أيها الشباب اشتغلوا بالسياسة!

20/10/2015 - 11:11:25

فتحى رضوان فتحى رضوان

بقلم الأستاذ : فتحي رضوان - وزير الإرشاد القومي

اشتغلوا أيها الشبان بمسائل السياسة، واسرفوا في الاشتغال بها ولايمنعنكم عن هذا الاشتغال أو عن الإسراف فيه، قانون تصدره الحكومة، ليجعل السياسة حراماً علي الشبان عموماً، أو علي الطلاب خصوصاً.


اشتغلوا بالسياسة، لأنني لا أعرف شيئاً، يوسع في أفق الشاب، وينضج من مداركه، ويزيد في معارفه، ويقوي من شخصيته، أكثر من السياسة، وفهمها، وتتبع حوادثها، والوقوف علي حقائق حياة أبطالها، ودعاتها، ومهرجيها، والعابثين فيها، واللاعبين علي مسرحها.


وليس في هذا غرابة، فالسياسة أدب جميل، يصاغ ثم يقدم إلي الجماهير الظامئة، تلتهمه بخواطرها، وتعب منه، وتجد فيه راحة، وعزاء وسلوي. والسياسة فن، من صوره هذه الخطابة المثيرة الملتهبة، يتقنها فحول هذا الكلام، ويحاول إتقانها، شباب هذا الميدان، ويلهو بها أو يتجر ببضاعتها، المرتزقة من الأحزاب، فيحيلون جدها هزلا، ورفعتها انحطاطا، وطرافتها ابتذالا.. ومع ذلك يدخلون علي النفوس المتعبة بأفانين سخفهم، وصور هذرهم، من المتعة والضحك، ما قد يعجز عنه أساطين القول المتقن.


والسياسة كفاح وعناء، أول درجاتهما أن يصادر الرزق، أو تقيد الحرية، أو يكمم الفم والقلم.. وأبعد هذه الدرجات وأشقها، معالجة نفوس الناس، ومكابدة طباعهم، ومحاولة جمعهم في صعيد واحد، والنجاح في كشف حقائق قلوبهم.


فهذا الطامع يبدو لك زاهدا ليصرفك عن نفسه، وليخدعك في أمره.. وهذا الهادئ اللين وقت الشدة، حينما تقبل الدنيا، تتفتح أبواب شهواته، فتهب فيها أعاصير وعواصف تكاد تقتلع الأبنية من أسسها.. وهذه الجموع الصاخبة التي إن صارحتها بالحق خاصمتك، وإن أخفيته عليها، عشت حياتك، مسهدا مؤرق الجفن.


فإذا كان هذا بعض جوانب السياسة، فكيف تشك في أن الاشتغال بها، يعرك الشاب عركا شديداً، ويصهره ثم يصوغه في قالب الرجولة والفحولة.


ولكن كيف يشتغل الشاب بالسياسة؟


- أكما اشتغل بها الذين غيروا وجه التاريخ، أو صنعوه بأيديهم صنعا جديداً.. والذين خدموا الإنسانية، وأفادوا أوطانهم؟.. أم كما يشتغل بها الذين ثقل عليهم التحصيل في المدرسة، والتعليم في الجامعة، فالتمسوا الفرج في صراخ الشوارع، وفي صخب اجتماعات الأحزاب التي لا تعرف نظاما، أو عقيدة أو هدفا؟


أنا أدعو الشبان أن يشتغلوا بالسياسة كما اشتغل بها لينين، ونهرو، ومحمد فريد، وغاندي، وديفاليرا وغيرهم وغيرهم.


وهؤلاء جميعاً كانوا أثناء السنين الأولي لدراستهم العالية، أكثر الناس اهتماماً بالعالم الذي حولهم وبالدنيا ومتاعبها وتطوراتها، وأسباب هذه التطورات الخافية والظاهرة.. وكانوا ينظرون بعيون مفتحة، إلي وطنهم ومظاهر شقاوته، وأسباب ضعفه، ويألمون لها، ويحلمون بتحرره منها.. وكانوا كلما اشتد إحساسهم بسوء حال الوطن والمواطنين، اندفعوا يقرأون ويدرسون، ليعرفوا أسباب هذه الحال، ويكتشفوا لها حلا.. فلما انتهوا من دراستهم وجدوا عندهم رزقاً من الثقافة السياسية، أعانهم طول الحياة بعد ذلك علي الفهم والدرس، حتي حينما كثر عليهم العمل، فحرمهم من القراءة والتحصيل.


