طه حسين وعباس العقاد.. بين صالونين

20/10/2015 - 11:13:18

طه حسين طه حسين

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصري

    عرف كل من عباس العقاد وطه حسين الصالونات الأدبية منذ العقد الثانى من القرن العشرين، وترددا فى شبابيهما على أشهر صالون فى مصر فى ذلك الوقت، وهو صالون الأديبة مى زيادة، والذى جمع أفذاذ وعباقرة مصر من الشعراء، والأدباء، والصحفيين، والمفكرين، وأساتذة الجامعة، وغيرهم.


   كيف عرفا صالون مى؟


    يقول العقاد عن هذا الصالون: فى سجل الأدب "الخاص" من عصر النهضة العربية الحديثة مكان فسيح لصفحات جميلة لا تزال مطوية إلى اليوم، وإن كانت منها ما يهم أن يطلع إلى عالم النور من طيات الخفاء.. وعلى رأس هذه الصفحات صفحة "الندوة" التى كانت تعقدها نابغة جيلها "مى زيادة"، وتأتى هذه الصفحة على رأس أمثالها بين صفحات هذا الأدب الخاص؛ لمكان مىّ من نهضة الأدب ونهضة المرأة فى آن. إذ لو جمعت الأحاديث التى دارت فى ندوة "مىّ" لتألفت منها مكتبة عصرية تقابل مكتبة "العقد الفريد"، ومكتبة "الأغانى" فى الثقافتين الأندلسية والعباسية.


    كم كان زوار تلك الندوة العالية؟ وكم كان كتاب الرسائل منها وإليها؟ إننى أعد ممن رأيتهم فيها غير مرة نحو الثلاثين. أذكر ممن ترد أسماؤهم على القلم فى هذه الساعة: لطفى السيد، عبد العزيز فهمى، شبلى شميل، سليم البستانى، أحمد شوقى، خليل مطران، أنطون الجُمَيل، داود بركات، نجيب هواوينى، توفيق حبيب، توفيق أسكاروس، أمين واصف، مصطفى عبد الرازق، مصطفى صادق الرافعى، هدى شعراوى، إحسان القوصى، إدجار جلاد، سليم سركيس، يعقوب صروف، حافظ إبراهيم، إسماعيل صبرى، إدريس راغب، فؤاد صروف، عبد القادر حمزة، منصور فهمى، طه حسين، ملك حفنى ناصف، مجد الدين حفنى ناصف، ونخبة من هذا الطراز على اختلاف التشكيل.


    أما طه حسين فقد تعرَّف إلى "مىّ زيادة"، بعد أن سمعها فى إحدى الحفلات العامة تتحدث للمرة الأولى إلى جمهور من الناس فى حفل أقيم لتكريم الشاعر خليل مطران فى قاعة من قاعات الجامعة القديمة، فاضطرب لصوتها، فقد كان الصوت نحيلا ضئيلا، وكان عذبا رائقا.. وقد شغله الصوت عما كان يحمل من الحديث.


    يقول فى الجزء الثالث من سيرته "الأيام": "ولم يستطع الفتى حين أصبح من ليلته تلك أن يمتنع عن السعى إلى مدير الجريدة (لطفى السيد). وقد جلس إليه فقال له وسمع منه. ثم مازال يدور بحديثه حتى انتهى إلى حفل مطران، وحتى انتهى من حفل مطران إلى ذِكر تلك الفتاة التى تحدثت فيه، والتى لم يسمع الفتى عنها قبل يومه ذاك. وقد سأله مدير الجريدة عما قالت الفتاة فلم يُحْسِن ردّا، وإنما لجلج فى القول، وأثنى الأستاذ على مىّ، وأنبأ الفتى بأنه سيقدمه إليها فى يوم قريب. وابتهج الفتى بهذا الوعد وإن لم يُعرب عن ابتهاجه، وظلّ يرقب البرّ به".


