طه حسين .. حرية الإرادة وسلطان العقل

20/10/2015 - 11:14:28

طه حسين طه حسين

د. صموئيل لبيب سيحه - كاتب مصرى

(طه حسين) أحد الأعلام القلائل.. فى تاريخ الخالدين، لما له من تأثيرات وبصمات فى تشكيل الوعى العربى  بصفة عامة من ثنايا مؤلفاته والمعارك الفكرية والقضايا التى أثارها، ولاتزال مطروحة فى حياتنا الآن خاصة معاركه الأدبية والأكاديمية


حيث كان ضد الجمود الفكرى والدينى، ولم تكن حياته صراعا دائما بالضرورة مما يفسد على الحياة معناها ومغزاها، إنما كانت تحمل فى طياتها جوانب إيجابية لاشك لها مكانتها واعتبارها، فى حين ساد الانحسار فى التفكير المتحرر آنذاك إبان حياة(طه حسين) الذى قال: “.. إن ذلك الانحسار يرجع حقيقة إلى السياسة التى تدخلت وأفسدت الفكر، بمعنى أن الحكومة تقمع المفكرين إرضاء للجماهير..” !! واستغلالا لمشاعرهم الدينية المحافظة ... !! وتخلى جمهرة المثقفين عن مساندة المفكرين.


***


الحقيقة التى لايجانبها الصواب، أن موقف (طه حسين) من العقيدة (الدين) تبلور فى مقولة مأثورة له:


“.. أن يقبل الإنسان (الدين) لعقلانية، ولا يأخذه بالضرورة تسليما، حتى يكون بالتالى مؤمنا به ..”.


وهكذا كان يقول أيضا : “.. ليس من المهم أن تكون مسلماً ومسيحياً ويهودياً، حتى تقرأ الكتب المقدسة .. وتتأثر بها ..” وهكذا كان (طه حسين) رائداً  لحركة التنوير التثقيفى الإسلامى، من ثنايا كتاباته الإسلامية فى الأدب المصرى وهى عديدة، لكن والحال هكذا كانت الرجعية والظلامية له بالمرصاد مما دعاه إلى الاحتجاج بشدة على (التعصب) وكان شجاعاً فى مواقف الأهوال، والنبش بالتالى فى التراث الدينى الذى ظهر جليا فى كتابه (فى الشعر الجاهلى) الذى صدر عام 1926م ولقى هجوما عنيفا، وأحدث عاصفة فكرية من أكثر من أحد عشر كتابا وبحثا، ناهيك عن عشرات الخطب والمقالات النارية من خصوم (طه حسين)، وبات أحد الكتب السوداء التى ستظل دوما تطلق على قادة مصر ومفكريها ومثقفيها  ودعاة التنوير بها.. طالما يظل الإنسان مقهورا على أرض الواقع، مكمم الشفتين ما لم يمجد السلطة بالنفاق.. والتملق، ويظل فى عالم التوهان، متبلد الذهن، ولعلها غاية الذل والإذلال ..، ولقد سبق فى هذا المضمار ما حدث سلفا للشيخ (على عبدالرازق) عندما صدر كتابه .. (الإسلام وأصول الحكم عام 1925م.. وانسحب ذلك على العديد من دعاة التنوير من بعد طه حسين: حتى وقتنا هذا.


***


الإنصاف يقتضينا إذن، أن نذكر أن منهج (طه حسين) جاء فى موازاة ومنهج المصلح العظيم الأستاذ الشيخ (محمد عبده) الذى كان فخرا لمصر، ونبراسا لها فى مختلف وجوه الإصلاح، وكان من علماء الدين المجتهدين ذوى البصيرة النافذة والذى وضع أسس الإصلاح اللغوى فى نهضة مصر الحديثة .. بل فى نهضة العالم العربى برمته.


تأسيساً على ذلك، كان منهج الشيخ (محمد عبده) أساساً يتمحور حول (حرية الإرادة وسلطان العقل) عندما  أنحى باللائحة على التقليد المذموم الذى لاينبثق عن بحث وفهم، ومن ثم يتم بمقتضى (الدين) أمران عظيمان طالما حرم منهما الإنسان وبمزاياهما ألا وهما ..(استقلال الإرادة، واستقلال الفكر والرأى).


