الصلح بين عبدالناصر والسادات!

21/10/2015 - 10:40:34

حمدى الكنيسى حمدى الكنيسى

بقلم - حمدى الكنيسى

عنوان مقالى هذا يبدو مخادعاً أو على الأقل مثيراً للدهشة والتساؤل، إذ إنه على المستوى الشخصى والعلاقات الودية التى نشأت وترعرت بين الزعيمين، تؤكد أنه لم يحدث بينهما - أثناء حياتهما- خلاف أو قطيعة تستدعى الصلح بينهما وهما عند الله، ويكفى مثلا أن الود الذى جمعهما واتساع الأفق لدى كليهما كان من أسباب استمرار السادات إلى جانب عبدالناصر صديقاً ونائبا فى الأوقات الصعبة، بينما انفرط عقد مجموعة الضباط الأحرار قادة الثورة المجيدة فابتعد منهم من ابتعد، واعتزل منهم من اعتزل، وانتحر منهم من انتحر، بينما ظل السادات إلى جانب عبدالناصر، واحتفط عبدالناصر برفقة وصداقة السادات.


إننى أعلم جيدا أننى أدخل بقدمى فى حقل ألغام ، “فالناصريون” أصدقائي جدا سوف يتأهبون للاحتجاج على العنوان والمضمون والفكرة كلها ومن ثم سوف يستنكرون دعوتى القادمة، وقد يتهموننى بأننى تخليت عن فكرى ومبدئى، ومن جهة أخرى لن يقل “الساداتيون” تأهباً فى انتقاد واستنكار ما أقدمت على طرحه، وسوف يتهموننى بعدم الوفاء للرجل الذى أحبنى وقدرنى والذى قدمت آلاف الحلقات من برنامجى “صوت المعركة” عن الحرب المجيدة التى أطلق شرارتها، وألفت ثلاثة كتب عن هذه الحرب كما سجلت عن دوره التاريخى فيها.


إذن قد أجد نفسى فى مرمى نيران الفريقين الكبيرين اللذين سبق أن تراشقا بالانتقادات والاتهامات، وشحذ كل منهما أسلحة الهجوم الذى ينتقص من قيمة وأداء الزعيم الآخر، ولقد كانت نتيجة هذا الخصام الذى طال أكثر مما يجب تبادل الإساءة إلى الزعيمين وتشويه انجازاتهما مما أضعف وأربك الصف الوطنى الحقيقى ليتسلل بينهما وينمو ويتكاثر من لا يعترفون بالوطن، ولا تحركهم إلا مصالحهم وارتباطاتهم الخاصة، وهذا - ياحضرات - ما جعلنى أقبل بالتعرض لما قد يصيبنى من انتقادات أرجو ألا تنزلق إلى اتهامات وإن كنت أطمئن - مقدما - إلى ردود أفعال من يقدرون هدفى الوطنى ويحترمون قيمة الاختلاف فى الرؤى والأفكار والمواقف، لأنهم - بالتأكيد - يدركون أن ما ينسب لهذا الزعيم أو ذاك من سلبيات يرجع غالبا إلى تأثير الدائرة المحيطة بكل منهما، وبالتالى فإنهم يدركون قيمة وحجم الإيجابيات الواضحة لكليهما!!


إن النظرة الموضوعية المجردة من الهوى والغرض تقول ما يلى:


إذا كان عبدالناصر قد تحمل مسئولية النكسة بآلامها ونتائجها ، إلا أنه استجاب للشعب، وتراجع عن التنحى ليقوم فوراً بإعادة بناء القوات المسلحة بالسرعة والطريقة التى جعلت من حرب الاستنزاف ذكرى مؤلمة لإسرائيل، ومقدمة هائلة لحرب أكتوبر، وانضم هذا الإنجاز الرائع لعبدالناصر إلى إنجازاته الأخرى مثل العدالة الإجتماعية والمشروعات العملاقة كالسد العالى وآلاف المصانع، والمكانة الإقليمية والدولية لمصر .. ولذلك كان من الطبيعى أن تعود صورته إلى التألق ويرفعها الثوار فى كل مكان وكل دولة عربية.