    ومضت أيام وأشهر وظفر الفتى من الجامعة بدرجة الدكتوراه، وأعطى مدير الجريدة رسالته عن أبى العلاء ، فقرأها ورضىَ عنها، ولكنه لم يردها إلى الفتى، وإنما قال له إنما ستُرَدُّ إليك رسالتك بعد أيام؛ لأن الآنسة مىّ قد طلبت أن تقرأها، وسمع صاحبنا ذِكرَ مىّ فبدا عليه فيما يظهر شىء من وجوم. وكأن الأستاذ لاحظ ذلك فذكَر وعدَه القديم، وقال للفتى: ألم أعِدك بتقديمك إليها؟


قال الفتى: أكاد أذكر ذلك.


قال الأستاذ: فالقنى مساء الثلاثاء فسنزورها معا.


   يقول طه حسين: وفى مساء الثلاثاء رأى الفتى نفسه لأول مرة فى حياته فى صالون فتاة تستقبل الزائرين من الرجال، حَفِيّة بهم، معاتبة لهم فى رشاقة. وفى ظرف أىّ ظرف. وفى حديث عذب يخلب القلوب ويستأثر بالألباب.. وقد انصرف الزائرون جميعا وخلا للأستاذ وتلميذه وجه مىّ، فخاضت مع الأستاذ فى بعض الحديث، وأثنت للفتى على رسالته فى أبى العلاء، فأغرقت فى الثناء، واستحيا الفتى شيئا، ولم يحسن أن يشكر لها ثناءها. ولكن الأستاذ يطلب إلى الفتاة أن تقرأ عليه مقالها ذاك. فتتردد الفتاة شيئا، ثم تُقدِم بعد أن تعلن إلى الفتى أنها تقرأ على الأستاذ هذا المقال لأنه هو الذى يعلّمها العربية ويعلمها الكتابة.


   قال الفتى فى صوت مختنق: كما يعلمنى أنا.


   قالت مىّ: فنحن إذن زميلان!


   وحينما قرأت مقالها سُحِرَ الفتى، ورضىَ الأستاذ، وانصرفا بعد حين، وفى نفس الفتى من الصوت ومما قُرئ شىءٌ كثير!


صالون طه حسين:


   ثم كان لطه حسين صالونه الخاص، الذى يصفه تلميذه د. لويس عوض خير وصف فيقول: فى زمن طه حسين لم يكن لرائد من رواد الأدب والفكر الضخام ندوة أو منتدى إلا العقاد صاحب الصالون الشهير الذى كان يعقده صباح كل جمعة فى داره بمصر الجديدة ، أما طه حسين فكان له "بلاط" ينعقد مساء كل أحد فى داره بالزمالك، وربما فى داره "رامتان" فى الهرم التى ابتناها أواخر العهد الملكى أو فى أوائل عهد الثورة. أما لقاءاته الفردية فقد كانت تجرى خلال أيام الأسبوع.


   وكانت لغة الحديث فى صالون طه حسين هى اللغة الفرنسية، فقد كان أكثر المترددين من أعلام الفرنسيين فى القاهرة وصفوة مثقفيهم من المهتمين بالآداب والفنون الجميلة مثل فانسينو وماشار، أو من كبار المستشرقين مثل لويس ماسينيون وأرنالديز وبعض الرهبان الدومِنيكان، مثل العلامة بيير جوجيه والعلامة جاستون فييت والعلامة شارل كوبنتز، أو من أساتذة الأدب الفرنسى مثل برنار جويون وايتيا اميل، أو من أساتذة الفلسفة مثل جان جرنبيه وكويريه. كما كان يتردد عليه بعض العلماء الألمان والسويسريين بعد الحرب العالمية الثانية.. ولم أر أحدا من الأساتذة الإنجليز إلا نادرا.


  أما العلماء المصريون الذين كانوا يترددون على صالون طه حسين فكان جلهم من أساتذة الآثار أو اللغات الشرقية مثل الدكتور سامى جبرة والدكتور عبد المنعم أبو بكر والدكتور باهر لبيب والدكتور فؤاد حسنين على والدكتور مراد كامل.