ومن هذا المنطلق، وجه خصوم (طه حسين) له العديد من الاتهامات الباطلة أخطرها الإلحاد والكفر، ومؤامراته على القرآن الكريم، وارتداده عن الإسلام، وغيرها من الكبائر.. لكنه تصدى لذلك بشدة، واستنكرها، ودحض تلك الافتراءات :د. عبدالصبور شاهين فى مقال له فى جريدة الأهرام القاهرية بتاريخ 25 نوفمبر 1983 أى بعد رحيل طه حسين بنحو عشر سنوات، اقتبس منها، تبرئة “طه حسين” ومن اتهام - طه حسين - العميد فى دينه، وقال د. شاهين: “.. أفادنى أحد المحدثين من كبار أدباء السعودية.. أنه كان يقف خلف (طه حسين)، عندما أفسح له المجال للطواف بالكعبة المشرفة، حيث رأى طه حسين، وهو يتحسس موقع (الحجر الأسود) بيديه، ويدلف برأسه له  وموسعه بالقبلات، ويبكى بصوت عال، ويقوم بالتسبيح، وجسده يهتز إلى الحد الذى كادت تسقط منه نظارته عنه، وثقلت بالتالى أقدام الطائفين متساءلين عمن يكون هذا الباكى المهيب، الذى أحاط به الناس  إحاطة السوار بالمعصم..” إنه (طه حسين المتهم بالكفر) !! وفى السياق نفسه، يقول محدث (د. عبدالصبور شاهين) “إن هذه الظاهرة الفريدة حدثت للمرة الثانية فى تاريخ البيت العتيق فقط” ومهما يكن من أمر، إذا كان (طه حسين) قد أخطأ عندما أصدر كتابه فى الشعر الجاهلى، كما سبق الإشارة، ليس هناك معصوم، لكن كان لديه الشجاعة الأدبية أن أدرك ذلك واعتذر رسميا وتغير الكتاب وتم طبعه تحت عنوان (فى الأدب الجاهلى) لكن قد دون فى تصدير هذا الكتاب ما يلى:


“.. إلى الذين لايعملون، ويسؤهم أن يعمل الآخرون”!! كما ورد ذلك فى مجلة الهلال عدد مايو 1928 ويونيو 1935 لكن ظل الهجوم عليه من خصومه أنه عدو للغة العربية وذلك أمر مهين لاجدال فيه، لأنه عشق اللغة العربية لكن أولئك لهم العذر لأنهم لم يسمعوا إطلاقا صوته العميق وأداءه الرائع المتميز فى الإذاعة، وكأن الله تعالى خلقه لكى يسمع الناس (لغة القرآن) التى كلماتها بمثابة (ألحان) ولها وقع طيب فى مسامع الناس الذين يستشعرون الزهد فى الانتماء إليها عبر الزمان والمكان.. لكونها (لغة الضاد)، بالإضافة إلى أسلوب (طه حسين) نفسه الذى ترك بصماته على جيل الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، واستحضر فى هذا الصدد .. قدراتهم على التعبير الجميل على يد العميد وجل ذخائره منذ كتابه (الأيام .. وحتى مرآة الإسلام) كما جاء فى مجلة الهلال يوليو 1939م وأغسطس 2015م.


***


ومن عجب أن “أنور الجندى” فى كتابه : (طه حسين فى ميزان الإسلام) الذى صدر عام 1975م.. اتهم “طه حسين” فى دينه وأدبه ووظيفته وعروبته وأخلاقه.. وأخطرها أنه (عميل للصهيونية)، وتآمر معها ضد مصر .. والأمة العربية، بمعنى أن الجندى فى كتابه هذا أقام مذبحة كاملة لطه حسين، وجاء التعليق والتحليل وفضح تلك الاتهامات الباطلة ما ورد فى مجلة الهلال عدد مايو 1977 .. على أن (طه حسين) كان مشرفاً على تحرير مجلة (الكاتب المصرى) آنذاك وبتمويل من (آل هرارى) وهم من اليهود المصريين لكن يبدو أن (الجندى) لم يجرؤ على إماطة اللثام عن هذه القضية ..


