سيناء .. عبقرية المعركة .. وأرض الجيوش

20/10/2015 - 11:19:06

تمثال جرانيتى لتحتمس الثالث تمثال جرانيتى لتحتمس الثالث

أحمد البكري

منذ ما يزيد على 4000 سنة، نصح الملك الحكيم أختيو الثالث ابنه وولى عهده مريكا – رع بأن يؤمن حدوده الشرقية، ويعمر سيناء بالبشر كى يدافعوا عنها، ويردوا الأعداء، هذا ما سجله  " لنا " المصرى القديم فى نقوش عصر ما قبل الأسرات الفرعونية!


ولذا فلا عجب إن كان اسم أرض سيناء في بدء الدنيا (إيب جب بتاه) والذى يعنى (بوابة قلب الإله)، ومع بداية عصر الأسرات كشفت الأرض عن ثرواتها؛ فكانت تفيض بالذهب والنحاس والفيروز، فسميت (بوابة بيسارو) والذى يعنى (أرض المناجم)، وسماها تحتمس الثانى (قلعة الدفاع عن أرض الإله)، ورآها رمسيس الثانى ( مقبرة للغزاة )، وأسماها سنوسرت الثالث (أرض السلام) بعد أن حفر قناة سيزوستريس أول قناة مائية تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض عبر النيل من خلال البحيرات المرة، والتى حلت محلها قناة السويس، وكان امتدادها قناة أخرى هى قناة كبريت التي ربطت البحر الأحمر بالبحيرات المرة الكبرى.


هذه الأسماء وغيرها من الأسماء التى أطلقت على سيناء مثل سين، وسينين، بياوو، خاست مفكات، دومفكات؛ تلفت النظر إلى إدراك قدماء المصريين لما تمثله سيناء من قيمة استراتيجية عظمى لمصر كبوابة شرقية تقع في المنتصف بين أهم حضارات العالم القديم فى آسيا وإفريقيا، وبين وادي النيل ودجلة والفرات.


ويبدو أن الملك أختيو الثالث كان محقا في إسداء النصيحة لابنه بتعمير سيناء بالبشر، فمع اتساع رقعتها، كانت قليلة السكان، قليلة الزراعة، مع الوفرة في الثروات الطبيعية، والموقع المتوسط بين أكبر المراكز المدنية في العالم، الأمر الذى جعلها أكثر بقاع الأرض تعرضا للحملات العسكرية الطامعة، فكانت صاحبة أطول سجل عسكرى في التاريخ القديم والحديث. ومرت من خلالها الجيوش، ودارت على أرضها المعارك منذ استوطنها الإنسان في العصر الحجرى القديم.


عصر الأسرات


مع بداية عصر الأسرات بدأت الحملات إلى سيناء لاستخراج النحاس والفيروز تزداد، وقد عثر في أبيدوس على قطعة من العاج تخص الملك "عج إيب" من ملوك الأسرة الأولى، تشير إلى ذلك، كما تشير إلى حملاته لاستخراج الفيروز وتأمين الحدود الشرقية.


وشهدت سيناء اهتماما واضحا في عصر الأسرة الثالثة، فقد عثر على نقوش من عهد الملك زوسر صاحب الهرم المدرج، تمثله وهو يضرب العدو وأمامه شخص يحمل لقب (قائد الجيش). وقاد ابنه "سخم خت" حملة إلى وادى المغارة بالقرب من أبو زنيمة موطن مناجم الفيروز، ضد البدو الرحل فى سيناء، وسجل أخبار حملته بنقش على لوحة من الصخر وعليها صورته. وقد حفلت أخبار ملوك هذه الأسرة بحملات ومعارك ضد الطامعين والمعتدين.


خلال الدولة القديمة توثقت الصلات بين سيناء ووادي النيل، وتبرز نقوش وادي المغارة وسرابيت الخادم أهمية الدور الذى لعبته سيناء في ذلك التاريخ.


وتزايد اهتمام ملوك الأسرة الرابعة بمناجم ومحاجر سيناء، فشهدت تقديس الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة إلى الحد الذى قارب من عبادته، بعد أن عمل على تحقيق الأمن والاستقرار على امتداد أرض سيناء، فأقيمت  في عصره الحاميات التى كانت تعمل على تأمين المناجم والمحاجر، وصورت النقوش التى وجدت فى سرابيت الخادم الملك سنفرو وهو يقضي على الخارجين على القانون، والذين يهددون بعثات التعدين والتحجير، فكان أشهر ألقاب سنفرو أنه (الإله العظيم هازم الأراضي الصحراوية). كذلك كان الملك خوفو الذى تولى الحكم بعد أبيه سنفرو، فاستمر على السياسة نفسها في استغلال مناجم سيناء ومحاجرها، وتهيئة المناخ المناسب للعمل فيها.