وهذا ما يجب على “الساداتيين” أن يعترفوا به ويقدروه حق قدره، ولا يتوقفوا أمام السلبيات وحدها كالنكسة والتضحية بحرية التعبير فى سبيل مواجهة أعداء الداخل والخارج.


وللناصريين أقول: من حق السادات أن نعترف بدوره العظيم عندما اتخذ القرار الشجاع بإطلاق شرارة حرب أكتوبر، ثم استكمال تحرير سيناء مهما اختلف البعض حول منهجه، كما أنه وضع بذرة عودة الأحزاب طريقا للديمقراطية .


من حق السادات أن نعترف له بذلك كله، ولا نتوقف أمام سلبيات مثل الارتباط الوثيق بالسياسة الأمريكية، ثم سياسة الانفتاح، وإطلاق أيدى الإخوان المسلمين ، ليعيثوا فى الأرض استعداداً لتحقيق أهدافهم ولو على جثة الوطن حتى انطلق بهم غول التطرف والإرهاب الذى كان السادات نفسه أول ضحاياه.


ولعل مناسبة الاحتفال بذكرى حرب أكتوبر المجيدة تكون قد فتحت المجال على مصراعيه لأى جهود تستهدف إزالة الرواسب التى علقت بمحاولة المفارقة بين عبدالناصر والسادات، ويدعونا ذلك إلى أن نشير إلى ما بذله الزعيمان تمهيدا وتنفيذا لحربنا الخالدة فليس هناك أدنى شك فى أن حرب الاستنزاف التى أطلقها وأشعلها جمال عبدالناصر بشعاره “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة” وبعمله وإشرافه المباشر على مراحل هذه الحرب التى حطمت الحاجز النفسى الذى كان أحد الموانع الرهيبة أمام قواتنا المسلحة وإن كانت هذه الحرب لم تأخذ حقها لغرض فى نفس يعقوب وأكثر من يعقوب، وكأنها لم تكشف زيف الدعايات الإسرائيلية والغربية التى جعلت الجندى الإسرائيلى “سوبرمان” يجيد الضرب والقتل بينما لا يملك المصرى والعربى إلا الانسحاب والهرب ، ثم إنها هذه الحرب هى التى أتاحت إقامة حائط الصواريخ التى وفرها لنا الاتحاد السوفييتى تلبية واستجابة لطلب عبدالناصر شخصياً، والمعروف أن هذه الصواريخ ساهمت فى قطع ذراع إسرائيل الطويلة (سلاحها الجوى) فى حرب أكتوبر، ثم دور السادات الذى كان بحكم موقعه يعرف كل التفاصيل عن الموانع الرهيبة التى لا بديل عن اجتياح جيشنا لها، ورغم ذلك اتخذ القرار الشجاع بل فاقه شخصيا فى حرب العقول التى كان من نتائجها خداع وتضليل العدو وحلفائه لتقع المفاجأة التى كانت من أسباب النصر.


هكذا جمعت ذكرى حرب أكتوبر بين الزعيمين وجاء الاحتفال بها فرصة هائلة للإشادة بما قدمه الرجلان العظيمان، وهى الفرصة السانحة لكى يجتمع الناصريون والساداتيون على كلمة سواء لعلهم يعيدون للصف الوطنى لحمته وتماسكه وقوته بما ينقذ الوطن من تجار الدين والسياسة الذين سوف يزعجهم ويضعفهم بمشيئة الله الصلح بين عبدالناصر والسادات، أقصد الصلح بين أكبر تجمعين وطنيين .. (الناصريون والساداتيون).


لقد قلت كلمتى وأجرى على الله ، وأملى أن يتحقق ما أراه لصالح مصرنا العزيزة التى تواجه حرباً أكثر خطورة وشراسة من حرب أكتوبر لأن المتربصين والمتواطئين فى الداخل والخارج لن يغفروا لنا نجاح ثورتنا، وانطلاقتنا على طريق البناء والتنمية والتقدم والرخاء؟.