   ثم يقول د. لويس عوض: وعند طه حسين تعرفت لأول مرة إلى يحيى حقى وإلى الدكتور حسين فوزى الذى كان كثير التردد فى فترة ما. وكنت كثيرا ما ألتقى بالدكتور محمد عوض محمد والدكتور عبد الرحمن بدوى وبالفنان عبد القادر رزق فى صالون طه حسين؛ أما أساتذة الأدب العربى والأدباء المصريون عامة فلم ألتق بأحدهم فى استقبالات طه حسين الأسبوعية المفتوحة سوى الدكتورة سهير القلماوى، والأرجح أنه كان يلتقى بهم خلال الأسبوع. وكان أكثر زوار طه حسين مساء الأحد يصطحبون زوجاتهم، وكان أكثر المترددين المصريين متزوجين من فرنسيات أو من أجنبيات يتقن الفرنسية، ولم يكن هناك من "العُزَّابْ" غير عبد الرحمن بدوى ومراد كامل وأنا.


    ثم يعطينا د. عوض مزيدا من انطباعاته حول هذا الصالون مع بعض المعلومات المهمة، فيقول: بالفعل أعطت كثرة الأجانب والأجنبيات صالون طه حسين طابعا خاصا، فجعلت كل شىء فيه منضبطا ، فقد كان يبدأ نحو الساعة السابعة، وينتهى بعد التاسعة بقليل، وكانت كل الأصوات فيه خفيضة، ولا تُسْمَعُ فيه كلمة نابية، ولا جدلا عاليا، ولا نِكات ذات فرقعة، ولا نقدا يمكن أن يخدش الذوق السليم، بل ولا يُثار فيه أىّ موضوع إلا بحساب.


    ثم يوضح طبيعة الموضوعات التى يتم بصددها النقاش فى الصالون فيقول: ورغم أن أكثر الأحاديث كانت تدور حول الفنون والآداب والعلم والعلماء والجامعات والجامعيين، فلم يكن هناك مجال لتعمق أو لجاج، احتراما لصاحب الصالون ولسيدة الصالون، مدام طه حسين، ولتقاليد الصفوة المثقفة كما يمارسها الفرنسيون.


   لقد كان صالون طه حسين شيئا يختلف كل الاختلاف عن صالون العقاد. فكيف كان صالون العقاد؟ ومَن كان أبرز رواده؟ وماذا كان يدور فيه من نشاط فكرى وثقافى؟.


صالون العقاد:


        يقول الأستاذ محمد خليفة  التونسى عن مولد فكرة الندوة، ومكان انعقادها أول الأمر، ولماذا يوم الجمعة بالذات؟ وملابسات نقلها إلى بيت العقاد: لم أعرف إلا فى وقت متأخر ـ حين اتصلت بشيخى، وبدأت أتردد على مجالسه ـ أنى قد انضممت إلى حديقة من حدائق الحيوان، وأنى قد ظفرت بكرامة لا يزهد فيها عاقل حين صرت فى مخلوقاتها العجيبة الممتازة. هذه الحديقة أعجب حدائق الحيوان فى تاريخ العالم قديما وحديثا، أو أعجبها عنوانا على الأقل.. ومخلوقات هذه الحديقة جميعهم من أبناء الشيخين آدم وحواء عليهما السلام والرضوان.


   ثم يقول: مئات بل آلاف قد زاروا العقاد فى ندوته، وأضعافهم تسامعوا بها، ومعظمهم لا يعرفون إلا أنها كانت تعقد فى بيته أو فى شقته بمصر الجديدة صباح كل يوم جمعة، فيغدو إليها أصدقاؤه ومريدوه وسائر من يزورونه، ولو دون سابق معرفة أو ميعاد بينهم وبينه، هذه الندوة بدأت نشأتها بجزيرة الشاى بـ "حديقة الحيوان" بالجيزة، ثم انتقلت إلى بيته واستمرت حتى لقى صاحبها ربه.