واستمر ملوك الأسرة الخامسة والسادسة على نهج الأسرات السابقة نفسه من حيث الاهتمام بسيناء، وفي تلك الفترة حدثت انقسامات سياسية داخل مصر القديمة تسببت في إهمال سيناء ومناجمها وتأمينها، وجعلت الطامعين يرتعون على أرضها طولا وعرضا، حتى استردت الدولة المصرية هيبتها وقوتها في الأسرة الحادية عشرة، حيث كان من بين أهداف الملك (منتوحتب نب حبت رع) استرداد هيبة مصر في المنطقة، فأرسل حملة ضخمة يقودها أحد معاونيه ويدعى (خيتى)، لتأديب البدو الخارجين على السلطة في مصر. وعلى جدران مقبرة (خيتى) في الدير البحرى نقش نص عن لسانه يقول: (لقد عاقبت الآسيويين في أرضهم .. وملأ الخوف قلوبهم من قوة الملك).


وتشير نصوص معبد الدير البحري إلى أن (منتوحتب نب حبت رع) قام بحملة تأديبية ضد بعض البدو الخارجين على القانون والذين كانوا يهددون حركة التجارة عبر سيناء بين مصر وجيرانها.


وخطا ملوك الأسرة الثانية عشرة خطوة أوسع نحو التأمين، فأقيمت الحصون والقلاع ونقاط المراقبة، وأبدى الملك أمنمحات الأول اهتمامًا كبيرًا بحدود مصر الشرقية، حيث أقام تحصينات عرفت باسم (حائط الأمير)، أو (أسوار الحاكم). ولم يكن الملك سنوسرت الأول أقل نشاطا من أبيه في هذا المجال، إذ يشير وزيره منتوحتب إلى قيام الملك بإخضاع الآسيويين.


ومع غزو الهكسوس مصر، واستقرارهم في شرق الدلتا، أدرك ملوك الأسر التالية أن الهجوم خير وسيلة للدفاع، وأنه لابد من تأمين حدود مصر، وتصدير الرسائل إلى الدول المجاورة بأن مصر قادرة على الدفاع عن حدودها. وأصبح محتمًا أن تلعب سيناء دورًا عسكريًا يتناسب مع ما يجري على مسرح الأحداث، وبدأت الجيوش المصرية في الزحف لتكوين إمبراطورية مترامية الأطراف.


طريق حورس الحربي


 وظهر (طريق حورس) الذى يعتبر واحدا من أقدم الطرق الحربية في التاريخ، ليلعب دورا كبيرا في تيسير تحركات الجيش المصرى، فقام عليه كثير من الحصون والقلاع التي كانت عاملاً مهما من عوامل انتصار العسكرية المصرية.


وكان هذا الطريق من أهم الطرق العسكرية في مصر القديمة، ويبدأ من مدينة ثارو ( القنطرة) التي تشكل أكبر منظومة دفاعية مركزية في مصر القديمة، ليقطع سيناء متجها إلى العريش.


وقد دارت على هذا الطريق معارك الملك أحمس الأول مطاردا الهكسوس لتنتهي بطردهم وتطهير أرض مصر من وجودهم.


وسجلت أعمدة الكرنك أخبار الحملة الأولى للملك سيتي الأول على فلسطين والبلاد التي انتصر عليها، وأهم المواقع بين رفح و القنطرة، مارا على طريق حورس..


وقد كشفت بعثة الآثار المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار فى شمال سيناء عن قلاع طريق حورس الحربي القديم، وتمثلت أهم تلك الاكتشافات في العثور علي قلعتين ومخازن منقوش على جدرانها اسم الملك سيتي والملك رمسيس الثاني، الأمر الذي ساعد علي تأريخ تلك الحقبة وإثبات ما جاء في البرديات والذي يقول بأن الملك سيتي بدأ حملة عسكرية كبيرة لتأمين مداخل مصر الشرقية.


وكانت العريش من المراكز الاستراتيجية على طريق حورس الحربي ، وكذلك تل الشيخ زويد، وتل الخروبة، منطقة عين القديرات، تل الفلوسيات، بئر العبد، تل المخزن، تل حبوة، وغيرها من المراكز التى عُثر فيها على أكثر من قلعة.


