أفلام الحرب بين العنف والشعر

20/10/2015 - 11:17:01

الديكتاتور العظيم الديكتاتور العظيم

أحمد يوسف - ناقد سينمائي مصري

    من الشائع في أذهاننا أن النمط السينمائي المعروف باسم "الفيلم الحربي" لا بد أن يحتوي على مشاهد لمعارك ومواقع حربية، وهو ما يحتاج بالطبع إلى ميزانيات كبيرة وتقنيات عالية. لذلك يبرر سينمائيونا عدم وجود أفلام تسجل بعض حروبنا بأن هذا فوق إمكاناتهم، ولعل في هذا بعض الحقيقة، لكنه ليس الحقيقة كلها، فاختزال أفلام الحرب إلى مشاهد حربية يعكس مفهوما قاصرا إلى حد ما، إذ يتجاهل الهدف أو الأهداف من صنع ما يسمى أفلام الحرب.


 لماذا حقا تقوم صناعة سينمائية بصنع أفلام حربية أو عن الحرب؟ هناك طيف واسع من الأسباب، التي قد تصل إلى حد التناقض أحيانا، وسوف نرى هنا كيف أن من الممكن أن تصنع فيلما يشيد بالحرب، ويخلع على المحاربين صفات البطولة، بينما هناك أفلام أخرى تدينها، باعتبارها تحول البشر إلى وحوش. كما أن هناك أفلاما تحتشد بأصوات طلقات الرصاص والمدافع، وأشلاء الضحايا وأكوام الركام، في الوقت الذي توجد فيه أفلام تدور عن الحرب دون أن تصور معركة حربية واحدة، فهي تركز بدلا من ذلك على الجوانب النفسية والاجتماعية التي تتسبب فيها الحروب.


 وربما أتى المفهوم السائد عن الأفلام الحربية من أغلب أفلام هوليوود، خاصة تلك التي تدور حول البطولة الأمريكية (المزعومة إلى حد كبير) في الحرب العالمية الثانية، ففي هذا النوع من الأفلام كانت هوليوود تعمل لهدف "دعائي" خالص. ولهذه الأفلام الدعائية توليفة واحدة، حيث يوجد قدر هائل من التنميط: أبطال الفيلم الأمريكيون يمثلون الخير، بينما يجسد العدو جانب الشر. إن هذا ما تجده في أفلام عاودت الظهور في فترات لاحقة، مثل "رامبو" أو "سقوط الصقر الأسود" و"إنقاذ الجندي رايان"، والعديد من الأفلام الأمريكية حول العدوان على العراق. وفيها جميعا حيلة درامية خبيثة: أن تجعل المتفرج يرى العالم من وجهة نظر "البطل" وحده، بينما لا يكاد يظهر وجه "العدو" على الإطلاق، الذي يجسد خطرا غامضا يخلو من أية ملامح إنسانية.


 ولعل أهم الأفلام التي تناولت الحرب لكي تقف موقفا مناهضا لها هو الفيلم الفرنسي المعاصر "خطبة طويلة جدا"، وفيه شابة تبحث عن خطيبها الذي ذهب إلى الحرب، لتتحول "الرحلة" التي تقوم بها إلى قصيدة مأساوية عن ويلات الحرب وعبثيتها. وفي الحقيقة أن هناك في تراث السينما العالمية مجموعة ليست بالقليلة من الأفلام التي تدين الحروب، مثل الفيلم الفرنسي "الوهم الكبير" لأهم مخرجي السينما الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين جان رينوار، أو الفيلم العبقري للفنان العظيم شارلي شابلن "الديكتاتور العظيم"، الذي يحول عملا كوميديا راقيا نرى فيه صعلوك شابلن التقليدي، شبيها بالقائد النازي أدولف هتلر (من المفارقات الطريفة بالفعل أن هتلر كان يقلد شابلن في مظهره!!)، لكي يقف الصعلوك في نهاية الفيلم بديلا عن هتلر يخطب في قواته، لتأتي واحدة من أفضل اللحظات السينمائية في فيلم عن الحرب، لكي تتحدث عن السلام بين البشر جميعا.