 إبان حياة طه حسين، لأن (مصر) كانت تمر بظروف موضوعية آنذاك وإبان ظهور المجلة، وعلى أساس أن ما كان ينشر بالمجلة المذكورة هى مواد ثقافية وفكرية ، وإن كان اليهود المصريون قاموا بالتمويل ، كما سبق الإشارة، وترأسها (طه حسين) منذ صدور العدد الأول فى أكتوبر 1945 وانتهاء بالعدد الأخير مايو 1948 ، فى حين كان تمويل اليهود عام 1945 حيث كان المشهد السياسى فى مصر  يختلف تماما عما حدث فى 15 مايو 1948 عند نشوب  (حرب فلسطين) ، كما يتضح ذلك فى الهلال نوفمبر 2014م.. وكان اليهود المصريون قبل نشوب الحرب يتمتعون بموقع اقتصادى ممتاز ولهم اليد الطولى فى ذلك النشاط ، إضافة إلى وضعهم الاجتماعى والسياسى، لكن عند نشوب الحرب بات الوضع مختلفاً تماماً، إذن اتهامات أنور الجندى لطه حسين كانت مجرد افتراءات مختلقة ومغرضة ، لأنه إبان حياة “طه حسين” كان “الجندى” يمدحه ويقول .... عنه إنه : (الكاتب الأول فى مصر) ، الذى استطاع .. أن يكتب عن نفسه بشجاعة وصدق وكما جاء فى ثنايا كتاب الأيام وأوديب ... وغيرهما، ومن ثم يتضح جليا.. مدى افتراءات (الجندى) على طه حسين، ولأنه يتبع أسلوبا الجندىملتويا ، وسياسة الكيل بمكيالين ضد قامة كبرى وعميد الأدب العربى وهكذا فضح أمر المتآمرين عليه، إنه حقاً الرجل الذى أتاح الفرصة لجميع الفقراء والمحرومين أن يجدوا السبيل إلى معاهد العلم والتعليم والدراسة بقوله الخالد:


“العلم كالماء والهواء، يساوى فيه حق الغنى حق الفقير وخير دليل على ذلك كتابه الشهير (مستقبل الثقافة فى مصر) .


إنه طه حسين الذى دعا إلى مجانية التعليم وتشجيع دراسة اللغات الأجنبية مثل الفرنسية التى كان يعشقها إضافة إلى اللغة اليونانية واللاتينية بكلية الآداب جامعة القاهرة . (جامعة فؤاد الأول سابقا)... ويظهر هذا جليا فى مجلة الكاتب المصرى المجلد الرابع... (المجموعة الكاملة، الهيئة العام للكتاب عام 1999).


وهكذا كانت لطه حسين انطلاقاته الحرة المتواصلة التى اتسم بها طوال محطات حياته فى ديناميكية مستمرة، وأنه لم يركن مطلقا لمفاهيم تتسم بالجمود ، حيث كان على وعى كامن يتجدد وهو على مشارف الشيخوخة ، وهو صاحب منطق حاسم وجاد وباتر، لا يترك وراءه سوى الصدمة المباغتة وتلك صفة أضفتها عليه ثقافته الفرنسية ذاتها وأنه لم يكن معاديا لثورة 23 يوليو، وأبدى حفاوته بها فى بادئ الأمر، لكونه أحد كتابها، وكان أيضا من أشد الملتزمين بقضايا التقدم الجوهرية ممثلة فى حرية الرأى والديمقراطية، وقبيل الثورة كان ينادى بالعدالة الاجتماعية ، ولا يمكن أن نجحد مواقفه المشهود لها إزاء القضايا الثقافية خاصة (التعليم) ، كما سبق الإشارة وكان فخوراً دوما بمصريته وعروبته وانتسابه للإنسانية جمعاء، وإن أية جريمة ترتكب فى حق الإنسانية وضدها تعد موجهة ضده شخصياً.. إضافة إلى مواقفه المشرفة تجاه الشباب والمرأة... إلخ كما جاء فى كتاب الهلال أكتوبر 2014 م .


ومن المحزن حقاً ، أن خصوم “طه حسين” لم ينصفوه حياً وميتاً ،وبعد رحيله ولكونه ابن المنيا البار واعترافاً له بالعرفان، قامت محافظة المنيا بإقامة تمثال نصفى له على مقربة من مبنى المحافظة، وفوجئنا بأن ثمة جماعة تكفيرية إرهابية ، من أعداء الدين والوطن قامت بهدم التمثال فى أعقاب ثورة 25 يناير، تلك الجماعة التى لا مأرب لها سوى التقتيل والتهديم وسفك الدماء !!!


وأفرادها أعداء الثقافة والتنوير، حقا إنها لمأساة ، ونحن الآن نواجه موجة عارمة من الإرهاب، وخطورة الفكر التكفيرى، والفتاوى بدون علم ، انعكاساتها السلبية على المصالح الوطنية والعلاقات الدولية بل وعلى الإنسانية جمعاء .


