العبور بحمارة شـغـل

20/10/2015 - 11:10:27

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

فؤاد حجازي - كاتب مصرى

رغم شوقه الدائم إلى زوجته وأولاده إلا أنه كان يمتعض، وقت حصوله على إجازة، ويود لو يقضيها بعيداً عن بيته، وهذه المرة، بعد وقف إطلاق النار، كان حقاً يود الذهاب إلى قريته. سلم أمره لله..


وترك نفسه على سجيتها. والبنتان وأمهما، لم يصدقن أنه بينهن.


وبينما يشفق على نفسه، مما سوف يسمع بعد لهفة اللقاء عن مشاكل ابنه، لمح لمعة فرحة فى عينى زوجته.


وقالت:


- محمود تبرع بالدم.


كادت تفلت منه ضحكة ساخرة.. كيف ودمه ملوث بالمخدرات، من البانجو .. إلى الهروين.


ابتسمت، وهى تدرك ما يدور بخاطره:


- محمود حاجة ثانية الآن.. على كتفه بندقية.. ويطوف مع زملائه فى طرقات القرية.. يمنعون الإضاءة.. خشية من إغارة طائرات إسرائيل على مطار شاوة القريب.


تخفف العميد سيد من ملابسه العسكرية، وارتدى جلبابه الأبيض.. فتح شباك غرفته المطل على الغيطان.. كم اشتاق إلى هذه الجلسة. رشف من كوب الشاى الثقيل الذى أعدته زوجته، وتركته ليستريح.


احتوى الكوب بين راحتيه، وسرحت عيناه فى الخضرة..


ومازال يتردد فى داخله.. هل أنا حقا هنا..؟!


فى القطاع الجنوبى من الجبهة، كان أمام اللواء المدرع الذى يقوده إحدى عشرة مصطبة مرتفعة عن الأرض فى الضفة الشرقية لقناة السويس، سوف تعتليها الدبابات الإسرائيلية فور بدء الهجوم، هل سأرفع أرضى فى الغرب إلى مستواها.. متى .. وكيف..؟


وإذا نحيت مشكل الأرض جانباً. فماذا أفعل فى السلاح.؟


سيقصفون من مدافع دبابات باتون ذات عيار 150 مللى والمدى المؤثر ثلاثة كيلو مترات.. ومدافع دباباتى ت 34 مداها المؤثر أقل من كيلو متر، والمسافة بيننا وبينهم كيلو ومئتا متر.


بينما يقلب الأمر على أوجهه المختلفة فى مقر قيادته، دخل الرقيب البلاسى، ما إن طالع سحنته، حتى تبرم فى داخله.. لست ناقصاً مشاكلك الآن يا بلاسى. هو لا يستطيع التوافق مع الجنود من حملة المؤهلات العليا يلقبونه فيما بينهم بـ “الجاموسة” ولا يدرى العميد سيد سلامة، لماذا.. هل بسبب وجهه الأبيض غير متناسق التقاطيع، وشعره البنى الممشط إلى الأمام، يضفى عليه شيئاً من البلاهة.. أم لمحاولته اصطناع الحزم عندما يرد على أحدهم وقد جحظت عيناه "الله.. إنت حتصرف على أمر ولا إيه"، اتجه العميد سيد بناظريه إليه وقال:


- خير يا بلاسى.. العساكر عاكسوك.


ومال بكرسيه إلى الخلف وهو يردد بتؤدة:


- فوت عليهم الفرصة..


- أفندم.


أشار له بالصمت، ونهض إلى خريطة معلقة أمام مكتبه، وخط بقلمه فى عدة اتجاهات.. ولم لا .. سنمنع دباباتهم من الوصول إلى المصاطب..


- سنعبر بالفيات.. وطز فى الكاديلاك.


- أفندم.


كان دائماً، ما يشبه دباباته بعربات الفيات 128، حقاً متينة، وحمارة شغل.. لكن أين هى من دبابات إسرائيل، المرفهة كعربات الكاديلاك. سرعتها القصوى أعلى وحجم نيرانها أكبر، ولديها إمكانات رؤى ليلية. ولم يكن يرى فيها سوى نقطة ضعف واحدة فى صالحه، حجمها الكبير، حيث تكون مساحة كبيرة منها عرضة للقذائف المضادة للدروع، ويصعب عليها الاختفاء.


سطر العميد بضعة أسطر فى ورقة، وطلب من البلاسى أن يستدعى سائق عربته الجيب، ووعده أن يستمع له بعد عودته. وأسرع إلى قائد المدرعات ليعرض عليه ما فكر فيه.