من التنويعات المهمة الأخرى أفلام يتناقض شكلها مع مضمونها، وهي الحيلة السينمائية التي برع فيها المخرج ستانلي كوبريك، صاحب أكثر الرؤى قتامة عن "المدنية الغربية"، فهو في "دكتور سترينجلاف، أو كيف توقفت عن القلق وأحببت القنبلة" رؤية بالغة السخرية والمرارة تبدأ من هذا العنوان الغريب، حيث يجتمع قادة العالم المتخاصمون في "غرفة الحرب" لكي يحددوا مصير البشرية، لكننا نراهم شخصيات مشوهة تماما، بينما يهرب ضابط مصاب بالعجز الجنسي بطائرته التي تحمل قنبلة نووية، مهددا بدمار شامل، فكأن الحرب في حقيقتها تعكس عجزا عميقا عن التواصل مع الآخرين.


وتصل هذه السوداوية إلى حدها الأقصى في الأفلام التي تتحدث عن قدامى المحاربين، الذين عادوا من الحرب بتشوهات نفسية أحيانا، أو عادوا أحيانا أخرى بحلم عن وطن أفضل سوف يخيب أملهم فيه. ففيلم المخرج الشهير مارتين سكورسيزي "سائق التاكسي" يحتشد بقدر هائل من المرارة. إن البطل قد عاد من فيتنام ليعمل في ساعات الليل سائقا لسيارة أجرة، فكأنها فرصته لكي يرى العالم السفلي لمدينته التي حلم بالعودة إليها، فإذا بها تجسد عالما قاتما كئيبا، مما يدفعه لأن يقرر أن يأخذ طريق "الانتقام" الفردي ممن يتصورهم أشرارا.


 كما يتحول تناول تيمة "الحرب" في السينما أحيانا، وعلى يد فناني السينما المرهفين، إلى تأمل أكبر وأشمل لقضايا إنسانية أعمق، وهو ما يبدو واضحا في فيلم المخرج تيرانس ماليك "الخط الأحمر الرفيع"، الذي يعود فيه إلى عالم الحرب العالمية الثانية، لكن ليس أبدا لكي يتحدث عن البطولة، وإنما عن الصراع الدائم بين الإنسان والطبيعة، وبين الإنسان والإنسان، في مشاهد تتعدد فيها الأصوات التي تسرد الوقائع، كما تتعدد الرؤى، ليصبح الفيلم الحربي هنا قصيدة فلسفية بالمعنى الكامل للكلمة.


 لكن يبقى السؤال: أين موقع السينما المصرية من هذه التنويعات؟ وهل ظلت أسيرة لمفهوم ضيق عما نسميه "الفيلم الحربي"؟!


 ففي كل مناسبة من مناسبات أعيادنا القومية، لا يجد التليفزيون إلا عددا محدودا من الأفلام التي تواكب هذه المناسبة أو تلك، حتى أن المتفرج يجد نفسه محاصرا بفيلم شاهده عشرات المرات من قبل. خذ مثلا الاحتفال بحرب أكتوبر، التي يعتبرها المصريون والعرب الحرب التي أكدت قدراتنا على مواجهة العدو الإسرائيلي، ودحض دعواه الزائفة عن أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، فسوف تجد نفسك تشاهد في التليفزيون أفلاما من نوعية "بدور" أو "الوفاء العظيم"، وأقل ما يقال عنها أنها أفلام متواضعة، ناهيك عن أن "حرب أكتوبر" فيها لا تعني شيئا حقيقيا، فجوهر الدراما يدور حول قصة غرامية كررتها السينما المصرية مئات المرات، وليست الحرب فيها إلا "أزمة" يمكن أن تبدلها بأخرى، دون أن يترك ذلك أثرا في "الحدوتة"!!


 ودائما ما تسمع من صناع الأفلام المصرية تبريرا متكررا، حول ندرة الأفلام التي تدور عن الحرب أو تواضع مستوى هذه الأفلام، وهو تبرير "الإمكانات" المادية التي تجعلهم يعجزون عن تنفيذ مشاهد المعارك، لهذا تراهم يستعينون بلقطات تسجيلية أرشيفية تتكرر من فيلم إلى آخر على نحو لا يخلو من رتابة أو حتى سذاجة، بل المثير أكثر للشفقة أو المرارة أن تلك اللقطات ليست تسجيلية بحق، فلأن صناع سياساتنا لا يؤمنون حقا بدور السينما، لم تكن هناك قوافل سينمائية تصاحب الجنود في المعارك الحقيقية، ولتقارن ذلك بأرشيف سينمائي هائل عن الحرب العالمية الثانية من على كل الجبهات، ورقم يثير الرهبة لعدد المصورين السينمائيين الذين لقوا حتفهم في المعارك، لأنهم كانوا يصاحبون الجنود كتفا بكتف!!


