الأغنية الوطنية من العدوان الثلاثي إلى نصر أكتوبر

20/10/2015 - 11:18:01

ام كلثوم ام كلثوم

د. نبيل حنفي محمود - أستاذ متفرغ بجامعة المنوفية

في لقاء جمعني والكاتب الكبير صلاح عيسي قبل سنوات، دار الحديث حول ما أصاب الغناء المصري – منذ سبعينيات القرن العشرين – من تراجع وانحدار، وتمني أن يجد في دراسة مستقبلية إجابة شافية حول أسباب ما أصاب الغناء مؤخراً من علل ومثالب، وتلخص حديثي في ذلك اللقاء في أن هناك أسبابا عدة لانهيار دولة الغناء بمصر الآن، ولكن أهمها وأولها في السياق التاريخي هو ما أصاب الشعر الغنائي من علل وركاكة، ثم يجيء بعد ذلك ضعف الألحان ورداءة الأصوات الغنائية.


وحين نبحث الآن عن الغناء في المناسبات الوطنية، فلا نجد إلا أشباحاً من غنائيات لا تشبع الروح ولا تصل حتى للأذن، تمثّل لنا حجم الأزمة التي يمر بها الغناء الآن ومنذ ما يقرب من نصف قرن، إن أعجب ما يعن للمهتمين بالغناء الآن من خواطر يتبلور في السؤال التالي: لماذا اختفت الأغنيات التي وضعت عن حرب أكتوبر من أسماع عشاق الغناء، بينما ما زالت أغنيات العدوان الثلاثي علي مصر تدوي في الأسماع حتى الآن؟ بالرغم مما بين الحربين من فوارق في النتائج والملابسات، والمقالة الحالية تتحري البحث عن إجابة لهذا السؤال.          


والله زمان يا سلاحي!


سطرت الأغنية الوطنية المصرية أمجد فصول تاريخها الحديث مع أحداث العدوان الثلاثي عام 1956، في تلك الفترة من منتصف الخمسينيات، كان الغناء المصري قد بلغ أوج اكتماله، ويجيء الدليل على ذلك من كتيبة الموهوبين من شعراء وملحنين وأصوات غنائية، ممن اكتملت أدواتهم الفنية، فملأ ترجيع حناجرهم ورنين ألحانهم الآفاق والأثير في تلك الحقبة. وبالإضافة إلى تلك الكتيبة، فإن ما امتلأت به قلوب المصريين وعقولهم من الحماسة والوطنية في الأعوام الأربعة الأولى من عمر ثورة يوليو المجيدة، مثل عاملاً مساعداً لالتفاف المصريين حول الأغنيات الوطنية، لذلك تدافع جميع العاملين بالغناء – من مؤلفين وملحنين وعازفين ومطربين ومطربات ومجموعات صوتية (كورس) – إلى مبنى الإذاعة بشارع الشريفين، وإثر استدعاء محمد حسن الشجاعي مراقب الغناء والموسيقي بالإذاعة لهم يوم الأربعاء 31 أكتوبر 1956، لتتحول أروقة الإذاعة واستوديوهاتها إلى خلايا نحل أنتجت ثمانية وأربعين نشيداً في ستة أيام (روز اليوسف: 19 نوفمبر 1956)، وقد تميز ذلك العدد الكبير من الأناشيد والأغاني الوطنية بالصدق والحرارة والعفوية، مما جعل معظم غنائيات تلك الحرب تعيش في الأسماع حتى الآن، وعندما نحاول الآن البحث عن أسباب خلود تلك الأغنيات، فسوف نجد أن جودة صياغتها – شعراً أو زجلاً – تجيء في مقدمة هذه الأسباب.


فأغنية مثل "والله زمان يا سلاحي" التي كتبها العبقري صلاح جاهين ولحنها السنباطي العظيم وشدت بها كوكب الشرق أم كلثوم، لتناظر في جودة النظم وروعة المعاني ما تحقق لقصائد قدمت معها مثل: "الله أكبر" لعبد الله شمس الدين و"إلى المعركة" لمحمد علي أحمد و"دع سمائي" لكمال عبد الحليم و"أنا النيل مقبرة للغزاة" لمحمود حسن إسماعيل. لم تكن "والله زمان يا سلاحي" وحدها التي قاربت بصياغتها الشعر، حيث تستوقف الباحث في هذه الجزئية أغنيات كثيرة مثل: "الجنة هي بلادنا" التي نظمها صلاح جاهين ولحنها كمال الطويل وشدت بها نجاة الصغيرة و"ح نحارب" التي كتبها صلاح جاهين أيضاً ولحنها سيد مكاوي ورددتها أصوات مجموعة المنشدين.


فإذا ما انتقلنا بعد ذلك إلى العنصر الثاني في بناء الأغنية وهو اللحن، فإن جودة الصياغة ممثلة في صحة أوزان الشعر وفصاحة المفردات، ساعدت كبار الملحنين من أمثال رياض السنباطي ومحمود الشريف وكمال الطويل ومحمد الموجي للإتيان بكل بديع من الألحان، وذلك تماماً مثل الأصوات التي تغنت بتلك الألحان، والتي يمكن القول إنها أجمل – بل أروع – مجموعة من أصوات الرجال والنساء ظهرت في تاريخ الغناء المصري الحديث، فإذا كان الأمر كذلك، فإن كيمياء النجاح لا بد وأن تسبغ على مثل ألحان حرب العدوان الثلاثي انتشاراً يكلل بهالات الخلود.