- سيأتى التفوق إذا فوتنا الفرصة على الدبابات الإسرائيلية، ولم تصعد إلى المصاطب.


- كيف ..؟!


- مجموعة من القناصة تصطاد الدبابات فى العراء قبل التوجه إلى المصاطب، ومجموعة أخرى تزرع الألغام فى مطلع المصاطب.. فمن تفلت من الصواريخ تعثر فى الألغام..


- هل تعلم أن الاحتياطى خلف نقاط خط بارليف يقترب من ثلاثمائة دبابة، على بعد ثلاثة كيلو مترات فقط من القناة..؟


أخذ العميد سيد سلامة يزن فى رأسه مدى إمكانية تدمير أكبر عدد من هذه الدبابات، فور عبور أمواج المشاة الأولى للقناة. قال :


- تسقط الهليكوبتر قوات صاعقة خلف خط بارليف.


تفكر قائد المدرعات بعض الوقت..


- أريد بيانا عملياً.


وبدلاً أن تعم الفرحة كيانه، لأن القائد استحسن فكرته، اعتراه خوف ألا ينجح فى التطبيق، لكن مخاوفه زالت، بعد نجاح البيان، ولم يهنأ بذلك طويلا، فقد عاجله القائد:


- انس الهليكوبتر.. وأريد بياناً آخر.


تفهم العميد سيد سلامة الموقف، فالمهمة داخل العمق الإسرائيلى، وقد لا تنجح الهليكوبتر فى الإفلات من الصواريخ أو الطائرات المعادية، كما أنه وقت احتدام المعارك، قد لا يتمكنون من إمداده بالهليكوبتر.


وأخذ يفكر فى حل لنقل سرية مشاة دون طائرة.


لم ينتبه، إلا ومحمود يقف أمامه صامتاً. عزت عليه نفسه وهو يرى ابنه لا يشرع فى الكلام قبل أن يسمح له.


كانوا يسمونه فى الوحدة بـ “الصامت” لأنه يحدق فيمن يود محادثته ولا يزيد على قوله “اسكت”، بينما فكره فى غدو ورواح.


وفى إجازاته ما يكاد ينتزع نفسه من الغرق فى مشاكل ابنه.. امتناع عن الدراسة.. عراك مع والدته وشقيقته، حتى يسقط فى بحر الأرق خشية ألا يوفق فى تطبيق ما اهتدى إليه، عندما تحين الحرب.. خاصة ووقتها، تنبثق عقبات، لا يعلم أحد من أين..


ولم يكن يزيد كلما هم محمود بمحادثته عن “اسكت” ثم ينظر إليه فى غضب لأنه لم ينصرف بسرعة.


هل تسبب بصده فى تماديه فى تعاطى المخدرات.


قام واحتضن ابنه، ولف يمناه حول كتفيه، وأجلسه فى جواره.


وتدفق محمود:


- راقبنا توزيع التموين.. العيش والأرز والخضراوات.. والناس تبيع بالتسعيرة مع أننا كنا فى رمضان.. وموسم .. وحتى اللحوم والطيور لم ترتفع أسعارها.


ضحك الأب، ورنا إليه فى حنان.


- تبرعت بدمك؟!


- ماما قالت لك .. كانت طوابير تتزاحم.. هل تصدق يا أبى أن جارتنا أم حسن.. وهى حالها يعنى.. تبرعت بخزينها من الغلة والذرة.. وبحلة نحاسية من أيام زوجها. وعم على من شارعنا أيضاً.. جاء ومعه حفيدته، تحمل حصالتها، وخلعت حلقاً ذهبياً من أذنيها.


وخشية أن تخونه دموعه تأثراً، دفعه برفق، وأردف:


- اطمئن من أم محمود على الغداء.


عاد محمود يطل برأسه:


- الغداء قبل المباراة أم بعدها.


كاد ينسى.. اليوم مباراة مهمة للأهلى.


- بعدها طبعاً.


طار النوم من عينيه.. واكتفى بالاسترخاء حتى لا تفوته المباراة .. كانت الشوارع شبه خالية من المارة بعد ظهر الخامس من أكتوبر.. كثيرون حجزوا أماكنهم مبكراً فى المقاهى.. وآخرون لزموا بيوتهم.. مباراة الزمالك والاتحاد مبثوثة تليفزيونياً ومباراة الأهلى والمنيا فى التوقيت نفسه مذاعة فى الراديو.. ولا حديث للناس إلا من سيفوز ببطولة دورى كرة القدم .. الزمالك أم الأهلى.. وكلاهما متساويان فى النقاط.