    أما صاحب أول مُؤَلَّف عن صالون العقاد بعنوان "العقاد فى ندواته"، وهو الأستاذ محمود صالح عثمان فقد أتى بوصف دقيق لهذا الصالون: إذا أتيح لامرئ أن يمر بشارع شفيق غربال (السلطان سليم سابقا) بمصر الجديدة، فى يوم جمعة عند منتصف الساعة العاشرة صباحا، فى جميع أشهر العام عدا شهرين أحدهما فى الشتاء والآخر فى الصيف، فإنه يجد أمام المنزل رقم 13 لفيفا من الناس ينتظرون الإذن بالدخول، منهم الشاب والشيخ والكهل. ويطل عليهم رأس من الطابق الثانى يدعوهم إلى الدخول، فيرتقون الدرج حتى يستقروا فى حجرة متسعة سبقهم إليها بعض رواد الندوة وقد توسطها العقاد.


    ثم يوضح لنا الأستاذ صالح بشىء من التفصيل طبيعة هذه الأسئلة وما تدور حوله من موضوعات فيقول: فهذا يسأل عن موضوع تاريخى وذاك عن مسألة أدبية وثالث يتجه بسؤاله إلى الطب أو الفلسفة، ثم يأتى رابع فيسأل عن مسألة لغوية، وهذا خامس يسأل فجأة عن الفن التجريدى، ويأتى سادس فينتقل إلى بحث اجتماعى، كل هذا والأستاذ يستمع إلى كل سؤال، ويجيب عنه منتقلا من ميدان إلى ميدان إلى آخر فى سهولة ويسر، كأنما يقرأ من كتاب مفتوح الصفحات، متعدد الموضوعات! فإذا أجاب عن سؤال تاريخى لم يفته أن يذكر البواعث الخفية والظاهرة فى دراسة عميقة للأشخاص ومبادئهم ، والعوامل التى حركتهم مع دقة تامة فى ذكر التواريخ والمصادر الموثوق بها. أما إذا كان السؤال حول الأدب فقد جاءت الفرصة لنرى أنفسنا أمام محيط هائل، عالِمٍ بنشأته وتطوره فى الأزمنة والأمكنة، إلى فهم عميق للأشخاص والتغلغل إلى نفوسهم. أما عند الإجابة عن موضوع يتعلق بالفن، فنحن أمام فنان يخيل إلينا أنه أمضى حياته كلها فى دراسة الفن، فلا عمل له سواه!


    وقد يظن ظانّ أن الأستاذ حينما يتكلم فى مجال العلم ـ وهو الشاعر والأديب الذى نشأ نشأة أدبية ـ ربما يكون متطفلا فى هذا المجال؛ إلا أن اطلاع الرجل على مختلف المراجع العلمية، واستيعابه لما تحتويها عن فهم وبصر يبدد هذا الظن.. وبهذا فإن العقاد يعد رجلا موهوبا، من طراز نادر، فقد عكف على الاطلاع، وتمثل ما يقرأ، وأفاض عليه من شخصيته، فلم يكن من المستغرب أن يَلُمَّ العقاد بألوان من العلوم والفنون والآداب بالقوة ذاتها التى يلم بها المتخصص بعلم واحد، أو فن واحد من هذه الفنون والآداب!


    نحن إذن أمام ندوة علمية أدبية، أو منتدى ثقافى، أو نحن أمام معلم كمعلمى اليونان وحواريون يتحلقون حوله، هو يتحدث وهم ينقلون عنه، أو هم يسألون وهو يجيبهم، ويروى ظمأهم إلى العلم والأدب والمعرفة بروافدها المختلفة. هكذا كان صالون العقاد أو مؤتمره العلمى كل يوم جمعة.


    وكان من رواد الندوة بعض من أعلام مصر من الأدباء والشعراء وأساتذة الجامعة والفنانين، وطلبة الجامعات وغيرهم. وكان من أبرز هؤلاء: عبد الرحمن صدقى، وصلاح طاهر، وزكى نجيب محمود، وطاهر الجبلاوى، وعلى أدهم وعثمان أمين ونظمى لوقا وعبد الفتاح الديدى، والعوضى الوكيل، ومحمود صالح عثمان، والحسانى حسن عبد الله، وأنيس منصور، وكثير غيرهم.