريدة الأهرام ١١/٨/٢٠٠٨ وأعدتُ نشره بنفس العام فى كتاب “بين شجون الوطن وعطر الأحباب”، ليرى كيف حلت الحناجر محل العقول، وانعدمت صلة ما يقال بمعطيات العقل والمنطق، فقد حل محل العقل الصخبُ والضجيجُ والضوضاء والصياح والهتاف والهياج والإهاجة والإثارة والاستثارة والانفعال والتشويش والتهويل والمصادرة والإرهاب، وأخذ هذا الهدير مكان العقل والحكمة والروية والفكر والتأمل والفعل والمعنى والهدف والغاية، وصار صخب هذا الهدير يطارد الدولة ويطارد العقلاء والباحثين عن حكمة الفكر وعمق النظر وقيمة المعنى وبصيرة الفؤاد ونفاذ الرؤية واعتدال العاطفة وسواء الفهم وسلامة النية ونقاء الضمير!


كان من المفارقات، أن تضطر الدولة لسحب لقب “مستشار” من كبار رجال السلطة القضائية، والاكتفاء بلقب “قاض”، لأن اللفظ تهَرّأَ معناه فى سلوكيات أدعياء جعلوا يتخذون لأنفسهم هذا اللقب الذى لم يحملوه يومًا، ويعرف الجميع ذلك، ولكن لا أحد يواجه أو يطبق القانون أو يحترم الأصول والتقاليد، إلاَّ أن الاستجابة لوضع الأمور فى نصابها غدت ضعيفة بل معدومة، لأن العكس صار هو المعتاد، وصمم من صدر التشريع لمواجهة انفلاتاتهم على الاستمرار فى انتحال اللقب على غير حق، بينما التزم رجال القضاء، حتى رأينا اسم رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى مسبوقًا بلقب “القاضى”
لا المستشار، ويبدو أنه مع طول السنين وتصميم الجانحين على التلقب باللقب الذى لم يحملوه قط، قد عاد بالأمور يأسًا! إلى حالتها الأولى، فانتصر الضجيج والانتحال والهدير، على التقاليد والأعراف والنظام والدولة .. وهيبة القانون!


مع ذلك فما صرنا إليه الآن من جنوح بات أعظم بلاءً، وأشد انحطاطًا، والجميع صامت إيثارًا للسلامة واتقاء السباب وطول الألسنة، فكما يقال فى الأمثال “القبيحة ست جيرانها”، وظل هذا التراجع بعامل الخشية والتحسب، يتحول تدريجيًّا إلى “انبطاح”، لم يجد بأسًا من التملق والممالأة والنفاق، وبلغ التملق أو النفاق أو الخوف طلبًا للسلامة، حد التلاعب بالمعانى والمسمَّيات، فتطلق مسمَّيات “الخلاف” أو “الخصام” أو
“الخصومة” أو “الحرب” أو “سوء التفاهم” وما إليها، على حوادث شتم وسب وقذف وتطاول وتعدٍّ من جانب واحد، وبلا رد، لتساوى هذه المسمَّيات المغلوطة بين الجانى والمجنى عليه، وتتحاشى التوصيف الصحيح الذى يجب أن يطرح على المجتمع، لتصحيح الأمور وضبط قيمه وآدابه، حتى إنه لم يعد هناك بأس من استدراج إفراز القبح، بينما المُسْتَدرج منتفخ الأوداج لا يعنيه أنه مستدرج لما يُرَاد، وإلقاء البهارات على الإثارة، لارتفاع المشاهدة، وارتفاع غلَّة وحصاد الإعلانات!


ربما قلنا، ويجب أن يُقال، إن هجر هذه النوافذ والكف عن متابعتها كفيل بالقضاء على هذه الظاهرة المفزعة، أو التقليص منها ومن آثارها على الأقل، بيد أن الناس تتفاوت فى الوعى والفهم والثقافة والطبع والذوق، ومنهم من لا يأنف بل يرحب بهذه الممارسات لأنها تسليه، وتصرفه عما يواجهه من مشاكل أو صعاب أو يأس أو تعاسة، وربما شفت غليله فيمن يُطْلِقُ الشتَّام لسانَهُ فيه، وهذه آفات متراكمة، تحتاج إلى سنين طويلة لعلاجٍ قوامة التأديب والتهذيب والتعليم والتقويم، فأين لنا هذا الزمن الطويل الذى يمكن من خلاله تَبَنِّى مشروع كبير “للتربية” والتأديب والتهذيب وإعادة القيم ؟!


ظنى أنه لا غناء عن النظام وهيبة الدولة والقانون، ولكن القانون تنهض الدولة وسلطاتها وأجهزتها على تطبيقه، ويبدو أنها لا تريد إعماله فى هذا المجال، وقعودها عن ذلك يطلق الشائعات والأقاويل بأنها تصدر فى ذلك عن رغبة مستترة فى إلهاء الناس، وعن خطة مجربة فى استخدام هذه النماذج الشائهة عند الحاجة إليها!


لست أريد أن أحكم على أحد، وإنما حسبى أن أقرع الأجراس، لقد صارت الظاهرة إلى “انبطاح” المهذبين طلبًا للسلامة، وإلى تراجع المنطق والعقل والموضوعية، أمام الفوضى والإسفاف والهمجية وقلة الأدب، وعمقت الظاهرة من داء جعل يتسع ويتفشى، وصرنا نهتم “بالقشور” لا “باللباب”، وظنى أنه لا أمل فى أمة تنبطح أمام هذا الداء الوبيل، وترتضى أن يُغَيَّب العقل فيها أمام هذا الغثاء، وتكتفى بالقشور، مضحية باللباب، ومنصرفة عنه وعن كل ما يفيد، إلى ما لن تُحْمد عقباه!


مصيبة المصائب أن يبور العقل، وألاَّ تعود للأمة آداب وقيم وتقاليد!!