وقد كان مظهر حياتهم أثناء الدراسة الجامعية، أو الدراسة العالية، موحيا بأنهم من الشباب العاكف علي نفسه، الذي لا يهمه من أمور الدنيا قليل أو كثير.. وإنه إذا انتهت دراسته بحث له عن عمل يرتزق منه، ويتوفر عليه فلا يشغل بسواه.. ولكنهم في الحقيقة مروا في هذا الدور، بدور الحمل.. كانوا يختزنون الأفكار، وتمتلئ جعبتهم بالمشاعر، وتتزاحم في مخيلتهم الصور، حتي إذا ما خرجوا إلي الحياة العامة، حل دور المخاض وتبعه الوضع.


فإذا كان من بين طلاب الجامعة أو تلاميذ المدارس من يريد أن يكون سياسياً، وينفع وطنه، فليتخذ من هؤلاء القادة النموذج الذي يحتذيه وينسج علي منواله.. وسيري نفسه في مقدمة صفوف الناجحين، وفي الوقت نفسه، أقرب ما يكون إلي العمل السياسي، وأعظم ما يكون تهيؤا له.


ليقرأ الشباب خطب الساسة، وليسمعوها بأنفسهم إن شاءوا وليقرأوا تراجم حياتهم، وليشتروا الكتب التي تتحدث عن تاريخ بلادهم السياسي، والتاريخ السياسي الحديث.. وليعرفوا المذاهب والمبادئ، وليحاولوا الوقوف علي خبايا الصراع بينها.. فإن ذلك كله ينفعهم حتي لو كانوا ممن نذر نفسه للعلم الخالص الذي لا يطيق تهريج السياسة وزيفها ودجلها الذي تنقبض له النفوس.. فإذا فرغوا من الجامعة ومن درسها، خاضوا مع الخائضين، وقد تسلحوا بسلاح لا يفل، فإن نازلوا أحسنوا النزال، وإن صارعوا نجحوا في المصارعة.


وتسألني بعد ذلك: ماذا يفعل الشبان إن نزلت ببلادهم نازلة، أيرجئون دفعها، حتي يتموا التعليم؟.. وأقول: نعم.. ولا!


أما نعم، فلأننا جعلنا اعتمادنا كله في الصراع السياسي علي طلاب الجامعة، فاقتصر العمل السياسي علي القاهرة واقتصر الكفاح السياسي في القاهرة علي حرم الجامعة وحدها.. وقد كان لذلك آثاره فإن مجموع الأمة بقي يتفرج علي ما يدور علي مسرح السياسة، كأنه لا يمت إليه، ولا يتصل به.. ففقدت السياسة معناها الأصيل.. فلم تعد السياسة الكفاح من أجل الحكم الذي يطلبه الشعب.. وفي البلاد المحتلة، يكون الحكم الذي يطلبه الشعب هو الحكم الوطني بإجلاء المعتدين.. بل أصبحت السياسة كفاح بضعة من الساسة في الحصول علي الحكم لأنفسهم هم، دون أن يمثلوا أحدا من مجموع الشعب.. فمن الخير أن نستدرج إلي حلبة الكفاح السياسي طبقات أخري غير طبقة طلبة الجامعة، لأن الطبقات الأخري إن نزلت إلي المعركة، تطهرت السياسة في الحال من هذا الزيف الذي صاحبها في مصر هذه السنوات الأخيرة.


أما، لا.. فلأنني لا أتصور أن أحدا يستطيع أن يقف أمام الكوارث الوطنية جامدا لا يحس ولا يتحرك.. فطلبة الجامعة، وتلاميذ المدارس، هم أكثر الجميع إحساساً بهذه الكوارث، وأقدرهم علي سرعة الاستجابة لها، والعمل لإنقاذ البلاد منها.. ولذلك سيندفعون، عندما تجل المصائب وتكبر، إلي نجدة بلادهم مهما عظمت الحوائل، أو ارتفعت السدود.


هذه كلمات لا أحب أن أسميها نصائح، وددت أن أوجهها إلي إخواني الشبان، وهم يستقبلون عامهم الدراسي الجديد، والغبطة لهم تملأ نفسي، إذ أذكر هذه الأيام اللذيذة الممتعة التي يستقبلونها هم الآن.. الأيام الأولي من العام الدراسي الجديد، التي يفرح الطالب فيها بكل شيء.. بالعودة إلي إخوانه الذين ألف أن يراهم ويناقشهم.. وبالأساتذة الجدد الذين كان يراهم، ولا يسمعهم.. وبالكتب الجديدة توزع، فتفوح منها رائحة الورق الجديد.. كل شيء ينعش النفس، وينشطها، ويبعث علي الأمل.


وإني إذ أذكر هذه الأيام وأستعيد صورها، أبعث لهم بالتحيات، متمنياً لهم ولبلادهم الحبيبة العزيزة المجد والحرية.


"الهلال نوفمبر 1952 "