إيهاب حسن .. مصريّ لا يعرفه المصريون

20/10/2015 - 11:12:33

ايهاب حسين ايهاب حسين

محمد عيد إبراهيم - شاعر ومترجم مصري

    لم أكن أعرف أن الرجل سيموت، فور أن تصدر له ترجمتي لكتابه الأشهر "دورة ما بعد الحداثة"، وكان الفيلسوف الأمريكيّ، مصريّ الأصل، إيهاب حسن، قد توفّي يوم 10 سبتمبر 2015، من دون ضجّة كبيرة، لا في أمريكا، بلد مهجره منذ 1946، ولا في منبته، مصر، التي تمنّى أن تصدر له فيها أيّ ترجمة لكتبه، بعدما تُرجمت لمعظم لغات العالم، ما عدا العربية.


    أصابني الأسى، لأكثر من سبب، فقد صدرت ترجمة كتابه "دورة ما بعد الحداثة" في طبعة فقيرة، وأعمل الآن على استكماله، حيث ينقصه ثلاث مقالات، نظرا للسرعة التي أبداها الناشر، ثم وقعت مصادفات عجيبة، إذ سافر الناشر وانقطعت أخباره، ولم أجد نسخا أروي بها ظمأ الناس لقراءة الكتاب/ الحدث المفترَض أن يكون علامة فارقة في تاريخنا النقديّ، فكأنه لم يصدر، عدا قلة من النسخ اشتراها بعضهم، والباقي بمعارض عربية إلخ.


    كنتُ أول من نبّه إلى الرجل في الثقافة المصرية، إذ ترجمت له مقالة (أدب الصمت) ونُشرت بمجلة (إبداع) عبد المعطي حجازيّ عام 1992، ومن بعدها نشرتُ له مقالة (ما بعد الحداثة: بيبليوجرافيا شبه نقدية) بمجلة (القاهرة) أيام غالي شكري رحمه الله، وتوالت ترجماتي. وكان إيهاب حسن عصيا منهكا، إذ لم تكن هناك شبكة معلومات، وهو المغرم بالكتابة عن حركات أدبية وفنية غريبة أو محدودة، ونحت كلمات جديدة، واستخدام تقابلات تناصية مع كثير من النصوص الشعرية والروائية غير المترجمة للعربية، مما جعله مغامرة كبيرة في الترجمة وقتها.


    ومع أن الرجل قد عاش عمرا مديدا (1925 ـ 2015) أي 90 عاما، وطبّقت شهرته الآفاق، إلا أنه لم ينل حظا (عربيا) للأسف، فالكل (كما المُعيدي، تسمع به ولا تراه)، قد تجاهله، أو هو نصيب الثقافة العربية للأسف، أنها تهتمّ كثيرا بالمنجز الإبداعيّ العالميّ، وقلّما تهتم بالمنجز الفكريّ العالميّ، وهو ما جعل اليابان (التي سافرت بعثتها إلى باريس، مع بعثة رفاعة الطهطاويّ المصرية) تتفوق علينا الآن بملايين السنين الضوئية، إذ اهتمت أكثر بالمنجز الفكريّ. ولا أدري، لربما كان أيضا لاتّباعه المدرسة الأمريكية في الفلسفة دور، فمعظم أقرانه بل تلامذته في فرنسا، قد تُرجمت لهم كتب كثيرة إلى العربية.


    يعدّ إيهاب حسن أول من سكّ مصطلح (ما بعد الحداثة) بالثقافة العالمية، عبر كتبه: ("البراءة المتطرفة في الرواية الأمريكية"، "أدب الصمت"، "تقطيع أوصال أورفيوس"، "نحو أدب ما بعد حداثيّ"، "نيران برومثيوس"، "دورة ما بعد الحداثة"، "ذوات في خطر"، "شائعات التغيير"، "سؤال العدم")، إضافة إلى كتابين عن سيرته، أحدهما عن مصر والآخر عن اليابان، ثم اتّجه في الآونة الأخيرة إلى الكتابة الإبداعية حيث بدأ رواية، لم يتمّها، ونشر عددا من القصص القصيرة.


    أهمّ مفصليات كتابات إيهاب حسن تدور حول التعريف بتقنيات ما بعد الحداثة، في الأدب والنقد والفلسفة واللاهوت، في الفيلم والمسرح والرقص والموسيقى والفنّ والعمارة، في التحليل النفسيّ والتاريخ إلخ. ولأن المرجعيات مضطربة ومتداخلة، وتدور معظمها حول مفهومَي: الانتهاك (أيّ التركيز على معامل الشرّ في الكلمات، وإشباع الرغبات على المدى القصير، والحدّ من القدرة على كسب الناس على مدى طويل، وجلب العالم في صفّنا) والرؤيوية (أيّ التملّص من المقدّس والدينيّ، والنزوع إلى تدمير العالم، والهزء بنهاية التاريخ أو العالم، مع الاحتفاء بالعنصر المِخياليّ في الأدب)، فهو يظلّ يلاحق حركة العقل، خاصة الغربيّ، لتوضيح الفروق الاستيهامية ما بين: شكلانية/ تراتبية الحداثة، في مقابل: لا شكلانية/ فوضوية ما بعد الحداثة.


    وهنا يقترح إيهاب حسن أن الإرهاص أو التنبؤ بما بعد الحداثة يتجلّى بصورته المثلى في رواية جيمس جويس "سَهرة فينيجانز"، حيث تحتشدُ فيها عناصرُ وأدبيات ما بعد الحداثة كافّةً: الحلم، المحاكاة الساخرة، اللّعب، التورية، الشذرة، الخرافة، التذكار، فنّ النفايات، استبطان الخطاب التهكّميّ سواء في الصمت أو الضجّة. كما يؤكّد وجود تداخلات وتشابكات ودوائر متقاطعة، مع بعض النظريات الأخرى، من قبيل: ما بعد البنيوية، ما بعد التفكيكية، لكن يتعزّز السخط أكثر في ما بعد الحداثة، نظرا لشيوع الإرهاب والاستبداد من ناحية، ومن ناحية أخرى الذات بمفهومها الوجوديّ وهي مأسورة تتعذّب بتخبّطها بين ما هو كليّ وما هو متفتّت أو شَذَريّ.


    رحم الله الرجل، وعسى أن تكون مناسبة وفاته فرصة لاستعادة كتبه بالعمل على ترجمتها والاستفادة بمكنونات تفكيره العميق، لأجل مستقبل أكثر استنارة!