كان يود متابعة المبارتين ليطمئن على الأهلى، خاصة وهو لم يستطع أن يقطع بشىء من كلام الجرائد . لكنه سوف يقوم بمراجعة ترتيبات ما هو مقدم عليه فى غده.. والتساؤلات لا تفارقه هل نسى شيئاً.. هل تحسب للمفاجآت.. ماذا يمكن أن يجد وليس فى الحسبان.


طوى الصفحات الرياضية على عجل، وفى باقى الصفحات.. لم يستشف شيئاً عن الحرب.. جاس بسرعة فى المقالات والتعليقات.. أحيانا كلمة عابرة .. قد تلفت نظره لشىء غفل عنه.. نفس الحديث المعاد عن غلاء المعيشة.. نفقات شهر رمضان الكثيرة على الياميش والفوانيس والعزومات .. الآباء يشكون من المصروفات المدرسية، مقال عن إنشاء جامعة خاصة، شكوى من الباصات المتهالكة، والتى تتكدس بالركاب.. تصريح لرئيس هيئة المواصلات.. يجيز للطلبة استخدام اشتراكهم فى أى باص يصل إلى الجامعة.


آخر النهار، علم بتعادل الزمالك وفوز الأهلى بالمباراة وبالدورى.. ملأه التفاؤل.. وأخذ يؤكد لنفسه.. سوف ننجح.


وعندما طالع عناوين الصحف فى صباح السادس من أكتوبر، عن استمرار حالة اللاسلم واللاحرب، واستعاد فى ذهنه سخرية الناس من عام الحسم.. الذى كانت القيادة تصف به كل عام يأتى، اعتراه غير قليل من التوجس والضيق.


حانت الساعة..


وقف خلف تبة بالضفة الغربية للقناة، يراقب بنظارة الميدان، الأفراد العابرين، كان، بعد أن نحى الاستعانة بالهليكوبتر، قد انتقى من كل فصيلة مشاة ثلاثة أفراد، متفوقين فى القفز والسباحة، وجلب بعض الجراكن الفارغة وسد فتحتها، وها هم يعبرون القناة فوقها ومعهم سلاحهم الشخصى والصواريخ والألغام.


عبر الفريق الأول.. والثانى.. ورافق هو الثالث والأخير..


زحف جنود الفريق الأول إلى مطالع المصاطب وزرعوا ألغامهم.. وربض جنود الفريق الثانى بالقرب منهم.. وكمن الفريق الثالث خلف إحدى نقاط خط بارليف الحجرية الضخمة، عند بداية الطريق القادمة إليه من عمق سيناء.


أعطى العميد سلامة إشارة لقواته المدرعة على الضفة الغربية، فأطلقت مدافعها، وأسرع إلى الساتر الترابى، ليتحقق من فتح الممر خلاله، التى ستعبر منه.


جاءته إشارة من الكمين، أن الدبابات الإسرائيلية فى طريقها لركوب المصاطب، دق قلبه بعنف، وتساؤل يؤرقه.. فرد المشاة يواجه دبابة ..! لحظة يفقد الأمل وأخرى يؤكد لنفسه.. ولم لا ..؟!


أطلقت الدبابات الإسرائيلية قذائفها، تمسح المنطقة، تحسباً لوجود شىء، تقدم قول من خمس عشرة دبابة.. تعامل معه جنود الكمين، أطلق أحدهم صاروخاً على الدبابة الأخيرة، لتعطيل القول إذا أراد الهرب. رأى العميد سلامة الصاروخ يلبس فى الدبابة، فغلى دمه حماساً، وصاح فى اللاسلكى فى قائد الكمين ماذا تنتظر وجاءه الجواب.. انطلق صاروخ فأصاب الدبابة الأولى.. وما كاد أفرادها يغادرونها طلباً للنجاة، حتى كان الرقيب البلاسى يطلق عليهم النار من رشاشه. وخيل إليه أن باقى أفراد الكمين يضحكون .. كانوا فى التدريب يتهمون البلاسى أنه “طفيلى” يتغذى على ما يفيض منهم ويهددونه، أنهم لن يمكنوه من ضرب من يفر من صواريخهم.


أصيبت دبابة أخرى، وأسرع أفرادها للاحتماء فى دبابة خلفهم، وتابع بناظريه صاروخاً فى طريقه إلى دبابة خرجت من الطابور، وإذا بالصاروخ يتجه إلى الدبابة التى احتمى بها الناجون، فأدرك أن مطلقه عدل مساره إليها، ليفوز بالغنيمة وحده، فلم يملك نفسه من الاتصال بالبلاسى قائلاً: عملها فيك.