 ومن الحق القول إن هناك أفلاما مهمة وإن تكن منسية في تاريخ السينما المصرية، دارت حول الحرب، لكن من المفارقات أنها كادت تقتصر على حرب العدوان الثلاثي فقط، مثل فيلم "بورسعيد" الذي أنتجه وقام ببطولته فريد شوقي، وهو الفيلم الذي لم يكن مقدرا صنعه لولا مساندة الزعيم الراحل عبد الناصر. كما أن فيلم "عمالقة البحار" يحكي عن فترة من أهم فترات المد القومي، حين اشترك ضابط البحرية السوري جول جمّال في معارك العدوان الثلاثى واستشهد، كعلامة على أن حروب الأمة العربية هي في الحقيقة معركة واحدة، إن صحت الرؤية وصدق الهدف. ويبقى فيلم "أغنية على الممر" عن حرب 1967، مثالا للفيلم الذي يدحض دعوى قصور الإمكانات، فقد تم إنتاج الفيلم من خلال "جماعة السينما الجديدة" التي لم تكن تملك سوى اشتراكات أعضائها، لكن الفيلم يخلق نسيجا متشابكا وحيا من خلال مجموعة من الجنود المصريين المحاصرين، لينتقل الفيلم في الزمان والمكان ليحكي عن عالم كل منهم، وكيف لهم أن يواجهوا الأزمة عندما يدركون وحدة المصير.


 لكن من الدلالات المثيرة للاهتمام أن أغلب الأفلام التي تماست مع حرب أكتوبر لم تكن تخلو من المرارة، ربما لأن الإحساس العام بهذه الحرب كان أنها سُرقت بسبب الانفتاح العشوائي تارة، وتارة أخرى بسبب انقلاب ميزان القيم الاجتماعية، وثالثة بسبب الشعور بأنها ضاعت بعدما حدث في "كامب ديفيد" وما تلاها. في "سواق الأوتوبيس" على سبيل المثال مشهد مهم، لأصدقاء قدامى كانوا زملاء الجندية أثناء الحرب، وهم يلتقون عند سفح الأهرام في الليل، ينعون ما وصل إليه حال كل منهم، خاصة وأنت تعلم أن البطل عاجز عن حماية "ورشة" أبيه، التي تمثل له ولنا رحلة كفاح طويلة. أما في "كتيبة الإعدام" فإن الرمز يصبح أكثر مباشرة، فالسرقة هنا حقيقية، من جانب شخص شرير سرق مرتبات الجنود واختفى، بينما اُتهم البطل ليسجن عدة سنين، وهاهو يخرج من السجن ليبحث عن المجرم الحقيقي.


  لكن فيلم "المواطن مصري" يشير إلى الجاني منذ اللحظة الأولى، ودون الوقوع في أسر الحبكة البوليسية أو المواقف الميلودرامية: إن العمدة الإقطاعي يسرق الشهيد ذاته، ابن الفلاح العجوز المكافح، لينسبه إلى نفسه، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة الكبرى، جريمة سرقة وطن بأكمله. غير أن فيلما مثل "ناصر 56" لا يعمد إلى الدراما التقليدية ذاتها، ليسير في خطوط أقرب للمسحة التسجيلية، ليسجل كل المشاعر والأفكار المرهفة في فترة حرجة من التاريخ المصري، في تلك الشهور القليلة التي سبقت تأميم القناة والعدوان الثلاثي. ولم يكن غريبا أن هذا الفيلم الذي عرض في صيف 1996 حقق إيرادات ضخمة على عكس المتوقع، ولعله كان بداية اكتشاف السينما المصرية لأهمية الموسم الصيفي. لم يكن نجاح فيلم "ناصر 56" راجعا إلى أنه فيلم تجاري، أو حتى أنه دار بشكل تقليدي عن أحد حروبنا المهمة، لكن لأنه لمس ما يجب أن يكون عليه الفيلم الحربي، أن يكون عن البشر وليس عن المدافع، وعن مشاعر وطنية وقومية صادقة طال اشتياق الجمهور إليها، ونرجو ألا يطول هذا الاشتياق.