ما أشبه الليلة بالبارحة ، فى حقبة “الخمسينيات” من القرن العشرين ، زارت مصر السيدة (هيلين كيلر) وكانت كفيفة مثل طه حسين وتقابلت معه فى وقت كثر فيه.. التشهير بالعميد فى حملة شعواء مسعورة ضده والاتهامات من جانب خصومه بأنه ملحد وكافر... وأشبه بالمذبحة ،وإبان مقابلة  كلير  مع طه حسين ألقت خطابا ورد فى مجلة الهلال عدد ديسمبر 1952 جاء به:


“ لقد تقابلت مع العديد من المصريين المبصرين، إلا أنهم للأسف لا يرون شيئاً من جمال الطبيعة، وعظمة البحار، وروعة النجوم فى السماء، وبريق الكنوز الدفينة فى الكتب، وحياة العظماء والفلاسفة... ولعل أمثال هؤلاء الأجدر بهم، وكان خيراً لهم، أن يصابوا (بالعمى) .. ويعيشوا فى دنيا الظلام الحسى، ويعوضوا بعيونهم شعوراً مرهفاً، وعقلاً يقظاً، ووعيا ناضجاً، لأن الظلمة  الحقة .. هى ظلمة الجهل، وبلادة الذهن والإحساس، وضيق الأفق والفكر.. إلخ ويتسق ما جاء فى خطاب “كيلر” مع قول الشاعر :


لعمرك ما الأبصار تنفع أهلها


إذا لم يكن للمبصرين بصائر


***


ويتواكب مع ما جاء فى خطاب هيلين كيلر المشار إليه قصيدة الشاعر (ولى الدين يكن) بعنوان (فتاة عمياء تتحدث إلى الأخيار، وبعض أبياتها:


سادتى : إن فى الوجود نفوساً


ظلمتها الأيام ظلماً شديدا


هى تشقى من غير ذنب جنته


ولكم مذنب يعيش سعيدا


رحم الله أعينا لم تشاهد


منذ كانت إلا ليالى سودا


تتمن لو فتحت فتملت


من جمال الوجود هذا الشهودا


سادتى: إننا صبرنا امتثالا


ما ضجرنا ولا شكونا الجدودا!!


***


وللأسف الشديد نواجه الآن موجة عارمة من الإرهاب الدموى والفكر التكفيرى والتنظيمات الداعشية ليست بعيدة عن نبض الزمان والمكان وتزحف علينا من داخلنا!!! كما جاء فى هلال سبتمبر 2014 ومن هذا المنطلق ، ونحن فى ذكرى طه حسين الخالدة المحببة إلى النفوس بتاريخه العاطر الذى لا ينسى ولا تزال هذه الذكرى قريبة إلى أفئدة المثقفين جميعاً .. حيث كان جنديا باسلا فى الصفوف الأولى من جنود مصر المجاهدين المخلصين فى ميادين الأدب والثقافة- طيب الله ثراه . يتعين علينا جميعاً أن نجلو أمام شباب ثورتى 25 يناير و 30 يونيو ونمحو الشك باليقين من ثنايا البيان الصحيح القويم، ونطرح جانبا الآراء الضعيفة والقول السقيم، ونفضح خطورة الفكر الإرهابى التكفيرى والفتاوى بدون علم ، ومدى انعكاساتها السلبية على مصالح الوطن والعلاقات الدولية بل على الإنسانية جميعاً، ولايتم هذا فى تقديرى - إلا بالرجوع إلى أعمال طه حسين العظيمة لعلنا نجد منها علاجاً شافياً، لأن العميد سبق له أن واجه الإرهاب الفكرى بشجاعة، وكان أثبت قلباً ، وأقوى جنانا، وأشد إصرارا طوال محطات حياته حتى رحيله، وهو بحق نموذج يحتذى به ويحق عليه قول الشاعر:


الناس صنفان : موتى فى حياتهم


وآخرون ببطن الأرض أحياء


بمعنى أن الناس قسمان ، قسم حى ولكن أشبه بالميت ، لأنه لا أثر له، ولا قيمة لوجوده، ولا فضل يذكر الناس به .... ويجعلهم يشعرون بحياته ، وهم كثيرون ، وقسم ميت حقا، ولكن آثاره وجليل أعماله، تذكر به الناس على الدوام ، ويجرى اسمه على كل لسان ، إذن هو بتاريخه العاطر الذى لا ينسى ومفاخره، هو حقاً وحقيقة (طه حسين) ... الذى انطفأ برحيله مصباح أضاء البلاد بنور العلم والثقافة ، تاركاً آثاراً خالدة تشهد بما كان له من فضل باق على الأيام..