هذه القلاع المكتشفة على الطريق هي القلاع التي خرجت منها جيوش مصر في عصر الملوك العظام مثل أحمس وتحتمس الثالث وسيتي الأول والملك رمسيس الثاني ومرنبتاح وحور محب لتأمين حدود مصر الشرقية.


وتسجل النقوش المصرية عبور ملك مصر العسكري تحتمس الثالث سيناء مع جيوشه قاصداً بلاد الآسيويين لصد المغيرين على حدود مصر الشرقية، كما تسجل حملة سيتى الأول ابن رمسيس الثانى فى عصر الأسرة التاسعة عشرة متوجها عبر شمال سيناء إلى بلاد الحيثيين فى الأناضول لتأمين حدود مصر الشرقية.


***


أدرك قدماء المصريين أهمية سيناء كدرع لأمن مصر، وعملوا ما وسعهم السعى إلى استغلال كل عناصر النجاح فى تأمين مصر من بوابتها الشرقية، بل إنهم تعاملوا مع سيناء بنوع من القدسية احتراما لموقعها وثرواتها، وإدراكا منهم للخطورة الكامنة وراء إهمالها وتفريغها.


العصر الإسلامي


سلك عمرو بن العاص طريق حورس حينما قدم إلي مصر فاتحا، ففتح العريش، وتقدمت الجيوش الإسلامية  ففتحت الفرما، وبعدها إلي بلبيس التي كانت نقطة مهمة علي الطريق الذي يقطع سيناء إلي الشام.


وشجع  الفتح الإسلامي بعض العناصر البدوية في شبه جزيرة العرب للنزوح إلي سيناء والاستقرار بها، فاستقر بعضها بمصر بينما نزح البعض الآخر إلي بلاد المغرب. فكانت سيناء أحد أهم المعابر البشرية خلال القرون الأولي من الفتح الإسلامي.


وأثناء الحروب الصليبية تعرضت سيناء لمحاولة الغزو من قبل الصليبين، حيث قام الصليبيون ببناء استراتيجية ترمى إلي السيطرة علي شبه جزيرة سيناء والطرق المؤدية إليها، إلا أن خططهم فشلت نتيجة الدفاعات التي قام بها الأيوبيون، وخاصة صلاح الدين الأيوبى الذى نجح في وقف حملاتهم في البحر الأحمر والتي وصلت عدن.


عبرت سيناء جيوش صلاح الدين الأيوبي لقتال الصليبيين، فهزمهم في موقعة "حطين" وفتح بيت المقدس. وعلى قمة جبل عال قرب "رأس سدر" توجد بقايا قلعة الجندى على بابها لوحة من الحجر منقوش عليها: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد خلد الله ، مِلّك مولانا الناصر صلاح الدنيا والدين سلطان الإسلام والمسلمين أبو يوسف بن القائد خليل أمير المؤمنين الخاضع لله تعالى. مؤرخة في الثامن من جمادى الأولى سنة ثلاثة وثمانية وخمسمائة. هذه اللوحة تنبئ عن صلاح الدين الأيوبي قاهر الغزو الصليبي الغربي والذي عبر صحراء سيناء وهزمهم وفتح بيت القدس).


ويعد العصر المملوكي بداية لمرحلة من الاستقرار في شبه جزيرة سيناء نتيجة لتوقف موجات الهجرة العربية، فكان الاهتمام بطريق الحج، فقام بيبرس بتمهيد طريق العقبة، ليصير طريق السويس - العقبة هو طريق الحج المصري. كما أمنوا الطريق إلي الشام من غارات البدو لتأمين طريق البريد بين مصر والشام.


وكان اهتمام الدولة المملوكية بسيناء يهدف إلي تأمين حدود مصر الشرقية من الأخطار المحدقة بها من الناحية الشرقية، والتي كانت تتمثل حينذاك في بقايا الوجود الصليبي، بالإضافة إلي الخطر المغولي، فاهتم السلطان المملوكي قنصوة الغوري بإنشاء القلاع في سيناء تحسبا للأخطار التي كانت تحدق بدولته وخاصة الخطر العثماني، فأنشأ قلعة نخل على طريق الحج المصري، وقلعة البغلة، ونقب العقبة.


العصر العثماني والفرنسيون


دخلت قوات السلطان العثماني سليم الأول إلى مصر عبر سيناء، فانهارت دولة المماليك. وعمل سليم الاول على تقوية حصون سيناء وقلاعها لما تنبه إليه من أهميتها الاستراتيجية لمصر، وبنى قلعة العريش، وقام بترميم قلعة نخل.