(دولا مين) أو من هؤلاء؟!


انقضت سبع عشرة سنة فيما بين حربي العدوان الثلاثي والسادس من أكتوبر، وعندما انطلقت الشرارة الأولى لمعركة التحرير والكرامة بعد ظهر السبت 6 أكتوبر 1973، كانت هناك تيارات عدة قد تدفقت في نهر الغناء المصري، ومن تلك التيارات وأهمها الشعور بالذنب تجاه نكسة الخامس من يونيو 1967، ذلك الشعور الذي غذته أقلام عدة ومنابر بعض المساجد، التي حملت الغناء وزر ما حدث، بزعم أن كثيراً من الأغنيات الوطنية التي أنتجت قبل النكسة وأثناءها، غاب عنها الصدق وضللت مستمعيها وتلاعبت بعواطفهم، وقد عبر كل من إبراهيم عيسي وعبد الله كمال عن ذلك في كتاب "الأغنية البديلة": "إن أغاني تلك الفترة قد افتقدت إلى الحس الإنساني العام، وأبقت علي الصوت السياسي العالي"، وانصب جام غضب كثير من الكتاب ومشاهير الدعاة علي أهل الغناء، حتى غدا البعض منهم هدفاً للكثير من النكات التي انتشرت بعد النكسة كانتشار النار في الهشيم.


في تلك الأجواء المشحونة باليأس وضبابية الرؤية، فقد البعض من الشعراء الغنائيين – وفي الطليعة منهم الشاعر الكبير صلاح جاهين – الرغبة في التأليف، وعلي الأخص في مجال الأغنية الوطنية، فلم يكن هناك بد أمام الإذاعة سوى اللجوء إلى شعراء جدد من الشباب، ممن كانت قدراتهم لا ترقى بحال إلى الذرى السامقة لمواهب جيل الرواد، ممن أبدعوا غنائيات العدوان الثلاثي، فجاءت أغنيات البعض منهم أقرب إلى الهتافات منها إلى المتعارف عليه في الشعر الغنائي، وحُمّلت أغنيات البعض الآخر بأفكار جديدة مما ينادي به أنصار ما سمي فيما بعد بالأغنية الشبابية، فلم يكن بوسع من تصدى لتلحين مثل تلك النصوص، وهم البعض من قدامي الملحنين وأغلبية من النجوم البازغة من الملحنين من أمثال بليغ حمدي وكمال الطويل ومحمد الموجي وعلي إسماعيل وحلمي بكر، سوي التعامل مع المتاح لهم من نصوص قدر ما وسعهم من جهد، فصادف القليل من الأغنيات التي اعتمدت على تلك النصوص نجاحاً ملحوظاً، بينما اختفت الكثرة الغالبة منها بعد أول إذاعة لها، ومن الأغنيات التي تحقق لها النجاح أثناء الحرب وبعدها نذكر الآتي موضحاً به أسماء ثلاثي المؤلف والملحن والصوت المؤدي: (بسم الله: عبد الرحيم منصور – بليغ حمدي – المجموعة)، (سمينا وعدينا: علية الجعار – عبد العظيم محمد – شهر زاد)، (حلوة بلادي: عبد الرحيم منصور – بليغ حمدي- وردة)، (حبايب مصر: مصطفي الضمراني – حلمي بكر – عليا التونسية).


كشف تحقيق قدمته مجلة "الإذاعة والتليفزيون" في عددها رقم (2020) بتاريخ 1 ديسمبر 1973، أن عدد ما قدم من أغنيات وطنية منذ اندلاع حرب السادس من أكتوبر حتى تاريخ صدور عدد المجلة قد بلغ أربعا وثلاثين أغنية، شكلت في مجموعها وبما حوته من عناصر مختلفة ملامح فصل جديد في تاريخ الأغنية الوطنية. وقد تميز ذلك العدد من الأغنيات ببعض السمات الخاصة:


أولها أن اثنين فقط من أهل الغناء أنتجا الشطر الأكبر منها، وهما الشاعر الغنائي عبد الرحيم منصور والموسيقار بليغ حمدي، مما فرض رؤيتهما الخاصة في تطوير الأغنية على عدد يقارب نصف تلك الأغنيات. وكما هو معروف، فإن رؤية بليغ حمدي – بوجه خاص – لتطوير الغناء تمثلت في الأخذ والبناء على بعض الجمل التراثية الشهيرة.


وثانيا: في تلك السمات التي ميزت غنائيات حرب أكتوبر جماعية الأداء وتراجع نسبة مشاركة كبار أهل الغناء في تقديمها، مما أثر على شعبية تلك الأغنيات وارتباط الجمهور بها.


ثالثاً وأخيراً: من سمات الأغنية الأكتوبرية بدء اقتحام البعض من نجوم السينما لمجال الأغنية الوطنية، ذلك الاقتحام الذي بدأته النجمة سعاد حسني بأغنية "دولا مين" التي سجلتها للإذاعة بعد انتهاء الحرب، من تأليف أحمد فؤاد نجم وتلحين كمال الطويل، وأياً ما كان الرأي في صوت سعاد حسني وقدرتها علي الأداء، فإن لطبيعة صوتها وما قدمته قبلاً من أغنيات في أفلام مثل "خللي بالك من زوزو" عام 1972، أثرا كبيراً علي الحالة الوجدانية التي عاشها من استمعوا إلى "دولا مين"، لذلك اختفت "دولا مين" سريعا، بينما مازال نشيد "الله أكبر" يتردد في الأسماع وفي كل المناسبات.