وإذا بثلاث دبابات تتقدم من جهة الغرب، كيف أفلتت واستدارت لتفاجئهم . هل مرت من خلف الحصن.. أم كانت رابضة هناك، ولم يلحظها، أصدر أمره لأفراد الفريق الثانى بالاستدارة إلى الخلف والتعامل معها، أصيبت إحداها، وأسرعت أخرى لتحتمى بالدخان المتصاعد منها وهى تحترق.


- اضبط على الدخان.


أصابها صاروخ فى مقتل، وهربت الثالثة، وهى تطلق قذائفها، فأصابت أفراداً من الكمين عند الطريق. أمر بسرعة الإخلاء، وأن يحل محلهم أفراد من زارعى الألغام. سارعت الدبابة الهاربة إلى صعود المصطبة أمام الحصن. دوى انفجار هائل، فأدرك أنها عثرت فى لغم.


قول آخر من الدبابات الإسرائيلية، لا يقل عن سابقه، يتقدم من العمق.


- الفريق الأول .. الجانب الآخر من الطريق.


وسرعان ما انتشروا فى مواجهة أفراد الكمين، انتظروا حتى مرت الدبابات الإسرائيلية بينهما. وأطلقوا الصواريخ من القاذفات فوق اكتافهم، تمزق الجنازير، خرج أفراد من الدبابات لاستبدالها، فكان فى انتظارهم البلاسى وزملاؤه بالرشاشات. وأسرع آخرون إلى فتحات الأبراج فى الدبابات وألقوا قنابلهم اليدوية.


طلائع دبابات اللواء تعبر القناة. غضب العميد سيد سلامة. من أمرهم بالعبور الآن. كظم غيظه. ربما دفعهم الحماس، أو ربما وصلهم البلاغ أن الممر تم فتحه فى الساتر الترابى، فعدوا ذلك إشارة بالعبور. الحمقى. ألم أنبه عليهم مراراً ألا يعبروا إلا بأمر صريح منى..؟! الطائرات الإسرائيلية تلقى قنابلها فوق جنودنا على جانبى الطريق. أمرهم العميد بالإسراع إلى الحفر البرميلية. أبلغ سائق مركبته عن إصابته، أمره إذا كانت إصابته بسيطة ويستطيع القيادة، أن يتحرك بالمركبة بعيداً عن الانفجارات . وأمر بإخلاء المصابين إلى المستشفى الميدانى فى الخلف.


فكر أن يستفيد من دباباته التى عبرت لتعتلى المصاطب، وتقصف الدبابات المشتبكة مع قواتنا على الطريق خلف الحصن. تنبه إلى أن مصاعد المصاطب مزروعة بالألغام، وأمام الحصن، فى مواجهة القناة ألغام إسرائيلية، ومازال المهندسون يطهرون الموقع.


كدت أتسبب فى كارثة..!!


لحظ أن الجانب الأيمن لقواتنا يكاد ينكسر . أمر البلاسى أن يسرع بجنوده لمساندته، خشية أن تمر الدبابات الإسرائيلية وتطوق باقى القوات. بعد قليل أفاد تقرير من البلاسى أن دبابتين تتعاملان معهم بمدفعين رشاشين نصف بوصة، وقتل بعض رجاله. أمر العميد أحد الأفراد بالانضمام لمجموعة البلاسى، وكان مشهوراً بدقته فى إصابة الهدف.


لم يطق العميد صبراً، فأسرع إلى مجموعة البلاسى. لو نجحوا فى الاختراق، ستصاب دباباته التى أوكل إليها مهمة تأمين باقى المدرعات حين عبورها، بضرر بالغ، وقد يعوقون المشاة من الاستيلاء على الحصن.


طلب من الجندى الهداف إخراج جهاز الضرب الخارجى، وأمره بتسلق التبة التى يتسترون خلفها، عندما وصل إلى قمتها أبلغ أن الدبابتين تطلقان من وراء تبة ولا يظهر منهما سوى البرج والمدفع.


- تعرف ما ينبغى عمله.


ضغط زر الإطلاق فانطلق الصاروخ، وجهه بالعين المجردة، ثم استخدم المنظار، وبعد أن وصل عده التنازلى إلى سبع ثوان، أنزل الصاروخ بخفة على برج إحدى الدبابتين. عندما شاهد العميد عاموداً من النار والدخان الكثيف يتصاعد، زايله قلقه.


وجاءه البلاغ أن أفراد الدبابة الثانية يهربون.. أشار للبلاسى، فأسرع خلفهم برشاشه، لكن الأمر عاجله:


- أحياء .


وضحك العميد فى نفسه، فكأنه ينفذ ما توعد به الجنود البلاسى، من عدم تمكينه مما ينتج عن صواريخهم.