وكانت سيناء في العصر العثمانى بشكل عام تمر بفترة هدوء نسبى، عكرت صفوها معارك طاحنة  وقعت علي أرضها بين القوات العثمانية والفرنسية بعد حملة نابليون على مصر الذى كان يطمح إلى غزو الشام في إطار أطماعه التوسعية، فأمر بإنشاء نقطة حصينة في قطية، وجعلها نابليون محطة عسكرية ونقطة تجمع واستراحة لقواته.


ولم تنته تلك المعارك إلا بعد التوقيع علي معاهدة العريش وبعد مفاوضات بين الجانبين الفرنسي والعثماني، لتنتهى أحداث الحملة الفرنسية علي مصر التى كانت سيناء خلالها مسرحا للصراع الفرنسي العثماني، فتعرضت العريش للتدمير بمدافع القوات الفرنسية، وقتل الكثير من أهلها نتيجة استبسالهم في الدفاع عن أرضهم، ولقنوا الفرنسيين دروسا في الفداء من أجل الأرض.


القرن التاسع عشر و محمد علي


سير محمد علي جيشا بريا وآخر بحريا بقيادة ابنه الأكبر إبراهيم باشا إلي الشام قاطعا الطريق عبر سيناء لملاقاة الجيوش العثمانية، التى انتصر عليها في شمال الشام وآسيا الصغري، وفي طريق عودته ثار عليه بدو السواركة، فاضطر إلي قتالهم عند وادي غزة، ولما هزمهم فروا إلي بئر السبع.


واستعان محمد على فيما بعد بقبائل البدو من أهل سيناء  حتى يتمكن من تحقيق الأمن علي الطريق المؤدي إلي الشام، وليضع حدا لما يثيره بدو غزة من مشكلات أمنية.


***


وشهدت سيناء بعد ذلك محاولات من عباس الأول لجعلها منطقة سياحية، لكنه توفى قبل أن يتمم مشروعاته، وأقام خلفه سعيد باشا نقطة للحجر الصحى في الطور، لتأمين سلامة الحجاج.


وكان افتتاح قناة السويس أثناء حكم إسماعيل باشا من أهم الأحداث في تلك الفترة، فأنشئت المدن على ضفتيها وبدأ تعمير سيناء بالبشر يأخذ خطواته الأولى، وحال دون استكمال باقى الخطوات قيام الحرب العالمية الأولى، والثانية لتكون سيناء معبرا للقوات المتحاربة ومسرحا لتوترات المعارك.


العدوان الثلاثي والنكسة


ولم تغب سيناء عن ذهن الصهيونية العالمية التى رأت فيها امتدادا لأرض الميعاد المزعومة، فتحركت الصهيونية بشتى الطرق لسلب مصرية سيناء واغتصابها، فكان التآمر على مصر في 1956، مكونا من ثلاثى إسرائيل وفرنسا وإنجلترا، ولكن المقاومة العسكرية والشعبية أجبرت القوات البريطانية والفرنسية على الانسحاب من بورسعيد، كما أجبرت إسرائيل على الهروب من سيناء.


ولكن الحلم بالاستيلاء على سيناء لم يتوار عن المخيلة الصهيونية فكانت الضربة الغادرة في 1967 التى نتج عنها احتلال سيناء ونهب خيراتها وثرواتها، فضلا عن المحاولات المستميتة لتهويدها وتزييف تاريخها.


ولكن الجيش المصرى العظيم استطاع برغم فداحة الخسارة أن يعيد بناء نفسه، واستعادة الثقة في وقت قياسى لتبدأ حرب الاستنزاف التى كانت حرب تحويل الجراحات إلى عزة وثقة بالنفس، لتتوج في 1973 بتحطيم الأساطير التى نسجت حول حلم كاذب. ورفرف العلم المصرى على أرض سيناء التى عادت بعد غياب سنوات قليلة إلى حضن الوطن.


***


وبعد، فقد كانت سيناء ولا تزال تاج العرش المصرى منذ فجر التاريخ، دخلت من أرضها الجيوش الغازية، وانطلقت من على أرضها بيارق النصر.. فصدق رمسيس الثانى عندما أطلق عليها ( مقبرة الغزاة)، وصدق الملك أختيو الثالث عندما قال بأن تعمير سيناء بالبشر هو الحصن الدفاعى عن أرضها وعن أرض مصر بأكملها.. فلتعد سيناء، ولتعمر بالبشر كما نصح أجدادنا من قديم.