نقرات خفيفة.


تطلع نحو الباب.. وإذا بالفتاتين تستأذنان فى الذهاب للدرس، حتى يحين موعد الغداء، أومأ برأسه، فقالت إحداهما:


- محمود سيوصلنا.


أومأ برأسه ثانية وهو يغالب نفسه من الدهشة.


كثيراً ما رجاه - دون جدوى- أن يذهب معهما للتسوق، وكان يعزى ذلك لخجله من المسير مع فتاتين. أو إلى عدم ثقته بنفسه ليساوم الباعة. وتساءل.. هل لجأ إلى المخدرات ليهرب من خجله وعدم ثقته بنفسه..؟!


.. أم هرب إلى المخدرات نتيجة إعراضه عنه وعدم إصغائه إليه..؟!


وهو على وشك إعطاء الأمر لباقى دبابات اللواء بالعبور، جاءه البلاغ أن ثلاث دبابات إسرائيلية، تطلق على الموقع الذى كان يتعامل منه، ولكن من الجهة اليسرى.


مصرون على الاختراق والتطويق.


امتلأت نفسه بالضيق.. وخشى أن تفلت أعصابه.. قلنا لا يمكن الهجوم وهم متفوقون علينا فى المدرعات.. وحضرته مقولة الرئيس السادات لقائد الجيش الثانى الذى كان يطلب تحديث السلاح ومزيداً من القوات، معك قوات أكثر مما مع روميل فى الحرب الثانية، لماذا لم يرد القائد أن إسرائيل سادس قوة عسكرية فى العالم بعد فيتنام، طبقاً لما نشره المعهد الاستراتيجى بلندن.


استطلع بنظارة الميدان، الدبابات الإسرائيلية تختفى خلف تبة مستطيلة، تطلق قذائفها ثم تختفى خلف تبة بالقرب منها، ولا ترى إلا ثوان معدودة وتعاود الكرة ذهاباً وإيابا.


شرح الأمر لجنوده.


أطلقت الدبابات الإسرائيلية قذائفها.. وفى الفترة التى توقعوا أنها ستمرق فيها خلف التبة الأخرى، أطلقوا صواريخهم بين التبتين . وعندما ظهرت وجهوا الصواريخ إليها. تصاعدت النيران. أمر العميد دبابتين مصريتين، بأخذ موقعين لهما خلف التبة المستطيلة، ليفوت على الإسرائيليين معاودة الأمر. ولحماية ظهر قوات المشاة، التى أبلغت عن سقوط الحصن فى أيديها. اشتعلت النيران فى إحدى الدبابتين المصريتين، وقبل أن يصدر أمره بارتدادها، جاءه بلاغ أن وحدة مشاة إسرائيلية راكبة تتقدم. بينما يفكر فى كيفية التعامل معها، اقتحمت الدبابة المشتعلة الوحدة الراكبة.


انتظر العميد سلامة حتى المساء، وعندما لم تحدث هجمات مضادة قرر التحرك إلى الأمام. هل كانت القيادة على حق، عندما قررت الحرب بالسلاح الذى فى أيدينا دون انتظار لتحديثه، وكيف نحدثه.. وكلما حصلنا على حديث أمدت أمريكا إسرائيل بالأحدث، فإذا انتظرنا .. متى كنا سنحرر سيناء؟!.


أخذ العميد التمام من الفرق الثلاث، وأمرهم بتمهيد الأرض لمرور دباباتنا، واحتلال النقاط التى قد يفيد منها الإسرائيليون فى إعاقة تقدمنا.


وأعطى أوامره لباقى دبابات اللواء فى الغرب بالعبور، فتقدمت فى تشكيل مفتوح. وقبل أن ينتصف الليل، اتصل به قائد إحدى الكتائب.


- تمام يا أفندم.. تم احتلال مركز قيادة إسرائيلى تحت الأرض.. وعندى أكثر من أربعين قتيلا، بينهم عدد من القادة. وتوجد طرمبة أعماق لجلب المياه العذبة، وخزان مياه سعة عشرة آلاف جالون. وتوجد خرائط.


وخشية من هجوم مضاد أمر:


- أخل فوراً وأرسل لى الخرائط.


وبعد أن أغلق العميد الخط عاود الاتصال:


- الماء.


وأجابه قائد الكتيبة ضاحكا:


- وهل يفوتنى..؟!


وصلت عربة نقل، محملة بجراكن الماء، وكأنما تذكروا جميعا أنهم عطشى، فأخذوا يعبون الماء، ويدلقونه على وجوههم وأذرعهم.


- بابا الغداء جاهز.